1 -مسائل لا يجوز الاجتهاد فيها ، بل يجب التزام الأحكام الشرعية التي وردت بخصوصها وتضم هذه المسائل كل ما ورد فيه نصوص شرعية ، ومن الأمثلة على هذه المسائل: الصلوات الخمس ، والزكاة ، والصوم ، وتحريم الجرائم كالقتل والزنا والسرقة وشرب الخمر ، وما ورد فيها من عقوبات مقدرة مما هو معروف بالقرآن الكريم أو السنة النبوية .
2 -مسائل يمكن الاجتهاد فيها .. إما لعدم ورود نص فيها ، وإما لأنه ورد فيها نص ظني الدلالة ، أو ظني الثبوت ، أو ظني الثبوت والدلالة معًا .. فهذه المسائل يجوز الاجتهاد فيها للوصول إلى حكم شرعي ، أو لمعرفة السنة التي تحكمها ..
والاجتهاد ( لغة ) : بذل الجهد ، واستفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور ، سواء أكان حسيًا كالمشي ، أو كان معنويًا كاستخراج حكم أو نظرية عقلية أو شرعية أو لغوية .. الخ.
والاجتهاد ( شرعًا ) : هو بذل الفقية أقصى الوسع في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، علمًا بأن الأدلة التي يجتهد فيها هي: القرآن والسنة ، ويتفرع عن هذين المصدرين الأساسيين مصادر أخرى كالإجماع والقياس والاستصلاح والاستحسان والعرف والعادة وسد الذرائع .. إلخ .
وقد دلت النقول الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يجتهد في شؤون الحياة المختلفة ويرى فيها رأيًا ، حتى إذا تبين له أن المصلحة تتطلب غير ما رأى ، رجع صلى الله عليه وسلم عن رأيه ، وفعل ما هو خير .. ومن ذلك اجتهاده في أمور الحرب ، وفي بعض الشؤون الأخرى ، كما كان من أمره في حادثة تأبير النخل المشهورة: (عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون ، فقال: لو لم تلقحوا لصلح ، قال فخرج شيصًا. فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا. قال رسول الله عليه وسلم: أنتم أعلم بأمور دنياكم) . ويجدر بنا أن نشير إلى أن هذا الحديث قد أسئ استخدامه كثيرًا وبخاصة من قبل الذين لا يدركون مقاصد الشريعة إدراكًا صحيحًا، والذين في أنفسهم مرض، ويريدون أن يتخففوا من عهدة التكليف، أو الذين يرغبون في تعطيل بعض النصوص اعتمادًا على هذا الحديث .. علمًا بأن ذكر هذه الحادثة قد ورد في أكثر من حديث بصيغ مختلفة تبين بوضوح ما قصد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) فعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قدم الني صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون النخل ، يقول: يلقحون النخل . فقال صلى الله عليه وسلم: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال صلى الله عليه وسلم: لعلكم لو لم تفعلوا لكان خيرًا . فتركوه . فنفضت (أو فنقصت) قال: فذكروا ذلك له ، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشر ، إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشئ من رأيي فإنما أنا بشر) وواضح من هذا النص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرق بين ما هو وحي من الله عز وجل ، لا يصح للمسلمين أن يتجاهلوه ، أو يميلوا إلى غيره عنه ، وبين ما هو من اجتهاده ورأيه في الشؤون الدنيوية ، وهذا متروك للمسلمين ليأخذوا به ، أو يعدلوا عنه إلى غيره إذا تبين لهم أنه أصلح.
وما يهمنا من هذا العرض ، الحديث عن الأمور التي فيها مساغ للاجتهاد ، ومادامت حكمة المولى عز وجل قد قضت أن يكون لكل حادثة سنة مخصوصة ، فإننا مكلفون ابتداءً بالاجتهاد لإصابة هذه السنة ، ومأمورون كذلك أن نجند كل طاقاتنا العقلية والمادية في سبيل كشف السنة المتعلقة بالأمر الذي نجتهد فيه .. حتى إذا تبينت لنا هذه السنة يقينًا ، وجب علينا الالتزام بها ، وعدم الحيدان عنها ، ولا مخالفتها ، لأن ذلك يجلب الضرر كما أسلفنا ، وينتهي بنا إلى الفشل الأكيد .. ونزيد على هذا أن الاجتهاد مجددًا في أمر عرفت سنته يعد تفريطًا بالوقت ، وإهدارًا للطاقات من غير جدوى!
والسؤال الذي يبرز أمامنا الآن هو: كيف نتعامل مع المشكلات التي فيها مسوغ للاجتهاد؟
ونقول: إن هذه القضية قد شغلت الفكر الإسلامي طويلًا ، وتصدى لها أئمة علماء ، ومفكرون أفذاذ ، وضعوا القواعد والشروط والضوابط للاجتهاد ، بناء على أصول شرعية معتبرة ، لكن القضية - مع هذا - ظلت قائمة ، وظل كثير من المسائل الفقهية وغير الفقهية محل اختلاف ، بل وصل هذا الاختلاف في بعض الحالات إلى حد مساواة النقيض بنقيضه !
ونحن لا ندعي في هذا البحث المقتضب أننا قادرون على إنهاء قضية الاختلاف ، وإنما الذي نريد التنبيه إليه أن الاجتهاد في الشريعة الإسلامية انطلق أساسًا من النصوص ، وظل البحث يدور في فلك هذه النصوص دون الإفادة من ربطها بمفهوم السنن ، التي فطر الله عليها أمور خلقه ، ونعتقد أنه لو أخذت السنن في الاعتبار عند تناول القضايا المختلفة ، لكان ذلك بمثابة ضابط إضافي ، يضبط وجهة الاختلاف ، ويضيق - في الوقت نفسه إلى حدٍ بعيد - مجال التنازع والاختلاف .
وهناك الكثير من القضايا الفقهية التي وقع فيها الخلاف قديمًا بين المذاهب المختلفة ، وما يزال الخلاف فيها واردًا حتى يومنا الحاضر ، وما يزال بعض القضاة يحكمون بموجبها ، على الرغم من أن السنن التي تخضع لها هذه القضايا باتت معروفة لأهل الاختصاص .. وأذكر على سبيل المثال: أنهم اختلفوا في تحديد أطول مدة لحمل المرأة ، فقال بعضهم: ( إن أقصى مدة الحمل أربع سنين ، وبه قال الشافعي ، وهو المشهور عن مالك ، وروي عن أحمد أن أقصى حمل مدته سنتان ، وروى ذلك عن عائشة ، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة ، وقال الليث: أقصاه ثلاث سنين ، وقال عياد بن العوام: خمس سنين ، وعن الزهري قال: قد تحمل المرأة ست سنين ، وسبع سنين ، وقال أبو عبيد: ليس لأقصاه وقت يوقف عليه ) . وكان هذا الاجتهاد نتيجة للمعارف الموجودة في عصرهم واستقراء أحوال زوجاتهم وأخواتهم .