فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 1942

يبقى الفريق الرابع من الناس، وهو الفريق الذي ينجو من نار جهنم ويضمن سعادة الدارين، هو ذلك الذي يجعل الدنيامزرعة لآخرته، وتصبح الآخرة هدف الدنيا بالنسبة له؛ بل يرى الحياة كلها بأبعادها وجوانبها المختلفة والمتعددة في محضر اللَّه سبحانه.. (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الانعام/162) .. إنه لايفرق في كل حركة يقدم عليها بين الدنيا والآخرة، فهو يتحرك في الدنيا ببواعث الآخرة، وهذا الفريق من الناس هوالذي يسلك الطريق السليم والقويم الذي يشير إليه سبحانه في سورة (التين ) ، والتي تصور هذه السورةالمباركة معالم الحضارة الإلهية التي يبعث فيها الإنسان روح التحرك والفاعلية.. (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِسِينِينَ ) إنه سبحانه وتعالى يشير إلى المادة الحيوية والغذائية التي تنفع جسم الإنسان وتغذّيه وتطعمه ليتمكن بسببها من بناء معالم الحضارة الإلهية على الأرض. فالتين فهو من الفواكه الطيبة التي تقضي على كثير من الأمراض،كداء (النقرص ) أو يصطلح عليه ب ( داء الملوك ) والذي أصبح اليوم داء شائع بين الناس، فهوينظم حركة الدم في جسم الإنسان. وكذلك (الزيتون ) والذي يعتبر غذاءً وإدامًا مقويًا لجسم الإنسان، وإن زيته مفيد للجسم دون إحداث مضاعفات، فزيت الزيتون لا يضر بكبد الإنسان، كما تضر الدهونات الأخرى، فلذاينصح الأطباء المرضى أو المصابين بارتفاع في نسبة (الكلسترول ) في الدم إلى تناول زيت الزيتون.

معالم الحضارة الالهية

إذًا، فالتين دواء والزيتون غذاء .. (وَطُورِ سِينِينَ ) أي ذلك الجبل المتوسط الذي انتشرت على روابيه أشجارالزيتون، لتشكل هذا المنظر الجميل الذي يوحي إلى اعتدال الهواء فيه ، لأن الزيتون لا ينمو إلاّ في المناخ المعتدل .. (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ) .. هو ذلك التجمع الإنساني الحضاري المتكامل الذي يكتنفه عنصر الأمن.

إن الأمن من العناصر الحياتية الضرورية التي تحتاجه كافة الكائنات الحية وبالذات الحياة البشرية ، فلو كانت لناحضارة متقدمة وراقية ولكن ليس فيها أمن، فما فائدة تلك الحضارة وصرحها الشامخ ؟ فلو قالوا لك مثلًا؛ هناك قصرمنيف جدًا ولكن فيه (جن ) ، فحتى لو باعوه لك مجانًا، فهل على استعداد لتسكن فيه؟!

نتذكر أن أيام القصف الصدامي على عاصمة الجمهورية الإسلامية وبسبب توالي الصواريخ كان الناس يخرجون من المدينة ويتركون وراء ظهورهم البيوت الكبيرة والقصور والشوارع و.. ويلجؤون إلى القرى والفيافي بحثًا عن الأمان!

إذن، فاللَّه سبحانه هيأ للإنسان الفاكهة وهيأ له الإدام المناسب، ووفر له الموقع الحصين والجميل والرابية الخضراء (وَطُورِ سِينِينَ ) ومنحه الأمن والتعاون.. فكل هذه هي آلاء ونعم إلهية يقسم اللَّه تعالى بها بعد أن وفرهاجميعًا لمصلحة الإنسان.. (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) ، هذا الإنسان الذي يستطيع أن يحرث الأرض ويستنبتها ويطعم نفسه بالتين والزيتون الذي يحافظ على أمنه وأمانه من أسباب الخوف والرعب كالزلازل والحروب؛ إن هذا الإنسان خلقه سبحانه وتعالى خلقة قويمة ومتكاملة لا يعتريها نقص ولا يشوبها عوز، لقد منح بالعقل الذي هو قوام التطور والانطلاق لتشييد صرح حضارته البشرية، فهو يمتاز عن كافة الكائنات الحية الأخرى بالقدرة على التفكير وتطوير الأساليب والوسائل العملية والتعاون مع الآخرين لبناء مدنيته، وهذا مالم ولن تقدر عليه الحيوانات.

