وقد بدأ بعض علماء النفس الغربيين المحدثين يدركون أخيرًا أهمية الإيمان بالله تعالى في صحة الإنسان النفسية، إذ أنه يمدُّهُ بطاقةٍ روحية تعينه ُعلى تحمل الكثير من مشاق الحياة وتساعده على التخلص من الكثير من القلق، لكن هؤلاء بالطبع قلةٌ منهم ولا يشجعهم أحد في المجتمع الغربي، وأنا لا أعرف سببا لتحرج الكثيرين من الأطباء النفسيين من التصريح والإعلان عن ملاحظاتهم مع المرضى في ممارستهم للطب النفسي والتي تختلف بالتأكيد عن ملاحظات الأطباء الغربيين التي يملئون بها آذان العالم كله ولا أجد من أطباء النفس المسلمين باستثناء حالات نادرة إلا أنهم يكررون ملاحظات الغرب ويحاولون إثبات أنها عندنا كما هي عندهم ولا أعرف كيف تكون كذلك لكن الواضح أننا كأمة أصبحنا نخاف من القول باختلافنا عن الغرب اللهم إلا في أننا فقراء وأننا محتاجون لرضاهم لكي نتقدم"أي أن نصبح مثلهم"،
لا أريد البعد عن موضوعي الأصلي وهو الطب النفسي الإسلامي وإمكانية علاج الأمراض النفسية بالقرآن ولكنَّ لا بدَّ أولا من توضيح الفرقِ بين العلاج بالقرآنِ الكريم على أساسٍ فكريٍّ معرفيٍّ واضح ومن قِبَلِ من يعرف ما هو المرضُ وما أشكاله وأسبابه ، وبين من ينسب المرضَ النفسي إلى فعل الجنِّ ويتعامل مع آيات القرآنِ وكأنها تعاويذُ يؤثِّرُ بها في الجن وما إلى ذلك ويفعل أشياءً ما أنزل الله بها من سلطان ربما يصدقها هو نفسه إن كان سليم النية ويصدقها الآخرون على أنها دلائل على وجود الجني في بدن المريض؛ لكن الذي يشعرُ المسلم العالمَ بحقيقة الأمور ويخجله هو أن المنوم المغناطيسي أيا كانت ديانته للأسف يستطيع أن يفعل نفس الأفعال التي يفعلها ذلك الشيخ الهمام فيجعل المريضة تتكلم بصوت رجل والعكس دون أن يستخدم شيئًا من القرآن فكل هذه ممارسات ما أنزل الله بها من سلطان لا تحتاج إلا لمريض لديه قابلية عالية للإيحاء ورغبة غير واعية بالتالي في إسعاد المعالجِ أيا كان فيجدُ نفسه يفعل ما يريدُه المعالجُ ويحسب الأخير نفسه قد أنطق الجنَّ كما يحسب الكثيرون!!، كما سأبين بالتفصيل في مقال: الأمراض النفسية كلها بسبب المس والتلبس بالجن، وكما بينا أكثر من مرة في الروابط التالية وكلها من على مجانين: قيمة العقل في الإسلام ! ماذا جرى؟، السحر والحسد والشياطين، وأمة المساكين، والسحر والشياطين، وقول الأطباء النفسيين، والسحر وكيفية كشفه ؟، وكذلك خطيبتي والجن!!"التفكير الخرافي"، والجن المخفي: التفارق وادعاء العلم بالغيب، والجن المخفي وادعاء العلم بالغيب: مشاركة، وزدنا عليه في: بين الرقاة - مس قرين؟؟! أم وسواس قهري؟؟!!!، وأيضًا هو يقول ، ونحن نقول ... أين البحث العلمي، و"العلاج بالقرآن....من الراحة السلبية إلي الطمأنينة الوجودية"، والتفكير العلمي في مقابل التفكير الخرافي والأسطوري.
وأنا أحاوِلُ في السطورِ التاليَةِ أنْ أقدِّمَ بعضَ النماذِجَ مِنْ ما يُمكنُ أنْ يُساعِدَ في علاجِ أمراضٍ كالقلقِ العام والاكتئاب إضافَةً إلى العقَّاقير اللازمَةِ تبعًا لشدَّةِ الحالة المرضية أي أنه أسلوب علاجيٌ يضافُ إلى أدويَةِ المريض المتدين وربما يكون كافيا وحده في حالات مثل اضطرابات التأقلم Adjustment Disorders أو الحالات الخفيفة الشدة حسب معايير التشخيص في الطب النفسي؛ وَيُمْكِنُني أنْ أسميهِ محاولَةً لوضْعِ حجَرِ أساسٍ لعلاج معرفِيٍّ يتناسَبُ مع بيئتنا المسلمة فالعلاجُ المعْرِفِيُّ كما ذكرت هو محاولةٌ يقوم بها المعالجُ لتغيير بعضِ الأفكارِ التي يعتبرها المريض من المسلماتِ التي لا تحتاج مناقشة في منظومته الفكرية بينما هي في حقيقتها أفكارُ خاطئة وغير قائمة على دليلٍ منطقي لكن المريض لا يدرك ذلك.
أرجو أن يكونَ واضِحًا للقارئ أن ما أقولُه هنا يَجب أنْ يُطَبِّقَهُ الطبيب المتخصص وليس مع كلِّ مريضٍ لأنَّ تطبيقَ هذا الأسلوب مع مريض بعيدٍ أصلًا عن الدين إنما يترك أثرًا آخرَ في نفس المريضِ الذي يشعرُ بأن الطبيب يأخُذُ دورَ الواعِظِ وربما رفضَ العلاجَ برُمَتِّهِ!، وأؤكِّدُ مرة أخرى هنا أنني أتكلَّمُ عن علاجٍ بالقرْآن لا ينطلقُ من أنَّ الاضطراباتِ النفسية ناتجة عن مس أو تلبس بالجان ولا عن ضعفٍ في الإيمان لأنها ليست كذلك، وإنما على أساسِ أنَّ القرْآنَ هو أسمى ما لدينا من فكْرٍ وهدْيٍ نتفقُ عليه جميعًا، فمثلًا:
1-إذا أرَدْنا دعوةَ المريض إلى التفاؤل وعدم اليأس: حسبُنا أن نذَكِّرَهُ بقول الله تعالى:" وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون"صدقَ اللهُ العظيم"يوسف (87) "
وَقولهُ تعالى"قل يا عِبادِيَ الذينَ أسْرَفوا على أنفسِهِمْ لا تَقنَطُوا منْ رَحْمَةِ الله إنَّ اللهَ يغْفِرُ الذنوبَ جميعًا إنَّهُ هوَ الغفورُ الرحيم"صدقَ اللهُ العظيم"الزمر (53) "، ويطمئن الله المؤمنين بأنه دائمًا معهم, إذا سألوه فإنه قريب منهم ويجيبهم إذا دعوه:"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ"، صدقَ اللهُ العظيم ."البقرة (186) "، نحتاج إلى ذلك بما لا يدعُ مجالًا للشكِّ مع مريضِ الاكتئاب بل وأحسبها نعمة من نعم الله التي أودعها في كتابه الكريم أن يكون لدينا مثلُ ذلك النور الهادي ولا أدري كيف لا نستخدمه في علاجِ مرضانا فهذه قمة الأمن النفسي للإنسان.
2-فإذا أردْتُ تذكير المريض الواقع في كرب وضيقٍ لأيِّ مشكلة حياتيةٍ تواجههُ وقد أحسَّ أنَّهُ وحيدٌ فلماذا لا أناقشُهُ في أمرِ صلتهِ بالله عز وجل؟: فقوة الصلة بالله أمر أساسي في بناء المسلم النفسي حتى تكون حياته خالية من القلق والحزن والغم .. وتتم تقوية الصلة بالله بتنفيذ ما جاء في وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس:"يا غُلامُ إني أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجاهَكَ ، إذَا سَألْتَ فاسألِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ, وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ على أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا على أنْ يَضُرُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُوكَ إِلا بِشَيءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ"رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وفي رواية غير الترمذي زيادة"احْفَظِ اللَّهَ تَجدْهُ أمامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللّه في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أنَّ ما أخْطأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسرًا"صدقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأنا كطبيبٍ نفسيٍّ مسلمٍ يعالجُ مريضا مسلما في ضيقٍ وكربٍ وخوف؛ إنْ لم أُذَكِّرْهُ بمثل هذا الحديث الشريف فماذا أقولُ لهُ ؟ هل مثلا أكلمه عن نصائح ديل كارنيجي لمواجهة القلق؟؟