فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 1942

ومن الطريف أن مدينة"بلنسية"ما زالت تحتفظ إلى اليوم ببعض مظاهر ما تبقى من نظم المسلمين المتعلقة بسقاية هذه البساتين، ألا وهي محكمة المياه TRIBUNAL DELASAGUAS، التي تعقد عند باب الكاتدرائية في الساعة العاشرة ظهرًا من كل يوم خميس. وتتألف هيئة المحكمة من خبراء بشئون الري يمثلون نواحي كورة"بلنسية"ويرأسها مندوب من الحكومة. فإذا دقت الساعة الثانية عشرة، قام الحاجب ليعلن افتتاح الجلسة وينادي أصحاب الظلامات. وبعد المناقشة والمداولة يصدر الرئيس الحكم وهو حكم ملزم لا يقبل المناقشة أو الاستئناف . وهذا ما كان يحدث قديمًا أيام المسلمين عند باب المسجد الجامع في لنفس موضع الكاتدرائية. ولا يفوتنا أن نشير إلى جنة العريفEL GENERALIFE وهو اسم الحديقة الجميلة التابعة لقصر الحمراء في لغرناطة"LA ALHAMBRA"، ذلك القصر الذي صار نموذجًا يحتذى به في بناء القصور الملكية وغيرها في أنحاء العالم.

وقد حافظ الأسبان على القصر وحدائقه الغناء التي لا نسمع فيها إلا خرير المياه في كل مكان. وقد عبر عن ذلك الشاعر الأسباني جاريثا لوركا بقوله، غرناطة التي تبكيGRANADAQUE ELORAE كناية عن كثرة مياهها.

كذلك اشتهرت الأندلس بزراعة أنواع مختلفة من الخضراوات والفواكه لدرجة أن كثيرًا من أسمائها دخلت في اللغة الأسبانية مثل: الباذ نجان BERENJENAS الخرشوف ،ALCARCHOFA 1لسلق ACELGA 1 لزيتون ACEITUNA الزعفرانAZAFRAN، 1لأرز ARROZ السكر AZUCAR النارنج (البرتقال) NARANJA البطيخ السندي SANDIA.. الخ.

بقي أن ننوه بالجهود المثمرة التي بذلها علماء الأندلس في تقدم العلوم الزراعية، فقد صنفوا فيها كتبًا علمية وأجروا عليها تجارب تطبيقية أفادت العالم: فمنهم من اعتبر أسماء النباتات والأشجار جزءا من اللغة العربية فدونوها في معاجمهم، كما فعل العالم الأندلسي الضرير"أبو الحسن بن سيده" (ت 458 هـ) في كتابه المخصص. ومنهم من اهتم بالنباتات الطبية التي يستخرج منها الأدوية والعقاقير لفوائدها الصحية، مثل"ضياء الدين بن البيطار المالقي" (ت 646 هـ) صاحب كتاب (الجامع لمفردات الأغذية والأدوية"، ومنهم من كتب عن النبات من حيث زرعه ونموه وتسميده وحصاده أي ما يسمى بالفلاحة، ومن أشهرهم العالم الاشبيلي"أبو زكريا يحيى بن العوام"في كتابه (الفلاحة في الأرضين".

مما تقدم نرى أن الأندلس قد تميزت بنزعتها الجمالية نحو حب الورود والأزهار والأشجار، نلمسها في أحواش. بيوتها PATIOS المزينة بالنافورات والأزهار، وفي صحون مساجدها المليئة بأشجار اللبمون والبرتقال، وفي قصائد شعرائها في وصف جمال الطبيعة، وفي مؤلفات علمائها عن الفلاحة والأعشاب الطبية، بل وحتى في أصول أحكامها التشريعية والفقهية التي تتمشى مع ميولها الطبيعية ونزعتها الجمالية.

الدور العلمي للأندلس

حديثه طويل ومتشعب ومادته غزيرة نجدها فيما تبقى لدينا من تراث أندلسي، ولا سيما كتب التراجم والفهارس والرسائل التي تناولت موضع فضائل أهل الأندلس، مثل رسالة"أبي محمد بن حزم" (ت 456 هـ) إلى"الحسن بن الربيب القيرواني"، ورسالة"أبي الوليد الشقندي" (ت 639هـ) إلى"يحيى بن المعلم الطنجي"ورسالة"لسان الدين بن الخطيب" (ت 776 هـ) في مفاخرات"مالقة"وسلا"، ورسائل علي بن سعيد المغربي" (ت 685 هـ) التي أوردها"أحمد المقري" (ت 1041 هـ) في موسوعته نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب.

ولقد أنجبت الأندلس عدد أ كبيرًا من العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والمؤرخين والأطباء وغيرهم، ممن أثروا الحركة الفكرية بمؤلفاتهم، ووصلوا إلى العقل الأوروبي وأثروا فيه.

وما أسرده هنا من أسماء إن هو إلا قليل من كثير وحصاة من ثبير كما يقولون:

فهناك الفقيه"أبو محمد على بن حزم القرطبي" (ت 456 هـ/1063 م) الذي تظهر أصالته واعتزازه بنفسه ووطنه في كتاباته التي سبقت عصرنا. نذكر منها كتاب تطوق الحمامة في الألفة والآلاف"الذي يتناول فيه صفة الحب ومعانيه وأسابه وأعراضه. فنجده يعرض عن ذكر ما كتبه الأقدمون من أشعار الغزل وبكاء الأطلال والدمن ويسلك طريقًا مستقلًا يبين نضجه وأصالته."

وقد اهتم الأوروبيون بهذا الكتاب واعتبروه أول دراسة نفسية تحليلية لعاطفة الحب والمحبين، وترجموه إلى لغات عديدة. أما كتابه"الفصل في الملل والأهواء والنحل"، فهو عبارة عن دراسة نقدية للأديان والمذاهب والفرق الدينية المختلفة، ومقارنة بعضها بالبعض الآخر ويلاحظ أن هذا النوع من الدراسة، وهو التاريخ المقارن للأديان، لم يوجد في أوروبا إلا في القرن الماضي، وهذا يرينا أصالة هذا الكتاب واسهامه في الحضارة الإنسانية.

وما يقال عن"ابن بحزم"يقال أيضًا عن معاصره وصديقه"أبي مروان بن حيان القرطبي" (ت 469 هـ077 1 م) الذي يعتبر أعظم مؤرخ أنجبته أسبانيا الإسلامية والمسيحية في العصر الوسيط. فلقد ثبت من الأخبار التي أوردها في كتابيه"المقتبس"والمتين"، أنه ، على دراية واسعة ومعرفة دقيقة بكل ما يتعلق بتاريخ الأندلس وتاريخ الممالك الأسبانية المسيحية، بل وأيضا بعض جوانب من التاريخ الفرنسي فيما وراء جبال البرتات."

والواقع أن كتابات"ابن حيان"بالنسبة للباحثين الحديثين هي بمثابة خزانة علمية لهذا التراث الأسباني العربي بمختلف صوره وأشكاله، ولا يمكن لأي باحث أن يستغني عن قراءتها والرجوع إليها.

ومن أبناء"قرطبة"أيضًا الجراح الشهر"أبو القاسم خلف الزهراوي ، (ت 403 هـ/1013م) الذي ينسب إلى منية الزهراء في ضواحي غرب"قرطبة"وقد اشتهر في أوروبا بأسم (ABULCASIS ) "ويعتبر كتابه"التصريف لمن عجز عن التأليف"، موسوعة طبية مزودة برسوم الآلات الجراحية. ويعتبر"الزهراوي"بهذا العمل أول من جعل الجراحة علمًا مستقلًا بذاته، وقائمًا على أساس من العلم بالتشريح. وقد ترجم هذا الكتاب من قديم إلى اللاتينية والعبرية، كما نشر في"حيدر أباد"بالهند. كذلك أنجبت"اشبيلية"أسرة"بني زهر"التي كانت لها شهرة وزعامة ومؤلفات في عالم الطب على عهد المرابطين والموحدين، حتى صار اسم"ابن زهر"علمًا معروفًا في الأوساط العلمية الأوروبية باسم AVENZOA .

أما في ميدان الفلسفة فحسبنا أن نذكر"أبا الوليد محمد بن رشد القرطبي" (ت 595 هـ/ 1198 م) الذي اشتهر بشروحه لكتب أرسطو وصارت فلسفته تدرس في جامعات أوروبا مثل جامعة"باريس"، وجامعة"بادوا"PADOVA"في إيطاليا. وقد بلغ من حب الأوروبيين لشروحه أن تخيلوا أرسطو بعمامة كما يقولون، وذلك لأن كتاباته امتازت بالعمق في التحليل والقوة في الشرح والأمانة في الترجمة. وقد أطلقوا عليه اسم المعلم الأكبر ويسمونه AVERROES وقد وضعه الشاعر الإيطالي دانتي في ملحمته الشعرية"الكوميديا الإلهية"في منطقة اللمبو LIMBOبين الفردوس والجحيم أي ما يقابل الأعراف في الإسلام، ووضع معه"ابن سينا"و"صلاح الدين"من المشرق، لأنهم من فضلاء الناس وتقديرًا لأعمالهم. ولقد ترجم"ميخائيل سكوت"أعمال"ابن رشد"إلى اللاتينية في مدرسة"، طليطلة سنة 1330 م"فكان أول من أدخل فلسفة"ابن رشد"إلى أوروبا."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت