والمسلم يمثل مع إخوانه عضوية متماسكة ، وبناءًا منسجمًا مرصوصًا: (المؤمن كرجل واحد ، إن اشتكى رأسه اشتكى كله ، وإن اشتكت عينه اشتكى كله ) فهم كلهم متعاونون ، ومتراحمون ، لا يحبون الظلم ، ويفرجون كرب بعضهم بعضًا: (المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يسلمه .. من كان في حاجة أخيه ، كان الله في حاجته ، ومن فرج على مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلمًا ، ستره الله يوم القيامة ) كما أنهم متحابون: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) (6) وجارهم محفوظة حقوقه ، ومحترمة محارمه: (والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن .. قيل: ومن يا رسول الله ؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه ) وجماعتهم لا تجتمع على الضلالة والظلم: ( ما كان الله ليجمع هذه الأمة على ضلالة أبدًا ) ولا يتخلفون عن المشورة إذا استدعتها الظروف .. ويجاهدون في سبيل الله: ( إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ) .
وإنسان الاستخلاف كذلك ، متوازن في حياته ، يربط بين الدنيا والآخرة ، ويعرف وظيفة ، وموقع كل واحدة في حياته ووجوده .
نموذج لإنسان الاستخلاف
لنأخذ نموذجًامن النماذج البشرية ، التي أخرجتها مؤسسات البناء الحضاري التي كان يشرف عليها النبي عليه الصلاة والسلام .. ولغرض التحليل ، سوف نختار نموذجًا يصور لنا العملية التغييرية النبوية في مفاصلها الثلاثة:
جاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير: ( أرسل سعد قبل القادسية ، ربعي بن عامر رسولًا إلى رستم ، قائد الجيوش الفارسية ، وأمريهم ، فدخل عليه ، وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة ، وزرابي الحرير ، وأظهر اليواقيت ، واللالئ الثمينة ، والزينة العظيمة ، وعليه تاجه ، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة ، ، وقد جلس على سرير من ذهب .. ودخل ربعي بثياب صفيقة ، وسيف ، وترس ، وفرس قصيرة ، ولم يزل يركبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل ، وربطها ببعض تلك الوسائد ، واقبل وعليه سلاحه ، ودرعه ، وبيضة على رأسه .. فقالوا له: ضع سلاحك ، فقال: إني لم آتكم ، وإنما جئتكم حين دعوتموني ، فإن تركتموني هكذا ، وإلا رجعت .. فقال رستم: إئذنوا له . فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق ، فخرق عامتها ، فقالوا له: ما جاء بكم ؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء ، من عبادة العباد ، إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .. فأرسلنا بدينه إلى خلقه ، لندعوهم إليه ، فمن قبل ذلك قبلنا منه ، ورجعنا عنه ، ومن أبى قاتلناه أبدًا ، حتى نفضي إلى موعود الله . قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى ، والظفر لمن يبقى .. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم ، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا ؟ قال: نعم كما أحب إليكم ، يومًا أو يومين ؟ قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ، رؤساء قومنا . فقال: ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث بعد الأجل ، فانظر في أمرك وأمرهم ، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل .. فقال: أسيدهم أنت ؟ قال: لا ، ولكن المسلمون كالجسد الواحد ، يجير أدناهم على أعلاهم . فاجتمع رستم برؤساء قومه ، فقال: هل رأيتم قط أعز ، وأرجح من كلام هذا الرجل ؟ فقالوا: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا ، وتدع دينك إلى هذا الكلب ، أما ترى إلى ثيابه ؟ فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب ، وانظروا إلى الرأي ، والكلام ، والسيرة ، وإن العرب يستخفون بالثياب والمأكل ، ويصونون الأحساب) .
لنتأمل بعمق هذا الكلام الرسالي ، الذي لا يكف عن إعطاء السائرين في الكون بمعالم زاد المسير ، لنحلل بعض جوانبه . إن هذا الإنسان الجديد ، هو منتوج من منتجات المدرسة التغييرية النبوية ، كما أنه يقدم لنا صورة لجندي بسيط في مؤسسات البناء الحضاري ، وهو يؤدي واجبه اليومي في سياق تبليغ الإسلام للناس . إن هذا الإنسان يحمل في ذاته (المبررات الكونية للإسلام) وهو يتحرك بقوة الروح ، والعزيمة التي منحته أياها قيم هذا الدين وتعاليمه ، وضماناته ، ليحقق أهدافه في هذه الحياة والمتمثلة في: العبادة والإعمار ، والإنقاذ ، والتعارف - كما رأينا سابقًا .
عندما نتأمل موقع هذا الإنسان ، وهو يمارس مهامه ، وفي تلك اللحظة التي يقف فيها أمام رستم ، ماذا نستنتج؟
الأمر الأول الذي نلاحظه ، هو أن هذا الإنسان قد انهى تكوينه الحضاري القاعدي ، بمعنى أنه قد تخرج من:
-مؤسسات الربط الحضاري ، بالرؤية والرسالة الإسلامية ، حيث وعى أهدافه ، واقتنع بها .. فهو في حالة ارتباط قوي برسالته ، التي تتمثل في مشروع الإسلام عموما .
-ومؤسسات الوعي الحضاري للمشروع ، فهو يتمتع بفقه محيط لأهداف الإسلام ، وقيمه .
-ومؤسسات البناء الحضاري ، والانخراط في الإنجاز للمشروع .
ونستدل على المفصل الأول من التكوين من خلال قوله: ( الله ابتعثنا لنخرج من شاء ، من عبادة العباد ، إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .. ) فهو مؤمن بهذه المنظومة الجديدة من الأهداف ، ومجاهد من أجل تبليغها للناس ، كما نلاحظ بأنه تجاوز مفصل الوعي ، وبقوة عجيبة ، فرغم أنه كان في موقف زينت له فيه الدنيا ، وأعدت خصيصًا لإغرائه ، وإذهاله ، ولكن على العكس أذهلها ، وأذهل أصحابها . فقد استحقر كل ذلك العالم ، من الأشياء المائلة أمام عينيه ، ففي هذه اللحظة الجمالية الحضارية ، أعطى موقفه التاريخي الخالد ، وبرهن على ارتباطه بأهدافه ، ورسالته ، ووعيه العميق لها ، وأبان مدى مسؤولياته الكبيرة ، التي تفرض عليه أن يؤدي واجبه ، كممثل حضارة ، لا كمجرد مبعوث من قبل قائد إسلامي ، هو نفسه طراز آخر من النماذج الاستخلافية . فهو يعيش في موقف فرض عليه أن يلخص فيه رسالة الإسلام في كلما واضحة ، ومفهومة ، بعيدة عن التكهن ، والتفلسف ، والخلط . كما فعل جعفر من قبله بسنوات في أعقاب الهجرة الأولى إلى الحبشة وهو يخاطب النجاشي ، ولنا أن نقارن المواقف لنتعرف على مدى التطابق الذي يعبر على نفس النموذج ، الذي أخرجته المدرسة التغييرية النبوية ، مع مراعاة الفارق الزمني .. فجعفر كان في العهد المكي ، وربعي كان في العهد المدني ، لقد عبر ربعي - رحمه الله - عن تطليق عالم مادي ، لم تعد تسري فيه روح الحياة ، ولم يعد له مفعوله القديم على النفوس الجديدة ، وارتبط بعالم غيبي ، يمده بمبررات أكثر إنسانية ، وفعالية ، وفطرية . كما وضعه أمام ضمانات عظيمة ، لا يمكن تقديرها وفق المقاييس المتعارف عليها في عالم الناس ، حيث أصبح لعالم الأشياء مفهوم آخر ، أدمجه في منظموة تحقيق أهداف إنسانية ، تخدم مصالح الإنسان في عالمه الحاضر ، وعالمه الآخر.