بين قوام الإنسان وتسافله

ولكن نفس هذا الإنسان القويم والمتكامل، بإمكانه - بين عشية وضحاها - أن ينزل إلى مستوى حتى دون مستوى الوحوش الكاسرة، فتراه يختلف مع زميله فيتراشق وإياه بالكلمات والاتهامات، فيتحول إلى نزاع، ثم إلى معركةيستنجد بها كل طرف بقبيلته أو جماعته، فتشتعل الحرب الضارية بين الطرفين، فتحيل الحضارة والمدنية التي شيدها إلى أنقاض ورماد. هذا الإنسان هو الذي يخرب بيته بيده فيتسافل بعد أن خلقه اللَّه سبحانه وتعالى عظيم الشأن والمنزلةإلى مرتبة أدنى من مرتبة ومقام الحيوانات، لأن الحيوانات قد تأكل بعضها بعضًا بحثًا عن رزقها وطعامها الضروري والحياتي، إلا أنها لا تنهش كياناتها وتجمعاتها، غير أن هذا الإنسان يتسافل في حيوانيته لينهش لحم أخيه ويدمروجوده وحضارته .. (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) .. ما هو العمل الصالح؟ فالبعض يفسره بأداء الصلاة أو الصوم أو الحج وباقي الفروع العبادية، إلاّ أنني اعتقد أن هذا إيمان وليس عملًاصالحًا، إنما العمل الصالح هو الذي له منفعة ومصلحة للأمة وللمجتمع. فالكاسب والكادّ على عياله الذي يذهب إلى السوق ويحترف التجارة ويحصل على المال الحلال فإنه يعمل عملًا صالحًا، فكسب المال إذًا كان الهدف منه إشباع العيال وخدمة المجتمع، فهو عمل صالح ويؤجر المرء عليه لما يقدم خدمة للمجتمع وللآخرين.

وقد روي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: (من سعادة المرء المسلم الزوجة الصالحة، والمسكن الواسع،والمركب البهي، والولد الصالح ) (4) .

ومن كلام لأمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام بالبصرة، وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي -وهو من أصحابه- يعوده،فلما رأى سعة داره، قال: (ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج؟وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة، تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتُطلع منها الحقوق مطالعها، فإذاأنت قد بلغت بها الآخرة) (5) .

وأتذكر في أخريات حياة المرحوم والدي رحمه الله كان يجتهد في بناء بيت لأحد الأقارب، وكان يهتم كثيرًا بهذا الأمر وهوكبير السن قد تجاوز الثمانين، فقلت له: سيدنا! كيف تتعب نفسك وأنت في هذا العمر؟ فقال -رحمه اللَّه-: إنه ليس لي أجرفي الدنيا من ورائه، ولكن أريد أن يجلس الأقارب فيه ثم يترحّمون عليَّ بعد وفاتي.

إن الحياة التي ألفها المؤمنون سابقًا كانت مشفوعة بالتعاون والتواصل، فكان الناس ينظفون طرقهم بأيديهم - ولم تكن في السابق مديرية البلدية - وكان يضع كل منزل مشكاةً ومصباحًا فوق داره ليضي ء الدار وطريق المارة، وكانوايتسابقون في إماطة الأذى عن طريق الناس .. (وَلا تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ بَعْدَ اِصْلاَحِهَا) (الاعراف/56)

إنك ترى في بعض بلداننا كراسي حافلات نقل الركاب ملوثة وأعقاب السجائر مرمية هنا وهناك، وكأن الناس قدنسوا الحديث الشريف الذي قاله الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم: (النظافة من الايمان ) (6) .

الحضارة الالهية ؛ قمة الرقي المعنوي والمادي

إن بلادنا الإسلامية ينبغي أن تكون أرقى بلدان العالم على كافة النواحي والأصعدة كافة، سواء في مجال الصناعةوالزراعة والتكنولوجيا؛ بل يجب أن نحوز على الرقم القياسي في هذا المجال، وذلك لأن المؤمن هو الذي يعمر دنياه ببواعث الآخرة، لأن الدنيا في رؤيته مزرعة الآخرة، ولهذا نحن عندما نراجع مصارف الزكاة في سبيل اللَّه في الكتب الفقهية - ككتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي - نرى أنواع المصارف المتعددة لهذه الفريضة، كبناء القناطر والجسوروالطرقات والمدارس والمساجد. فالمسجد أو الجسر لا يختلف ثواب بنائه عن الآخر.

فإذا كان الإنسان الكافر والمشرك يعمر ويبني دنياه بدوافع مادية بحتة، فالمؤمن يعمر الدنيا بدوافع أخروية إلهية أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت