فهرس الكتاب

الصفحة 662 من 1942

والمعرفة باللغة تسهم في وضوح المعنى المراد من فكر الكاتب أو المتحدث، وتلك المعرفة تتطلب من الكاتب والمتحدث سعة اطلاع بقواعد اللغة وقواعد الكتابة وتنمية ثروته اللفظية من خلال تنمية معجمه الخاص، فكل إنسان له معجمان: معجم عام، وهو يضم كل ما يسمعه ويقرؤه الفرد منذ إدراكه الكلمات، ومعجم خاص، وهو ما يستخدمه فعلا في التعبير عما يريد، وهو أقل من نصف المعجم العام، ولتنمية هذا المعجم لابد من الاطلاع والقراءة في مختلف مناحي المعرفة، وبخاصة في المعاجم القديمة.

وإذا كان المعجم الخاص كبيرا فإن صاحبه يستطيع أن يفرق بين الكلمات التي بينها فروق دقيقة، وربما تحمل معنى عاما واحدا، ولنأخذ مثالا على ذلك الكلمات التي تدل على الجمال: (الصباحة، الوضاءة، الجمال، الحلاوة، الملاحة، الظَرف، الرشاقة) ، نقول: (وجه صبيح، بشرة وضّاءة، وأنف جميل، وعين حلوة، وقَدّ رشيق) .

بفضل تنمية الثروة اللفظية يستطيع الكاتب أو (الخطيب أو المحاضر) أن يفرق بين الكلمتين اللتين يقع فيهما الاشتباه، ونعرض هنا جملة من الكلمات من هذا النوع، نقول: تسلم الخطاب أي أخذه، لا (استلم الخطاب) ؛ لأن (استلم) بمعنى (لمس) ، وجاء زيد وعمرو معا، لا (جاءا سويًا) ، وحلّ زيد بمنزلنا ضيفا، لا (حلّ في منزلنا) ، ونقول: أثبت محمد كِفاية في العمل أي تفوقا، لا (أثبت كفاءة) ؛ لأن الكفاءة هي المساواة؛ ولذا فهي شرط فقهي في الزواج، واشترى زيد ظَرْفا كبيرا لا (مظروفا) ، واستوقف الطالب أستاذه فاستأذنه لا (استأذن منه) ، وأثّر زيد في عمرو لا (أثر عليه) ، وهذه شريعة سمحة لا (سمحاء) ؛ لأنه لا يوجد منها (أسمح) ، وهذا التمر مبيع لا (مباع) والأصل (مبيوع) ، وبلغت المشتريات مبلغا كبيرا لا (المشتروات) ؛ لأن الفعل (يشتري) ، ويباح الفطر للمرضع لا (المرضعة) ، وقاسى المريض ألما لا قاسى من ألم).

بفضل إثراء المعجم الخاص يستطيع الكاتب أن يكتب كتابة إملائية صحيحة، فيفرق بين الضاد والظاء في الكلمات، لاسيما أن الدلالات مختلفة، فمثلا: المرض: الداء، والمرظ: الجوع، المضرة ضد المنفعة، والمظرة: الأرض المتحجرة. وكذلك يفرق بين التاء المفتوحة والمربوطة وهاء الضمير، (دخلت الطالبة قسم الحاسب؛ لتدرس علومه) .

بالإضافة إلى إثراء المعجم الخاص للكاتب أو الخطيب ينبغي عليه أن يلمّ بقواعد اللغة العربية التي تعينه على استقامة لغته حديثا وكتابة، فيعرف ـ على الأدنى ـ قواعد المبتدأ والخبر والفاعل والمفعول والجمع والمثنى والأسماء الستة، فلا يقول: انتصر المسلمين على المشركين في بدر وكان المشركين أكثر من المسلمون، وهكذا. بالإضافة إلى أهمية فهم معنى الجملة، فإن الفصل بين القواعد والمعنى يوقع في خطأ شديد، وقد حدث بالفعل أن طالبا سئل في الاختبار: هات اسما من الأسماء الستة مرفوعا، فأجاب: (سافر هنوك إلى الرياض) !!

ولابد أن يلم الكاتب بعلامات الترقيم ودلالاتها، فلكل علامة دلالتها التي تميزها عن غيرها. (تُعرض أمثلة لذلك تضم علامات الاستفهام والتعجب والفاصلة المنقوطة) .

ومن تتمة المعرفة بالقواعد معرفة الأساليب الصحيحة في اللغة، فمن الخطأ تكرار كلمتي (بين وكلما) في الجملة، فلا نقول: لابد من السلام بين العرب وبين إسرائيل، ولا نقول: كلما صليت كلما أحسست بالراحة. كذلك من الخطأ استعمال (إلا أن) مع (على الرغم من، أو مع أن) ، فلا نقول: مع أن الأمر واضح إلا أنه يخفى على الكثير، والصواب (فإنه) ، وكذلك لا نقول: اصطف الطلاب وراء بعض، والصواب (بعضهم وراء بعض) ، ولا نقول: الاتفاق سيكون لاغيا إذا لم يتم الانسحاب، والصواب (مُلغَى) ، ولا نقول: الحضارة الإسلامية كان لها ضوء مبهر، والصواب (باهر) ، ولا نقول: موقف أمريكا من إسرائيل ملفت للنظر، والصواب (لافت) ، ولا نقول: الزعيمان العربيان دعيا إلى عقد مؤتمر للسلام، والصواب (دعوا) .

من المهم أيضا للكاتب والخطيب أن يحرص على أن يكون كلامه مقنعا وممتعا، وذلك باستخدام الأساليب البلاغية (التصوير والخيال) والتنوع بين الخبر والإنشاء وبين الجملة الفعلية والجملة الاسمية، ومن خلال التأييد لرأيه بالاقتباس من نصوص أخرى تعضد رأيه. ولا ينبغي أن يقتبس نصا إلا إذا اقتضت الضرورة؛ حتى لا يكون حشوا. وكذلك عليه أن يتجنب تكرار الجمل والكلام المعروف سلفا، وألا يطيل في المقدمة، وقد تسيء للموضوع إذا كانت محفوظة وخارج الموضوع.

ومن ألوان الكتابة المهمة:

ـ التقرير: يكتبه شخص ليبدي رأيه في شخص ما أو عمل ما، وهو يقوم به مسئول في جهة حكومية عن موظف ما أو مشروع ما؛ ولذا يجب أن يكتب بموضوعية ولا دخل للعواطف فيه بعد جمع الحقائق والمعلومات التي تمس الشخص أو العمل.

ـ الرسالة: وهي قد تكون شخصية من شخص لآخر، وهي من أنواع الكتابة العاطفية أو الأدبية، وتسمى (رسالة شخصية) ، وقد تكون من شخص لجهة حكومية (معروض) أو العكس أو من جهة لجهة أخرى، وتسمى بالرسالة الإدارية، وهي من الكتابة الموضوعية، وتبدأ بالبسملة واسم المرسل إليه (صفته الإدارية) ثم التحية ثم الموضوع ثم التحية ثم اسم المرسل والتاريخ والتوقيع.

ـ المقال: وهو عبارة عن فكرة ما يتناولها صاحبها بعرض لافت للنظر جذاب للقراء من خلال أسلوبه المتميز. وأنواعه (ديني اجتماعي أدبي سياسي وغير ذلك) .

حضارة ذات آفاق

لعل المقصد من العنوان هو الحديث عن الحضارة الإسلامية التي سادت العالم شرقا وغربا في فترة العصور الإسلامية الزاهية بفضل الكتاب الذي أرسي منهجا قويما مستقيما يتفق والقيم الإنسانية السامية والعقل الإنساني الراشد. وأود قبل الخوض في هذا الحديث أن أعرض لمفهوم الحضارة والمفاهيم المتقاربة التي توشك أن تكون مترادفة وهي المدنية والثقافة.

مفهوم الحضارة:

لم يتفق المتخصصون علي تعريف ما للحضارة أو الثقافة أو المدنية، بل وضع أصحاب كل علم مفهوما يتفق مع منهجهم ، فمنهم من رأي أن الحضارة أعم من الثقافة والمدنية، ومنهم من جعل الثقافة أعم من الحضارة والمدنية، وهذا الاختلاف لا يعنينا بقدر ما يعنينا مفهوم الحضارة كمدخل للحضارة الإسلامية.

الحضارة من الحضر بمعني الوجود ضد الغيبة ، والوجود هنا هو الوجود الذي يقتضي الاستقرار ؛ لذلك فالحضارة هي صفة للمجتمع المستقر في مكان ما، يتمتع برقي ما في الجانب المادي والمعنوي. ويعرف ابن خلدون الحضارة بأنها"نمط من الحياة المستقرة يقتضي للعيش فنونا من العلم والعمل والصناعة وإدارة شئون الحياة وأسباب الرفاهية ، وهي تعبر عن قمة التقدم الإنساني، وقد تصل الحضارة بعد تقدم مذهل إلي حالة من الترف يعقبه فساد، فتنزلق رويدا رويدا حتى تصل إلي السفح ؛ فهي غاية العمران ونهاية عمره ومؤذنة بفساده". ويري البعض أن"الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان علي الزيادة من إنتاجه الثقافى، ومقوماتها أربعة عناصر: القيم الأخلاقية، النظم السياسية، الموارد الاقتصادية العلوم والمعارف".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت