فهرس الكتاب

الصفحة 1711 من 1942

( وقد ذكر عصام غانم في كتابه Islamic Medical Jurisprudence صفحة 44:( أن أحد القضاة حكم لامرأة طلقت بأن ولدها الذي أنجبته بعد أربع سنوات من طلاقها حكم به لزوجها ، وكذلك حكم لأختها التي ولدت بعد مرور خمس سنوات على وفاة زوجها) ! وهذا يعني أننا مانزال حتى اليوم نتجاهل حقائق العلم ، ولا نلتفت لما كشفه لنا من سنن واضحة بينة ، فيما يختص ببعض القضايا الحيوية ، التي تترتب عليها أحكام شرعية بالغة الأهمية ، فقد ثبت بالدليل الطبي القاطع أن مدة الحمل الطبيعية هي نحو 280 يومًا محسوبة من بدء آخر حيضة حاضتها المرأة ، ومن ثم فإن الجنين لا يعيش داخل الرحم أكثر من هذه المدة ، وبخاصة أن المشيمة التي يتغذى الجنين ويتنفس عن طريقها لا تعيش لأكثر من أيام قليلة بعد مدة الحمل المعتادة ، لأنها تبدأ بعد تمام مدة الحمل بالتنكس ، وتضعف وظائفها ، ولا تعود قادرة على الوفاء بحاجات الجنين ، فإذا لم تحدث الولادة في الموعد المقرر ، ماتت المشيمة ، وانقطع الغذاء والأكسجين عن الجنين ، وهذا يؤدي إلى موته المحقق. وأذكر أيضًا مثالًا آخر عن قضية أخرى ما يزال الجدال حولها محتدمًا على الرغم من فهم السنن الربانية التي تخضع لها ، وهي إثبات مطالع الأشهر القمرية ، وبخاصة منها مطالع رمضان وشوال وذي الحجة ، لتعلق هذه الأشهر بالصوم والفطر والحج .. فما يزال السواد الأعظم من فقهائنا يصرون على ضرورة الرؤية العيانية للهلال ، ويرفضون الأخذ بالحسابات الفلكية تمسكًا بظاهر الآية الكريمة (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) (البقرة: 185) ، وما جاء في الحديث الصحيح (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ً) مما أدى في مناسبات عديدة إلى حدوث اختلاف عجيب في مواقيت العبادات المرتبطة بالأشهر المذكورة ، حتى وصل الأمر مرة أن بعض المسلمين صاموا رمضان ثمانية وعشرين يومًا ! وفي مرة أخرى كان فارق التوقيت بين بلدان إسلامية وأخرى ثلاثة أيام في الصوم والفطر ، وهذا ما لا يمكن تبريره أبدًا ، إذا المعروف ميلاد القمر في كل شهر، واحد لا يتعدد!!

ومما لا جدال فيه أن هذه الاختلافات لم يعد لها ما يبررها بعد أن أصبحنا اليوم على معرفة تامة بالسنن التي تحكم دوران الأرض والشمس والقمر ، وبتنا قادرين -بفضل الله- على تحديد ميلاد القمر بدقة متناهية محسوبة بأجزاء الثانية!

وعلى هذه الشاكلة يمكن أن نحسم الخلاف في مثل هذه القضايا المختلف فيها ، بأن نلتفت إلى السنن التي تحكمها ، وأما القضايا الأخرى التي لم نتوصل بعد إلى معرفة سننها ، فيمكن بشئ من الجهد المخلص أن نكشف سننها ، ونفهم أبعادها ، وبذلك نزيل الكثير من أسباب الخلاف حولها .. ونعتقد أن مثل هذا التناول لقضايانا الاجتهادية سيكون أكثر جدوى من البحث النظري المجرد الذي يتعامل مع المشكلات بمعزل عن واقع الحياة ومعطيات العلم لأن هذا الواقع خاضع لسنن محكمة ، لا يجوز تجاهلها بحال من الأحوال .. وتجاهلها يجعل بعض اجتهاداتنا في وادٍ ، وواقع الحياة والمجتمع في وادٍ آخر ! ويجعلنا من ثم منفصلين عن حركة التاريخ والحياة وصنع القرار !!

هل تخضع مشكلاتنا للسنن ؟

.. وما من شك أن حياة الإنسان زاخرة بالمسائل المعقدة ، التي يتعذر في بعض الحالات إيجاد حلول مثالية لها ، ولكن مع هذا لا يصح التسليم بهذه الحقيقة وكأنها واقع مطلق لا يمكن تجاوزه ، لأن مثل هذا التسليم يدفع مشكلاتنا للدخول في متاهة واسعة مكتوب على بابها ( مستحيل ) ، وعندئذ سنجد أنفسنا مكتوفي الأيدي ، عاجزين ، لا رغبة عندنا في البحث عن حل .. أي حل ! وكان بإمكاننا أن نفعل شيئًا أفضل من هذا لو أننا آمنا بوجود حل للمشكلة ، التي بين أيدينا ، وآمنا بوجود سنن لهذه المشكلة يمكن كشفها وتسخيرها في سبيل إيجاد الحل .

ولقد ناقش الأستاذ ( جودت سعيد ) هذه القضية بكثير من التفصيل في كتابه القيم (حتى يغيروا ما بأنفسهم) ومما قاله في ذلك: ( إن العقل البشري يتخذ أحد موقفين إزاء المشكلات ، فهو إما أن يفترض أنها تخضع لقوانين ، ومن ثم يمكن أن تخضع للسيطرة عليها وتسخيرها ، وإما أن يفترض فيها أنها لا تخضع لقوانين، أو يمكن كشف قوانينها .. وبين هذين الموقفين مواقف متعددة يتفاوت فيها القرب من أحدها والبعد عن الآخر .. وإن لكل من الفرضيتين نتائج عملية تظهر في مواقف البشر وسلوكهم بصورة متفاوتة ، على حسب الخضوع لأحد الموقفين) .

مشروع عمل:

.. ويمكن من خلال ما قدمناه أن نخرج بتصور مبدئي يعد ( مشروع عمل ) تحدد فيه السمات الأساسية لأسلوب التعامل مع المشكلات والأزمات ، التي نرى فيها مسوغًا للاجتهاد ، وذلك على النحو التالي:

1 -أن نؤمن إيمانًا راسخًا بأن المشكلة التي بين أيدينا ( أيًا ما كانت هذه المشكلة ) قابلة للحل ، فمثل هذا النظر إلى المشكلة ، يجعلنا نتعامل معها بصورة إيجابية تستمد عزمها من أملنا بالوصول إلى حل ما ، في نهاية المطاف .

2 -أن ندرك بأن لكل أمر أو حادث سنة مخصوصة تحكمه ، لا يتم إلا من خلالها ، ولا يمكن أبدًا أن يتم على تمامه بغيرها من السنن .

3 -أن نعرف المشكلة التي هي موضوع بحثنا ، ونجمع المعلومات المتعلقة بها ، حتى نحيط بالمشكلة من جوانبها جميعًا .

4 -نصنف المعلومات التي تجمعت لدينا ، ثم نعهد لأهل الاختصاص بدراستها ، عملًا بالقاعدة الأصولية التي أرستها آيات كثيرات من القرآن الكريم ، ومنها قوله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ً) (النساء: 83) .. فإن كانت المشكلة اقتصادية عهدنا بها إلى أهل الاقتصاد ، وإن كانت سياسية أوكلنا أمرها إلى أمراء السياسة والحكم ، وإن كانت طبية استشرنا الأطباء في علاجها ، وإن كانت حربًا أو سلمًا استنفرنا رجال الحرب وقوادها ليروا فيها رأيهم .. وهكذا .

وكل ذلك مشروط بالتوجيه الرباني الداعي للسير في الأرض ، والنظر في السنن التي فطر الله عليها أمور خلقه ، على أمل أن نصل لمعرفة السنة التي تحكم المشكلة .

5 -فإذا ما علمنا السنة التي تحكم المشكلة ، نكون قد توصلنا إلى الحل المثالي لها ، وعندئذ يصبح لزامًا علينا أن نراعي هذه السنة ، مادمنا راغبين في الحل .

6 -وأما إذا لم نستطع أن نعرف السنة المتعلقة بالمشكلة ، فإن علينا مواصلة البحث والدراسة ، وتبادل الآراء ، من غير تعنت يشق الصف ، ويعمق النزاع الذي يؤدي حتمًا إلى الفشل ، كما قال تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) (الأنفال: 46) .. وإن لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نظرة عميقة في هذه المسألة ، إذ قال: ( ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة إلا مع البغي ، لا لمجرد الاجتهاد، كما قال تعالى:(وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم ) (آل عمران: 19) ، فلا يكون فتنة وفرقة مع وجود اجتهاد سائغ ، بل مع نوع بغي ، ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال في الفتنة ، وكان ذلك من أصول السنة ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت