واستمر علم (( الميكانيكا ) )بعد ذلك، في حالة تزايد تكديسي دونما طفرة، حتى جاء (( أينشتاين ) )، فعمم قوانين (( نيوتن ) )، في طفرة إبداعية أخرى، بحيث أصبحت قوانين (( أينشتاين ) )قادرة على وصف حركة الأجسام الدقيقة، ذات السرعات العالية، التي تقترب من سرعة الضوء.
ومنذ أن نشر (( أينشتاين ) )بحثه عن النظرية النسبية الخاصة، في عام 1905م،وحتى الآن، يتزايد علم الميكانيكا تزايدًا تكديسيًا، في انتظار طفرة إبداعية جديدة، تأخذ الإنسانية إلى مجالات أرحب من التقدم والسمو.
استخلاص العبرة:
إذن فإن موقف اليابان وأوروبا يتخلص في أنهم سعوا إلى تكديس العلوم، والمعارف، والأشياء، بغرض البناء. أما الدول النامية في حركتها الحالية، فإنها تكدس العلوم، والمعارف، والأشياء، بغرض الاستهلاك، وعلى أحسن الفروض، بغرض المباهاة والتظاهر، دون مضمون، ودون بناء.
والعبرة التي يمكن استخلاصها بجلاء من ذلك هي: أن الأمم في مدرسة الحضارة كالتلميذ في مدرسته. في العملية التعليمية، يمر الطالب بثلاث مراحل رئيسة هي::
مرحلة التكديس: وهي مرحلة التلقي للمعلومات، تتراكم لديه يوما بعد يوم، بصورة غير مرتبة، أو منتظمة، ومتعددة المجالات، تليها:
مرحة أخرى، تتضح فيها الصورة في ذهن الطالب، ويتم ترتيب المعلومات بشكل أفضل حيث يبدأ في تكوين علاقات بينها، تساعده على الهضم أو الاستيعاب، ويمكن تسمية تلك المرحلة بمرحلة الاستيعاب، تليها
مرحلة الإبداع: حيث يستطيع الطالب أن يعطي فكرا جديد يختلف عما تلقاه، ولكنه ينبع من جوهره، ويرتكز عليه.
وهاكم التفصيل:
مراحل التدرج الحضاري
مرحلة التكديس:
تتميز مرحلة التكديس الحضاري للأمة ـ أي أمة ـ بأنها ذات معدل بطيء للنمو، يصل إلى قيمة ظاهرية، تبدو العملية معها وكأنها لا تتحرك، مما يسبب ضغوطا لكثير من الأفراد فيستسلموا لليأس، وربما لاذوا بالفرار، ليعيشوا في أمة، تعيش مرحلة متقدمة.
وعلى الأمة أن تدرك، أن بطء النمو في هذه المرحلة، أمر طبيعي جدًا، فهي مرحلة غرس، لا جني، يجب أن تصبر عليها، وتتواصى بهذا الصبر، حتى يثبت الرجال، وراء القدوة الصابرة، الثابتة في مواقعها، غير المستعجلة ثمار جهادها، المتمثلة دائمًا بالقبول المأثور الذي سبقت الإشارة إليه من قبل، ونعيد رصده للتذكير:
(( اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ) )
فإذا كان هذا الأثر، هو شعار مرحلة التكديس، فإن الأمة تستطيع أن تمر بهذه المرحلة من غير ضغوط نفسية مدمرة، ومعوقة لعمليات النمو ذاتها.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إن الضغط النفسي، في مرحلة التكديس، من أخطر الأمراض الحضارية، التي تصيب معظم شعوب العالم النامي، أو ما يسمى بالعالم الثالث،حيث يظن مثقفو هذه الشعوب ـ وهم يرون الفجوة الزمانية كأنما تزداد اتساعا ـ أن لا أمل في اللحاق،. ويفقدون الثقة في أنفسهم، وتضطرب خطاهم على طريق الحضارة، ويفرون من الواجب، ليبحثوا لأنفسهم عن ملجأ حضاري، خدعهم بريقه، ويتركوا من خلفهم شعوبًا، تجد نفسها تزداد تخلفا بفرارهم عنها، فكلما أعدت الأمة صفوة من أبنائها لعمليات البناء، فقدتهم، فتخسر المال، وتخسر الزمن بخسارة الرجال.
لذا فإننا نود أن نؤكد مرة أخرى: أن معدل النمو البطيء، في مرحلة التكديس، لا يعني ضياع الجهد، وانما هو (( جهد مكنون ) )، أو لنقل بلغة العلماء: إنها طاقة وضع، وليست طاقة حركة، يمكن للأمة استردادها كطاقة حركة، في الخطوات التالية لمرحلة التكديس.
مرحلة الاستيعاب:
إذا تجاوزت الأمة التكديس بثبات، وصبر، وحزم، وإصرار، حيث تكون قد تكدست في وعائها الاجتماعي طاقات علمية، وتقنية، وروحية، وشحذت بذلك الفعالية الاجتماعية للإنسان شحذًا كبيرًا، إذا انتهت من هذه المرحلة، التي تتميز بالبطء فإنها تقبل بذلك على مرحلة جديدة، تتميز بسرعة أكبر للنمو، هي مرحلة الفهم، والاستيعاب. في هذه المرحلة الجديدة، تبدأ الأمة في فهم العلاقات العضوية، بين الطاقات المكدسة في وعائها الاجتماعي، فتكشف لنفسها، وبنفسها ما تم اكتشافه في أمم أخرى لتصل إلى الجوهر، بين الركام المكدس، ويعطيها ذلك قدرات جديدة.
حيث سيكون انطلاقها من الجوهر، لا من الركام المكدس، وحيث تكون الأمة تعرفت على قوانين التحضر، لا على نتائجه فحسب، فتصبح عندها القدرة على الخطو بثقة في ميدان الحضارة، وهي غير منبهرة بالركام المكدس، وإنما عاشقة للجوهر، متفاعلة معه.
مرحلة الإبداع:
قلنا: إن الضغوط النفسية نبدأ في الانقشاع عن ضمير الأمة، في مرحلة الاستيعاب والفهم، حيث تجد الأمة نفسها وجها لوجه، مع الينابيع الأساسية للإبداع الإنساني المعاصر، وتسرع حينئذ مسيرتها رويدًا رويدًا، فكلما حققت نصرًا، زادها ذلك ثقة ورسوخًا، فإذا واصلت العمل، مدركة لكل مقومات قيام الحضارة، ومتطلباتها، فإنها ستصل لا محالة، إلى مرحلة الإبداع، حيث يصبح معدل نموها أُسِّيًا متزايدًا، ونعني بـ (النمو الأُسِّي ) هنا، أن يحدث تطور سريع، ومبدع في فترة زمنية قصيرة نسبيًا، إذا قيست بمقدار التطور والنمو الذي حدث خلالها. والمتتبع لمسار الحضارة الغربية المعاصرة، يلحظ أن فترة الإبداع المادي، في هذه الحضارة، تميزت بأن صَاَحبَ نموها الأُسِّي المتزايد، آخر، حدث في العلاقات الاجتماعية، والتصورات الكلية للمجتمع، حدث هذا التغيير بسرعة مذهلة، فاقت سرعة فكر قادة هذه الحضارة وعلمائها وحكمائها، واليوم تعيد الحضارة الغربية حساباتها، لترى أين كان الخطأ في وجهتها؛ بل لقد بدأ ينظر كل إنسان اليوم في الغرب، في العلاقات الأساسية التي تربط ما حدث من تقدم في العلوم؛ بالمجتمع، وما يحمل من عقائد وقيم، وأصبحنا نرى أقسامًا علمية جديدة في معظم جامعات أمريكا، تدرس التفاعل بين التقدم العلمي والتقني، وبين المجتمع والدين.. في محاولة منهم لاستدراك الآثار الجانبية لهذا التقدم الأُسِّي في الحياة المادية، على المجتمع وقيمه.
إن هناك كثيرًا من الناس، ممن يرون آثار الحضارة الغربية السيئة، أو يسمعون عنها، فيتنبأون متعالمين بهلاك هذه الحضارة وحتمية فنائها. إن الآثار السيئة للحضارة الغربية هي آثار طبيعية، برزت نتيجة لانحياز تلك الحضارة إلى الجانب المادي، وابتعادها عن القيم الروحية، التي ما زالت تظهر على استحياء في المجتمع الغربي. ووجود هذه الآثار السيئة في الحضارة الغربية، لا يمنعنا من الاعتراف، بأن هذه الحضارة تزخر بالحياة، قوية فتية، وحسب مفكروها فخرًا، أنهم هم الذين اكتشفوا آثارها السيئة، وبدأوا يحاولون تداركها لحماية المجتمع منها.
ويهمنا أن نأخذ العبرة مرة أخرى، من غيرنا، في محاولتنا التعرف على المنحنى الزمني للحضارة، ومعدل تغيره، والتزامنا بما تؤكده العقيدة الإسلامية من مسؤولية الإنسان في خلافته على الأرض، لعمارتها بالعمل الصالح، والجهد المثمر، والعطاء المبدع، لنصل إلى توازن، بين التقدم المادي بكل ما يحمله من ترف، ورغد، ورفاهية، وبين المحافظة على مبادئ الحق وقيم الخير، بكل ما يترتب عليها من تضحيات وتقشف والتزام.
ولسائل أن يسأل: كيف يمكن لأمتنا أن تنحو منحى الأمم اليابانية والغربية في استيعاب حضارة العصر، والانطلاق بها إلى رحاب أوسع، من العطاء والإبداع بما يحقق خدمة الإنسانية، وقيمها الصالحة، ويعيد لأمتنا سالف مجدها، ويحقق لها مكانتها السامية، لتكون بحق وصدق أمة أخرجت للناس؟!
باختصار نقول: