لكن الإسلام يمتد إلى كل قارات الأرض بفضل الأمة الداعية، وينتصر حتى مع الهزائم السياسية والعسكرية، كما انتصر أيام التتار··· وسيشق المسلمون طريقهم بإذن الله، وستخفق راية الإسلام ـ مهما كانت السحب داكنة ـ فالإسلام هو الحل الوحيد للبشرية·· وليس للمسلمين وحدهم، وهو قدر الله الغالب، والأمل الوحيد الذي لا أمل في إنقاذ البشرية من دونه!·
هذا التاريخ الصامد··· وهذ الإسلام الفاتح·· وهذه الحضارة المثلى التي صهرت الجوانب الوجدانية، والعقلية، والروحية، والفردية، والاجتماعية، في بوتقة واحدة، وحققت للإنسان إنسانيته، فكانت مشرق النور، روحًا وعقلًا لكل الدنيا لأكثر من عشرة قرون·
هذا التاريخ، وهذه الحضارة، هل يجوز أن نبيعهما رخيصين في عصور تصطنع الأمم فيها لنفسها تاريخًا، وتتوهم لنفسها حضارة!!·
وهل يجوز أن يبقيا مطعنًا لسهام أصحاب النحل الباطلة والنزعات الشاذة، والمحنَّطين في كهوف أحداث معينة، لا يريدون أن يتحولوا عنها ليمدوا الطرف، ويوسعوا الصدر، ويتعاملوا مع البشرية بالمقياس الملائم للطاقة البشرية·
بم سنمضي في مجالات صراع الأمم، وحوار الحضارات؟
إن أسلافنا هم أجدادنا، ولا نستطيع أن ننسلخ عنهم إلا إذا كنا قد قررنا أن نفقد هويتنا··· فالاسم وحده لا يدل على صاحبه، ولا يعتمد في سجلات التاريخ!!·
وإن حضارتنا هي قسماتنا الحضارية التي نتميز بها ونحن نصنع حضارتنا المعاصرة التكنولوجية والإنسانية··· فهي التي تدل علينا، وتؤكد أننا شريحة خاصة من البشر، ولسنا عبيدًا تابعين، قد ضاعت ملامحهم .. ·
وكما أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًا هم ـ بعد إمام الدعوة، ورسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم، قدوتنا وعظماؤنا، فكذلك ننظر إلى من جاء بعدهم·· فهم دونهم، لكنهم أزكى منا، وقدوتنا··· فهم من خير القرون، ومن الصحابة والتابعين، ومن الأسلاف المجتهدين، مصيبين كانوا أو مخطئين·· وكذلك نربي الأمة على الانتماء لحضارتها وصُنَّاعها والاعتزاز بهم، دون أن نقدسهم أو نرتفع بهم إلى درجة العصمة··· فلا عصمة لأحد بعد رسول الله، خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام·
والويل لأمة تتربص بتاريخها أو تشوهه أو تكبِّر لحظات الضعف فيه، أو تمضي في طريقها من دون معالم تستلهمها من حضارتها·
إنها ـ عندئذ ـ أمة ضائعة، تائهة، قد ضلت الطريق!!
إن تاريخنا، وحضارتنا، ليسا للبيع، وإن مؤرخينا ومفكرينا المنتمين الواعين بسنن الله في التقدم، يجب أن يجندوا أنفسهم للذود عن هذا التاريخ، وهذه الحضارة، وأن يحسنوا ـ كذلك ـ توظيفهما للانبعاث الحضاري العصري المنشود .
( عن مجلة الوعي الإسلامي )
تاريخ مشرق للعلوم الصيدلية في النهضة الإسلامية
(الشبكة الإسلامية) د . أبو الوفاء عبد الآخر
ظلت المعارف الصيدلية، والأعمال الصيدلية قرونًا عديدة إلى ما قبل النهضة الإسلامية، أشبه بما نراه الآن من"أعمال العطارة، وخبرات العطارين"إلى أن ظهر العلماء في عصور النهضة الإسلامية، فقاموا بالدراسات المنهجية، وأجروا التجارب العلمية، واستعملوا الأجهزة العلمية، وتوصلوا إلى الاكتشافات القائمة على البحث والتجربة، وبهذا أصبحت (الصيدلة) علمًا له كل مقومات العلم: الملاحظة، والبحث، والتجربة.
النهضة الصيدلية وعلماء الصيدلة:
وفيما يلي نعرض بعض مظاهر النهضة الصيدلية، ونذكر بعض مشاهير العلماء الذين شاركوا في هذا الجانب من النهضة الإسلامية:
أولًا:
لقد تقدم علم الكيمياء تقدمًا عظيمًا، وذلك نتيجة لمجهودات العالم الشهير (جابر بن حيان) الذي يعتبر من أعظم علماء العالم في جميع العصور، ولقد عرف العلماء قدره فسموا"علم الكيمياء" (علم جابر) .
وكان (جابر بن حيان) أول من حضّر: حامض الكبريتيك، وحامض النيتريك، وكربونات الصودا، وكربونات البوتاسيوم، وماء الذهب. وأصبح لهذه الكيماويات أهمية عظمى في العصور الحديثة، بل تكاد تكون من أسس حضارة القرن التاسع عشر والعشرين في الكيمياء، والصيدلة، والزراعة، والصناعة.
وهو أول عالم كيميائي استعمل الموازين الحساسة في التجارب الكيميائية.
ولقد ابتدع طرقًا أفادت كثيرًا في تحضير العقاقير وتنقيتها وذلك في عمليات (البلورة، والترشيح، والتقطير، والتصعيد) وغيرها من الأعمال الهامة الكيميائية والصيدلية.
وكان (جابر بن حيان) حريصًا على إبراز أهمية التجارب، واتباع المنهج التجريبي، ومن أقواله المأثورة:"إن من واجب المشتغل في الكيمياء، العمل وإجراء التجارب، وإن المعرفة لا تحصل إلا بها"وبهذا يكون (جابر بن حيان) ومن بعده (مسلمة بن أحمد المجريطي) قد سبقا علماء الغرب بعدة قرون في إخضاع العلم للتجربة، ووضع أسس"المنهج العلمي"الذي يقوم على التجربة.
وألف (جابر بن حيان) العديد من الكتب في الكيمياء والصيدلة منها كتاب (الموازين) وكتاب (سر الأسرار) وكتاب (الخواص) وكتاب (السموم ودفع مضارها) ولقد ترجمت معظم كتبه إلى اللغات الأوربية, وظلت مرجعًا في جامعات أوربا لعدة قرون.
ثانيًا:
ارتقت العلوم الصيدلية والطبية والكيميائية بعد ذلك درجات أخرى على يدي العالم الشهير (أبو بكر الرازي) الذي برع في الطب والصيدلة والكيمياء، ومن مؤلفاته كتاب (المنصوري) الذي أهداه إلى المنصور أمير خراسان، والذي ترجمه إلى اللاتنية فيما بعد (جيرار الكريموني) وظلت تدرس الأجزاء الكيميائية .. منه بجامعات أوربا, حتى القران السادس عشر.
وكتاب (الحاوى) وهو موسوعة من عشرين جزءًا, يبحث في كل فروع الطب والكيمياء، وكان يدرس أيضًا في جامعات أوربا، بل إنه كان أحد الكتب التسعة التي كانت تدرس بكلية طب باريس.
وكان مؤلفه (الجدري والحصبة) دراسة علمية رائعة، وهي الدراسة الأولى التي استطاعت أن تفرق بين تشخيص هذين المرضين، وحتى تعرف قيمة الكتاب الطبية، فقد أعيد طبعه أربعين مرة باللغة الإنكليزية بين 1494، سنة1866, وهو من أوائل الكتب التي أخرجتها المطابع الأولى في العالم.
وهو الذي اخترع خيوط الجراحة المصنوعة من جلد الحيوان.
كما أنه قدم العديد المبتكر من الأدوية التي تعالج أمراض العيون، والصدر والأمعاء والمجاري البولية.
ثالثًا:
خضعت الأدوية والعلاجات لدراسات مستفيضة على أيدي علماء الأمة الإسلامية في عصور النهضة الإسلامية، وكان من أبرز العاملين في هذا الميدان الشهير (ابن سينا ) الذي يعتبر من أعظم العلماء إلى عصرنا هذا، وكتابه (القانون) من أشهر المؤلفات الطبية التي سجلها التاريخ، وظلت هذه الموسوعة مرجعًا للطب والصيدلة في كثير من بلاد العالم المتحضر، حتى أوائل القرن الثامن عشر، ولقد بدأت كتبه تترجم منذ أوئل القرن الثاني عشر، وذلك بعض دارساته أساسًا لبرامج التعليم الطبي والصيدلي في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا حتى النصف الأول من القرن الثامن عشر.
وقام (ابن البيطار) وهو أكبر علماء النبات من العرب, بدراسات موسعة على النباتات الطبية, وقام بإجراء التجارب عليها.
رابعًا:
مهد علماء الأمة الإسلامية للصناعات الصيدلية ، نتيجة ماقاموا به من دراسات في (فن التجهيز الدوائي) .
ووصف (أبو مروان بن زهر) "قالبا"توضع فيه المساحيق، لتخرج أقراصًا سهلة التناول، كما قام بدراسات لحفظ العقاقير فكان من أوائل الباحثين في هذا الحقل..
(وبعد) .. فهذا عرض موجز لجانب من جوانب النهضة الإسلامية التي عاشها المسلمون، لعدة قرون، وذلك عندما تأصلت العقيدة في نفوسهم , ولانت الأسباب لعزائمهم ..