فهرس الكتاب

الصفحة 1674 من 1942

إننا في محاولة تدريب مجتمعاتنا الناشئة تقنيًا، لابد أن نأخذ بعين الاعتبار، المسار التاريخي لتطور العلوم والتقنية، في الغرب واليابان، فالأمة الجادة تستطيع أن تختصر 400 عام من تاريخ التطور العلمي والتقني للعالم الغربي إلى 40 عاما، أو أقل، لكنها لا يمكن أن تستسيغ الحضارة التقنية المعاصرة دفعة واحدة، مهما أوتيت من مال.

قد أخذت الحضارة الغربية، أربعمائة عام لتصل بتقنيتها إلى حالتها الحالية، وحققت ذلك من خلال الإصرار على تزاوج العلم والحِرُفة.

ونحن يمكننا أن نختصر هذه المدة إلى عشرها، أو أقل، شريطة أن نلتزم بتزاوج العلم والحرفة زواج تأبيد، وأن نتبصر بالتتابع الزمني، في عملية تدريب الأمة على الحرف والتقنيات المختلفة.

إننا نستطيع أن نسقط عمر الحضارة العلمية والتقنية المعاصرة، على عمر الإنسان في أمتنا فنبدأ معه منذ الطفولة، نعلمه مثلا كيف تنتقل الحركة بالتروس والسيور؟ وكيف نصل الأشياء بعضها ببعض؟ أي: نعلمه نظرية الآلات مبسطة، حسب إدراكه وسنه، متطورين معه كما تطورت الحضارة في طريقها الطويل.

علينا أن نغرق مدارسنا، في جميع مراحل الدراسة بنماذج علمية، وألعاب تقنية، ونفسح المجال أمام أطفالنا وطلابنا لكي يقضوا وقتا، مع هذه النماذج والألعاب، ليتدربوا عليها، ويلتصقوا بها، فيعشقوا العمل المهني من الصغر، ليكبر معهم، ويكبروا معه، ونكون بذلك قد وضعنا الأساس السليم والقوي، لقيام صناعة وطنية، كما أننا نزيل عن أنفسنا عناء الاعتماد على الغير من القادمين من خارج الحدود، فنعين مجتمعنا على القليل من استيراد العمالة من الخارج فنحميه بذلك من مشكلاتها، وتبعاتها.

إن الوصول بالإنسان العربي والمسلم ـ طفلًا وشابًا ـ إلى المستوى المطلوب منذ نشأته، ودخل مدرسته، وفي المنزل، يحتاج إلى إعادة نظر جذرية في مناهج التعليم، وطرق تدريسها، كما يحتاج إلى إنشاء نوادي للعلوم في المدارس والجامعات يلتحق بها الطالب بغض النظر عن تخصصه الدراسي.

ولكن هذا يستدعي تطوير أجهزتنا العلمية، وأنظمتنا التربوية، وبرامجنا التعليمية. كما أن الأمر يحتاج إلى جهد مضاعف، لبناء أجهزة متمكنة، متخصصة، تعنى بهذا النوع من التعليم الحرفي للناس عامة، ومن رغب من خاصتهم.

ضرورات استنبات التقنية المعاصرة، وأسسها

على أن هناك ضروريات ومفاهيم وأسس لابد من مراعاتها، واستيعابها، وفهمها في عملية الإدراك الكامل للحضارة التقنية المعاصرة نوجزها فيما يلي:

* إدراك الأصول، والطرائق، والنظم الحاكمة للتقنية المعاصرة، هو الجوهر والمنطلق، أما الدقائق والتفصيلات، فهذه لا يمكن لأصحابها منحها، وإنما تدرك بالممارسة الواعية، والتفاعل البناء.

* التأكد من عدم انفصال حركة العلم في المجتمع، عن الحالة التقنية فيه، وذلك بضبط إيقاع تطور الحركة العلمية، حتى لا يسرع كثيرا، ويبتعد معه العلم عن التقنية بصورة كبيرة.

* ضرورة توافر قلة من المتخصصين، في الجامعات ومراكز البحوث، تستنفر للعمل عند مشارف العلوم، وتكون مهمتها التطوير المستمر للعلوم، لتصبح أكثر ملاءمة لتحقيق الهدف التقني.

إن هذه الضروريات والمفاهيم، التي أسلفنا ذكرها، ستضع شروطا جديدة، على أجهزتنا العلمية، وأنظمتنا التربوية، وخططنا التعليمية، والصناعية. وفي هذا المضمار نورد التوصيات التالية.

شروط الاستنبات

في مجال التعليم والتدريب:

1-ارتباط التعليم بمهام اجتماعية مطلوبة، تحدد آفاقه كمًا، ونوعًا، أي، بمعنى آخر: علينا أن نجيب على السؤال التالي:

* أي نوع من التعليم يلزم لوظيفة اجتماعية معينة؟

بدلا من الإجابة على السؤال المعكوس القائم فعلا: أي وظيفة اجتماعية تصلح لهذا الخريج؟

2-ترشيد الإقبال على الكليات النظرية، وحصرها فقط بالموهوبين، وحسب الحاجة.

3-إعادة تدريب الأعداد الغفيرة، من خريجي الكليات النظرية، التي لا تقوم بعمل فعّال مطلوب لإعدادها للقيام بوظائف اجتماعية فاعلة.

4 -العمل على تقنية التعليم الثانوي، بإدخال عدد من الحِرف، والصناعات عليه، وأن يتبع ذلك تعديلات جذرية، في المراحل السابقة عليه، والمراحل اللاحقة له، من خلال خطة واضحة، وبرامج محددة.

5-نشر معاهد الحِرف، والمهن، والكليات التقنية المتوسطة، ومنحها كل فرص النجاح الممكنة، لاستقطاب العدد الكافي، والنوعية الجيدة.

6-المحافظة على الحِرف، والمهن، والصناعات التقليدية، التي ما زالت موجودة، وتشجيع أربابها بشتى الطرق والوسائل.

7-دارسة وتحليل الحرف المعروفة، والصناعات التقليدية، لتوصيفها توصيفا دقيقا واضحا، ونشرها في كتيبات، بأسعار زهيدة، مساهمة في نشر الوعي التقني.

في مجال التشغيل والصيانة:

1-الأخذ بأسباب تقليص تدفق الأجهزة، والمعدات المستهلكة، التي تسيطر عليها (( الزوالية ) )، لإتاحة الفرصة للمواطن للتريث، كي يتعلم عن طريق الصيانة والتشغيل، ويتأمل في أشياء شبه ثابتة أمام عينيه ليتعلم منها، ويتدرب عليها، بعد أن يستوعبها تشغيلا وصيانة.

2-الدعوة لتعليم (( الصيانة العامة ) )بتضمينها خطط التوعية، والتعليم، والتدريب في المجتمع، على جميع المستويات بهدف ترسيخ مفاهيم العمل اليدوي المنتج.

3-إعطاء الصيانة مكانة علمية، في الجامعات، ودور العلم، ومعاهد الأبحاث، وإيجاد تخصصات لها في الدراسات العليا.

4-مطالبة الورش، والمصانع الوطنية، بإعداد كتيبات، عن كيفية صيانة منتوجاتها وإثارة الوعي العام، لعمل نماذج، وصناديق هوايات، تتعلق بالمنتج الوطني.

5-دعوة وزارات الصناعة، بالتعاون مع ورش كليات الهندسة، ومعاهد التدريب المهني لإعداد دورات تدريبية، عن المنتوجات الشائعة حدا في المجتمع، مثل مضخات المياه، وعوامات الخزانات، وأدوات السباكة، وبعض الأدوات الكهربائية، وإصدار كتيبات مبسطة، عن طريقة تركيبها، وصيانتها، توزع مجانًا.

6-التقليل من تدفق استيراد أدوات ومعدات الاستهلاك، التي تحتاج إلى صيانة متقدمة، كي لا تصبح عبءًا على المجتمع، لمحدودية عدد المتخصصين في هذه الصيانة.

7-صياغة القوانين والأنظمة التي تحكم:

أ - استيراد المعدات والأجهزة والأدوات، وحق صيانتها.

ب - توثيق العلاقة بين ملكية وتشغيل وصيانة المعدات، والأجهزة، والأدوات.

8 -التركيز في منظومة الصيانة والتشغيل، على أجهزة ومعدات وأدوات الخدمات المختلفة، ليتمشى ذلك مع طبيعة المرحلة، التي ينال فيها قطاع الخدمات القسط الأولى من الدعم والرعاية.

9-تكوين الأطر البشرية، في مجال الإدارة، المستوعبة لأبعاد عمليات التشغيل، والصيانة، ودورها الحضاري.

10-إعداد دراسة علمية متخصصة بهدف:

أ - تحديد نوعية الصيانة المطلوبة وحجمها، في فترة مستقلة معينة.

ب - اختيار أمثل لمجموعة من نماذج مؤسسات الصيانة، التي يمكن إقامتها سواء على مستوى الأفراد، أو مستوى المنشآت.

جـ ـ اختيار أمثل لمجموعة من الخيارات العالمية، لعمليات الصيانة والتشغيل من خلال قائمة أولويات تحكمها.

في مجال التقليد والتطوير الصناعي:

1-التركيز على تقليد أدوات الإنتاج الضرورية، قبل تقليد أدوات الترفيه.

2-التركيز على أن يكون التقليد الصناعي موجهًا لاستغلال الطبيعة المحيطة بنا، كأدوات القنص والصيد وغيرها.

3-توجيه جزء من أساتذة الجامعات العلمية والعملية، لتحويل بعض الرسائل العلمية، والأبحاث الجامعية، التي يقومون بها، أو التي يشرفون عليها، إلى رسائل وبحوث، تصب في معين التقليد للمنتجات المصنعة في الخارج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت