فهرس الكتاب

الصفحة 1480 من 1942

وأضاف الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين: ومن هناك كانت الأزمة الإيمانية التي برزت آثارها في كل مكان، وعمت سائر الأرجاء وتجلت فيما يوجه على أهل الإيمان من اضطهاد، وإبعاد عن خطاب الجماهير في بلاد كثيرة، وإبراز لدور [الزعانف والذيول] في الحديث عما يزعمون أنه [الإسلام] بجوهره، وما يقولون سوى [هذرمة] لا معنى لها، ولا هدف إلا إملال الناس من الكلام عن الإيمان، والقضاء على أي أمل في إحياء العقيدة، وإنعاش الإيمان في الأنفس والأفئدة، ولاسيما لدى الأجيال الناشئة، وذلك هو الخطر الأكبر الذي يهدد استمرار تيار العقيدة الصحيحة.

ولقد قيل: فعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل, فالداعية إن لم يكن وثيق الصلة بالله متقربًا إلى الله بالعبادات والنوافل فأنى لمن يدعوه أن يقتفي أثره, هذا ما أكد عليه الشيخ مالك بن طالب بقوله: وإذا أصر الداعية إلا أن يقصر في هذه العبادات فإننا نقول له: لن يكون لدعوتك ونشاطك بريق وتأثير يؤثر في الآخرين، فبقدر ما تشحن روحك بالإيمان بقدر ما تستطيع أن تؤثر في الناس.

بينت لنا الأستاذة نور الهدى أضرار تدنى الإيمان على الأمة بقولها: وإذا استقرأنا التاريخ الإسلامي منذ بداياته الأولى وحتى اليوم، فلن نجد أوضح من العلاقة بين الخواء الروحي والإيماني للأمة وهزيمتها وتراجعها الحضاري، فقوة الأمة مشروطة بإيمان أفرادها، وضعفها رهين اعتلالهم الإيماني، ومرضهم الروحي. ومن ثم كان المسجد الأقصى في حوزة المسلمين طوال عهود عافيتهم الإيمانية، فإذا تراجعت العافية كان العقاب حرمانهم من امتلاك الأقصى مسرى النبي صلى الله عليه وسلم وأولى القبلتين.

ولذلك أيضًا لم يكتف المجاهد صلاح الدين الأيوبي بإعداد العدة البشرية والعسكرية لتحرير الأقصى، بل ظل سنوات يعد القلوب ويسلحها بالإيمان، وينزع منها الفتور، ويشحذ يقينها لتقود أصحابها في معركة استرداد الأقصى، فكانت حلقات العلم ودروس الإمام الغزالي، وصيحات الجهاد من فوق المآذن، وتحفيز الغيرة، واستدرار الإحساس بالمسؤولية الفردية عن صناعة كل نفس مؤمنة، وسائل سارت جنبًا إلى جانب الإعداد القتالي، وما كان الأقصى ليتحرر على يدي صلاح الدين لو لم يكن قد امتلك فقه الأخذ بالأسباب الإيمانية والمادية معًا 'فإذن الله' الوارد في الآية الكريمة {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:249] إشارة واضحة إلى عدم كفاية العدة القتالية فقط لتحقيق النصر، إذ إن إذن الله بالنصر حكر على من يمتلكون أسباب القوة الإيمانية كلها؛ حتى وإن كان عتادهم أضعف، وعددهم أقل.

وعلق الأستاذ عبد الصبور شاهين بقوله: لا ريب أن اندفاع قوى العدوان نحو المشرق العربي هو تعبير عن السعار الذي أصابهم في جانب من جوانب الحياة المادية، وإن كان الضنك لا يقتصر على الناحية المادية، بل قد يكون وباءً أخلاقيًا، لا تتوفر فيه حياة الأمان، ولا أوضاع السلام، ويكفي أن تتسلط القوى الصهيونية على الحياة الأمريكية لتجفف فيها منابع الأخلاق، وتخرب جوانب الخير، وتروج فنون الشر، وتسلط عليها الفقر النفسي ليتحقق هذا الضنك المقدور.

وصدق الشاعر إقبال حين لخص هذه القضية في قوله:

ولا دنيا لمن يحي دينا

إذا الإيمان ضاع فلا أمان

فقد جعل الفناء لها قرينا

ومن رضى الحياة بغير دين

وقال الشيخ إبراهيم الحارثي: واقعنا اليوم يدل على انحطاط الإنسان إلى أسفل سافلين، وانحدار الأخلاق إلى مرتبة الحيوانية، وسقوط القيم وانحراف المبادئ، والتحول إلى حياة الجاهلين في أبشع صورها، وظهور الطمع وحب المنفعة ولو على حساب الأمة وحضارتها. ويبدو للأسف أن هذا هو واقع الأمة اليوم إلا ما رحم ربك.

وكم يؤسفني أن أقول هذا ولكن الحقيقة التي لا ينبغي أن نكابر فيها، أن هناك ضعفًا واضحًا في صلة الأمة بربها وفي علاقة الفرد بربه وأمته؟ هناك ولاشك جفاف وجفاء وغلظة وفظاظة، هناك جرأة على الله، وجرأة على القيم والأعراف، هناك أنانية وتسلط وظلم، وغير ذلك كثير، والسبب في ذلك هو الجهل بالله أولًا وانشغال الناس بحياتهم الدنيا بدلًا عن حياتهم العليا، بل هناك إصرار على الإعراض عن الإيمان وسلوك سبيل غير المؤمنين، تئن المساجد وتشكو إلى الله، تبكي المصاحف وتجأر إلى الله، تبرأ الأرض من منكرات الأفعال وسيئات الأخلاق، كل ذلك وغيره تسبب في خواء روحاني وإيماني مخيف يأخذ بالأمة مرة إلى اليمين ومرة إلى الشمال بحسب الهوى لا بمنطق الحق والصواب، ولذا تعيش اليوم أمتنا هزيمة نكراء، وواقعًا مأسويًا اخترناه نحن على علم، وارتضيناه منهجًا للحياة، وإلا فطريق الله واضح، وسبيله بين، ولو أردنا النصر والتمكين فإن الطريق واضح بين لا لبس فيه.

أسباب تدني الإيمان:

قال الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد: أما عن الأسباب التي تقف وراء التردي الإيماني للأمة فهي أسباب كثيرة ... أهمها:

ـ تفريط الأمة في تطبيق دينها [فردًا وأسرة ومجتمعًا ودولًا] .

والنخبة البديلة التي رباها الكفار في بلاد الإسلام، ومكنوا لهم في الأرض، في كل دولة، وتركوهم يسيرون بالأمة الإسلامية على ذات الخط الذي رسمه الكفار في فترة احتلالهم لبلادنا، قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: [[هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها] ].

ـ مؤامرات الأعداء لصرفها عن دينها.

ـ ضعف الحس الديني في العالم كله في ظل الحضارة المادية، وكان المأمول أن يقوم المسلمون بتصحيح الوضع، ولكن المسلمين انحرفوا في هذه الخطايا، فأصبحوا يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، وتسخفهم الموبقات الوافدة من وراء البحار عن دينهم الذي فيه هدى الدنيا.

بينما قال الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين: ولاشك أن هنالك قوة مضادة لهذا الخير، وهي تعمل على إفساد الحياة، بقيادة الشيطان،وقد أخذ على عاتقه أن يغوي خلق الله، ويحشرهم إلى جهنم، وقد حذرنا الله منه فقال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر:6] ، واستطرد الدكتور عبد الصبور شاهين: ويكفي أن ننظر إلى الغارة الأخيرة على الإسلام والتشنيع بأنه دين الإرهاب {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا} [الكهف: 5] !!، لقد كان الهدف الرئيس من هذه الغارة خلخلة إيمان الجماهير بالإسلام، وإضعاف الرابطة الإيمانية التي تصل ما بين العقيدة الإسلامية وأتباعها.

وصرحت دعوات كثيرة بضرورة تجديد الخطاب الديني، وتجرأت هذه الدعوات بالمطالبة بتعديل البناء القرآني، حذف الكثير من آياته. وهي دعوات آثمة ظالمة فاجرة، يقصد أصحابها من ورائها تقويض الأساس الذي تقوم عليه أمة القرآن، وبذلك يتم تفريغ الإسلام من مضمونه، ويرتد الناس إلى جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء.

ولاشك أن هذه الدعوات قد بلغت مستوى ينذر بخطر داهم، ووصلت إلى مستوى عال من التعامل مع الجماعات الحاكمة، نتيجة الحرص على المغانم والأسلاب، ونتيجة الخواء النفسي الذي يهيمن على كثيرين من المسيطرين على الإعلام، فحالوا بين الكلمة الإيمانية الصادقة وأن تصل إلى الأسماع والقلوب.

ولقد ذكر لنا الشيخ علي العمري بعض الأسباب التي تؤدي إلى تدني الإيمان هي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت