فهرس الكتاب

الصفحة 1733 من 1942

في البدء إذن كان فجر الإسلام متفجرًا بهذه الخلافات ، لكن القراءة المنصفة للفتنة الكبرى لا تختزل فجر الإسلام في أحداثها ، بل تحاول أن تستخلص عبرها السياسية والفكرية التي ساعدت على انتشار الإسلام .

وهذه القراءة لا تتاح إلا متى جردنا الأحداث عن رداء التزوير والتهويل الذي ألبسته كتب الأدب المتعاقبة للتاريخ المحض ، فأضفت عليه صفات أسطورية تراكمت مع مر القرون ، حتى خبا وهج اللهب الإسلامي، تحت أكوام الرماد الخرافي.

وإنك لو حللت كل خلاف من الخلافات المذكورة ، لوجدته منطلقًا لمدرسة فقهية أو شرعية ، كان لهما فضل فيما بعد في تجسيم الفكر الإسلامي الخصب الممتد عبر خمسة عشر قرنًا من مجد الإسلام إلى يوم الناس هذا.

فالخلاف الأول: وقع والرسول الكريم صلى الله عليه و سلم لم يزل مسجى في بيته لم يوارى الثرى بعد ، وهو خلاف يدل على حيوية المسلمين الأقدمين ، وميلهم إلى استعمال عقولهم ، في أشق فترات التوهج العاطفي ، وإنك إذا راجعت وقائع حوار السقيفة لأيقنت أنك بإزاء مجلس شورى حقيقي ، حر ذي صلاحيات نسميها اليوم دستورية ، أين منه أغلب المجالس الراهنة . فالخلاف بين المهاجرين والأنصار كان في الحقيقة شعورا حادًا بالمسؤولية ، لدى أوائل المسلمين ، نظرًا لثقل الأمانة وأهمية قضية الاستخلاف . فالسقيفة ليست شقاقًا بقدر ما هي مرجع للشورى الخالصة المتميزة في الإسلام . ثم إن هذا الخلاف انتهى بإجماع . والإجماع هو الأصل الإسلامي لحكم الأغلبية ، دون قهر الأقلية . وهي ميزة يختص بها تاريخ الإسلام دون غيره من الحضارات.

أما ثاني خلاف: أي اعتزال علي رضي الله عنه البيعة ، فإنه يضع أسس التوازن في الحكم ، وهو مصدر أصلي من مصادر الفكر السياسي الإسلامي . ألم يصفق المثقفون المعاصرون اليوم لثنائية المسؤولية ، بين أهل الحكم ، وأهل المعارضة في نطاق سنة الحوار والتداول ؟ كان ذلك هو جوهر اعتزال علي رضي الله عنه: منع الانفراد بالسلطة ، وإيجاد توازن حي ، بين صاحب الأمر ، وصاحب الرأي ، والحفاظ على إمكانية التداول . وهكذا يجب أن نقرأ هذا الخلاف.

ويأتي الخلاف الثالث: ليكرس الشورى في أروع معانيها ، إذ تعتمد على تفسير ثاني مصادر التشريع أي السنة ، ولا تعتمد على الهوى . فقد حدث في عهد الخليفة الأول أبي بكر رضي الله عنه ، أول نكوص عن الالتزام بأحد ثوابت المجتمع الإسلامي ، وهو الزكاة ، مما أذن ببداية زعزعة ذلك البناء الجديد ، في زخم تحديات داخلية وخارجية متراكمة . فالزكاة إحدى قواعد الإسلام الخمس ، كما أنها ركيزة الدولة الإسلامية الناشئة ، والمساس بها يعد بالطبع ردة عن الدين ، وتدميرًا للمجتمع الفتي.

لكن الذي وقع ، كان حوارًا فقهيًا وسياسيا ، بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فكان الخليفة الأول يرى وجوب قتال مانعي الزكاة ، بينما يرى عمر ألا يحاربوا ، متمسكا بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه ، وحسابه على الله ) .

فبين أبو بكر لعمر ، أن الزكاة من حق لا إله إلا الله ، قائلًا: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم لقاتلتهم على منعه ) . فقال عمر: (فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق ) .

وأجمع القوم على رأي واحد ، وتمت محاربة مانعي الزكاة ، ونجا الإسلام في صدره من فتنة محققة.

إنها تجليات أخرى مرجعية لسماحة الحوار وآدابه ، وانطلاق الخلاف الفقهي من نص القرآن أو السنة المطهرة ، كمصدرين للتشريع قبل الإجماع.

ونأتي إلى الخلاف الرابع ، حول أهم وأخطر مسألة من مسائل الحكم ألا وهي حدود صلاحيات الحاكم ، وضوابط المسؤولية ، ووضع الفواصل الشرعية والقانونية بين المصالح الشخصية والأسرية ، ومصالح عامة المسلمين . وهذا الصنف من الخلاف نراه مؤسسًا للفقه السياسي في الحضارة الإسلامية ، نعتز بسبقنا فيه على الحضارات كافة ، حتى وإن كان عنيفًا بالدرجة التي جرت ضمنها الأحداث . وإننا لسنا بصدد إفراد حادثة اغتيال عثمان رضي الله عنه ، بالحديث المطول ، فالكتب التي خصصت للفتنة الكبرى كثيرة ومتنوعة بل تكفي إشارتنا لعمق الجدل الفقهي السياسي ، الذي دار على ألسنة أسيادنا الصحابة الأجلاء في ذلك العهد ، قبل وأثناء وبعد حادثة اغتيال ثالث الخلفاء رضي الله عنه . فقد أثيرت في ذلك الجدل أدق قضايا الفكر الاجتماعي والاقتصادي ، وأكثر مشكلات الحكم تعقيدًا وتشعبًا ، إن في تقويم تصرف ذي النورين عثمان رضي الله عنه ، وإن في الحكم على تصرف مغتاليه . وإنك لظافر في هذا الجدل ، بأبرز أسس علم الاجتماع والفلسفة السياسية ، وفقه المعاملات ، وحتى القانون الدستوري ، مما لا شك ، هيأ فكريًا لقيام الدولة الإسلامية واستنادها إلى ثوابت قارة من المباديء والمثل.

ويجيء الخلاف الفلسفي المتمثل في تباين الآراء والمصالح حول مبايعة الإمام علي رضي الله عنه ، في غمرة الضجة الكبرى ، الي أحاطت باغتيال عثمان رضي الله عنه ، وهذا الخلاف مهما كان تأثيره ، لم يخرج عن كونه يشتمل على جوانب شخصية وفقهية ، أما الجوانب الشخصية فتتعلق مثلًا بحديث الإفك وما روي عن علي من أنه قال للنبي صلى الله عليه و سلم: (النساء سواها كثير) ، فشق ذلك على عائشة حسبما يذكره القرطبي في تفسيره أما الجوانب الفقهية ، فكتب التراجم والتفسير تزخر بها ، وهي تطوف حول منزلة علي من الرسول صلى الله عليه و سلم ، والأحاديث المتواترة الواردة في هذا المعنى كثيرة ، ومنها: (من كنت مولاه فعلي مولاه ) ، وقول الرسول صلى الله عليه و سلم لعلي: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، غير أنه لا نبي بعدي ) .

وأن ما يهمنا استخلاصه من هذا الخلاف ، هو أنه كان المنطلق الحقيقي الأول لمعالجة المسلمين لمسألة الإمامة ، والقيادة ، والزعامة ، وقد نشأ عن ذلك الاختلاف المبارك شعور بمسؤولية المجتمع الإسلامي في اختيار الخليفة ، وطرحت مشكلة الشرعية لأول مرة ، حينما تم الاتفاق على وجود خمسة مناهج متباينة في اكتساب الشرعية:

(أ) ترك الأمر للأمة كما فعل الرسول صلى الله عليه و سلم عندما سكت عن التعيين .

(ب) ممارسة الشورى بعد الجدل والاختلاف ثم الاتفاق ، كما تم في السقيفة حين تعيين أبي بكر الصديق.

(ج) التعيين الصريح مثلما فعل أبو بكر حين أوكل بالخلافة لعمر رضي الله عنهما .

(د) اصطفاء ما سمي من بعد بأهل الحل والعقد ، يتولون اختيار الخليفة ، نيابة عن المسلمين مثلما وقع عشرات المرات في التاريخ الإسلامي.

(هـ) أخذ الإمامة بالقهر والغلبة ، وهو أمر تم كذلك في فترات متعددة ومتباعدة من الحضارة الإسلامية ، وقد أطنب فيه سهيل بن عبد الله التستري وابن خويز منداد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت