وربما كانت دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، هي الدعوة الوحيدة ، التي استطاعت أن تحل المعادلة الصعبة ، ونعني بها كسب العدد الكافي من الناس إلى صفها ، في وقت قياسي ، على الرغم من العوائق الهائلة التي اعترضت سبيلها .. فقد ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما يقارب ثلاثة عشر عامًا في مكة ، يدعو قومه للإيمان بدعوة التوحيد ، باذلًا في ذلك أقصى جهده ، فلم يؤمن بدعوته إلا قليل من الناس ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ييأس ، ولم يقنط من رحمة الله ، وتأييده ونصره ، فواصل جهاده ، حتى قيض الله عز وجل رجالًا أتوا في موسم الحج من يثرب إلى مكة ، فالتقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعرض عليهم الإسلام ، فأسلموا ، ثم عادوا إلى قومهم يدعونهم للإيمان بالدعوة الجديدة ، فوجدوا منهم قبولًا حسنًا ، على النقيض مما كان في مكة ، التي وقف سادته حائلًا عنيدًا بين الناس والدعوة.
وهكذا فشا أمر الإسلام في يثرب ، وتهيأ المجتمع للمرحلة التالية ، فأذن الله لرسوله بالهجرة ، فهاجر هو وأصحابه من مكة إلى يثرب ، (التي تغير اسمها منذ ذلك الوقت فأصبحت تدعى المدينة ، وكان هذا التغيير أحد بوادر التغيير في المجتمع الوليد) وواصل المؤمنون في المدينة جهادهم ودعوتهم ، حتى آمن بالدعوة خلق كثير ، وترسخت دعائم الإسلام ، وتحول مجتمع المدينة من الكفر إلى الإيمان ، وبات الإسلام هو صاحب الكلمة في المجتمع ، وأصبح رسول الله صلى الله عليهم وسلم هو القائد والحاكم في هذه الدولة الوليدة ، التي كانت بحق نواة الحضارة الإسلامية ، التي بدأت أنوارها تشع على الدنيا منذ ذلك التاريخ ..
ومنذ أن تم التغيير في مجتمع المدينة ، وتبعه التغيير في مجتمع مكة بعد الفتح ، وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجًا .. منذ ذلك الحين بدأت معالم التغيير الحضري تظهر وتنتشر في أرجاء الأرض .. ومما لا ريب فيه أن هذا الفتح المؤزر ، وهذه الثمرة الطيبة لم تكن لتتحقق ، لولا ما توافر للدعوة من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، أعطوا أقصى ما يستطيعون من أنفسهم وأموالهم وأرواحهم ..
.. فبمثل هؤلاء الرجال يتم التغيير .. رجال لم يكتفوا بالالتفاف حول صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم، بل جاهدوا أنفسهم حتى تتغير وتتلاءم وطبيعة هذه الدعوة ، وهذا ما حصل فعلًا ، فقد كان نطق الواحد منهم بالشهادتين بمثابة ولادة جديدة له ، فكان على أعتاب الدخول في الإسلام ، يخلع عنه كل ماضيه ، ليرتدي حلة الإسلام ، التي تصوغ نفسه صياغة ربانية تنسجم مع الفطرة ، وتتلاءم وطبيعة الدعوة الجديدة .. وبمثل هذا التغيير ، الذي حصل في نفوس المسلمين الأوائل ، حصل التغيير الحضاري ، الذي لم تشهد البشرية مثيلًا له ، لا قبله ولا بعده .. والسبب أن هذا التغيير يساير السنة التي فطر الله عليها أمور خلقه، والتي بينتها الآية الكريمة في قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (الرعد: 11) ، فعندما تغيرت تلك النفوس بالإيمان ، غير الله ما بها من جاهلية ، وخلصها من ربقة القبلية الضيقة الشقية ، إلى آفاق الأمة المتوحدة المتكاملة ، ونقلها من مستنقع التباهي بالأنساب والأحساب ، إلى روضة الأخلاق الإنسانية الوارفة!
ج - الزمن:
.. وبعد أن يتهيأ للدعوة فكرة صحيحة ، (أو عقيدة كما قدمنا) ويتهيأ لها العدد الكافي من الناس ، الذين يؤمنون بها ، ويبدؤون تحركهم على أساسها ، يأتي دور (الزمن) باعتباره عاملًا أساسيًا من العوامل اللازمة لإنضاج عملية التغيير .. والملاحظة الأولى التي تستوقفنا فيما يتعلق بالزمن ، أن التغيير الاجتماعي ، يمكن أن يتم في بعض الحالات خلال زمن قياسي قصير ، بينما يتطلب في حالات أخرى أجيالًا عديدة ، قبل أن يكتمل وتظهر آثاره واضحة جلية في المجتمع ، ولنستعرض بعض الأمثلة القرآنية البليغة لنتبين كيف يفعل الزمن في عملية التغيير:
دعوة سيدنا نوح عليه السلام:
.. وتعد دعوة نوح عليه السلام دعوة السلام دعوة متفردة بين الدعوات السماوية ، من حيث الزمن الذي استغرقته ، إذ أستغرقت ألف سنة إلا خمسين عامًا ، قبل أن تؤتي ثمارها ، وقد استمر نوح عليه السلام طوال هذه السنين يدعو قومه إلى الإيمان ، ويعمل على تغيير حالهم واستنفاذهم من الضلال ، سالكًا إلى ذلك شتى الطرق ..
(قال رب إني دعوت قومي ليلًا ونهارا ً) (هود: 5) .
(ثم إني دعوتهم جهارًا ) (هود: 8) .
(ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ً) (هود: 9) .
ولكن .. دون جدوى ، فقد تمسك القوم بكفرهم ، وبالغوا في عنادهم ، حتى جاء البيان من السماء (وأُوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ) (هود: 36) ، وحينئذ فقط أيقن الرسول أن القوم الذين أرسل إليهم قد فقدوا إلى الأبد القابلية للهداية ، وأيقن أنهم تحجروا على حالهم ، ونادى متحسرًا (وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا ) (نوح: 26 - 27) .
.. فالمجتمع الذي تحجر على الكفر ، لا أمل أن يلد إلا فاجرًا كفارًا ، وكذلك هي المجتمعات التي تحجرت على حال معينة ، لا يمكن أن تتغير بغير الاستئصال ، وهذا ما كان ، فقد استجاب الله عز وجل دعوة رسوله ، وأنجز له التغيير الذي أراد ، فأغرق الكافرين ، ونجى المؤمنين ، في مشهد للتغيير ، لم تشهد البشرية له مثيلًا على امتداد تاريخها!
ويظهر التفرد في دعوة سيدنا نوح عليه السلام من خلال النتيجة التي انتهت إليها ، فالمؤمنون الذين ثبتوا على دعوة الحق كل تلك السنوات الطويلة ، أصبحوا هم سادة الأرض وعمارها ، وغدوا من ثم نواة المجتمعات اللاحقة.
دعوة أصحاب القرية:
ونعني بها دعوة الرجل الصالح ، الذي ورد ذكره في سورة ياسين ، وقد سبق أن تحدثنا عن قصته ، عند الحديث عن أثر العامل البشري في التغيير .. فقد رأينا هذا الرجل استطاع - بفضل الله عز وجل - أن يعجل بإيصال عملية التغيير إلى غايتها ، خلال زمن قياسي قصير ، ربما لم يزد عن بضع دقائق أو ساعات ، إذ عمد إلى تأزيم الصراع الفكري مع قومه ، حتى أوصله إلى الذروة الحرجة ، بحيث لم يعد ثمة مجال إلا للمفاصلة ، التي قلنا: إن سياق الآيات يوحي بأن القوم لم يمهلوه أن قتلوه ، وكانت النتيجة أن جاء أمر الله عاجلًا بعدئذ (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين * إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ) (يس: 28 - 29) .
مناقشة تأثير العامل الزمني على عملية التغيير
.. ونلاحظ أن القضاء الجماعي على الكفار ، قد تكرر في هاتين القصتين: قصة قوم نوح عليه السلام ، لما تأت عاجلة ، كما أتت في قصة أصحاب القرية ، بل جاءت بعد سنوات طويلة جدًا ظل نوح خلالها يدعو قومه للإيمان بدعوة التوحيد ، ولكنهم لم يؤمنوا، إلا نفرًا قليلًا منهم، آمنوا بالدعوة إيمانًا راسخًا كالجبال ، وهذا الإيمان هو الذي رشحهم لاختيار الله عز وجل ، وجعلهم نواة البشرية القادمة من بعدهم .. فقد حق في ميزان الله لهذه الدعوة ، التي استمرت نحوًا من ألف عام تنافح أهل الشرك والكفر .. حق لها أن تسود الأرض ، وأن يكون تاريخ البشرية منذ ذلك الوقت هو تاريخ هؤلاء المؤمنين ومن جاء من أصلابهم !!