فهرس الكتاب

الصفحة 1672 من 1942

انتهت قصة (( تاكيو أوساهيرا ) )، قصة مدهشة حقًا أعظم ما فيها هو هذا الانتماء الكامل للوطن، والاستسلام المدهش لحاجته الحقيقية، والعشق الواضح، للعمل المنتج.

قد كانت حاجة الوطن إلى (( موتور ) )، أهم وأعظم من شهادة دكتوراه، يعود بها ليتبارى ويتفاخر.

وانظر كذلك إلى أمره، يعتذر عن مقابلة (( الميكادو ) )، قبل أن ينجز لأمته شيئا، لأنه اعتبر تلك المقابلة، شرفًا عظيما لا يستحقه، من لا يقدم لأمته عملا منتجا، ومجهودًا واضحًا.

تلك هي الروح الحقيقية لبداية انطلاق اليابان، لم تشغل أبناءها المسميات، أو المناصب، وإنما شغلتهم أهداف سامية للنهوض باليابان، وشغلتهم معرفة أسرار التقنية، وليس نقلها، ليس من الغريب إذن، أن ترسل اليابان إلى مصر، في عهد الخديوي إسماعيل بعثة لتدرس أسباب تقدم مصر عليها، ولتقف اليابان موقف التلميذ من مصر تتعلم وتستفيد، وكذلك كان موقف اليابان من الحضارة التقنية الغربية.

قد أكد هذا الفهم (( تاكيشى هاياشي ) )في بحثه الممتع عن (( الخلفية التاريخية لنقل التقنية، والتحولات، والتطورات في اليابان ) )، وهو بحث قمت بترجمته إلى اللغة العربية بشيء من التصرف لا يخل بالمعنى، ويجد القارئ الترجمة كاملة من الفصل السادس من كتاب (( إنتاجية مجتمع ) ) (1 ) . ومن الممكن أن نستخلص منه الحقائق التالية عن تجربة اليابان:

1-أدخلت اليابان العلوم والتقنية الغربية على مرحلتين.

الأولى عن طريق استيراد البضائع التامة الصنع، ولما لم تُجْد تلك الطريقة، انتقلت إلى مرحلة أخرى، حيث تم بذل الجهود لاستنبات التقنية، عن طريق إعادة إنتاجها، واستنساخها، وصرفت اليابان جهودها إلى تعلم طرق التشغيل، والإصلاح، والصيانة، للآلات المستوردة، حتى أصبحت تقوم بإنتاج آلات شبيهة بالآلات المستوردة، ولكنها تتلاءم مع احتياجاتها. ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى تفكيك قطار كامل، تم تصنيعه في الولايات المتحدة، بعد تسلمه مباشرة، وصناعة آخر شبيهًا له.

2-سبقت التقنية الحربية مختلف التقنيات الأخرى، في دخولها إلى اليابان، وقد كان ذلك رد فعل للتدخل العسكري من القوى الأجنبية الذي ارتبط مباشرة بالتهديد الاقتصادي، وتحت هذا التهديد، كانت صناعة المدافع، والسفن الحربية، أسبق الصناعات، بل إنها كانت القاعدة، التي انطلقت اليابان منها، برصيد واسع من الخبرة فيها، عندما أقامت عددًا آخر من الصناعات، كما حدث في مصنع سك النقود، فقد كانت المعالجة الكيمائية للمعادن، والتي اكتسبت اليابان خبرة واسعة فيها، في مجال صناعة المدافع، أكبر مساعد في نجاح تلك الصناعة.

3-بدأت عمليات التصنيع الرئيسة في اليابان، بالصناعات الثقيلة، كصناعة الحديد والصلب والآلات، وخطوط السكك الحديد، وهي في ذلك تختلف عن أوروبا التي بدأت بالصناعات الخفيفة بعد الثورة الصناعية، ولم تكن التجربة اليابانية سهلة، ولكن التصميم على الهدف، كان دافعًا لهم على المواصلة، وقد حدث ذلك عند إقامة مصنع الحديد والصلب، فقد حاولت الاستعانة بأحد الخبراء الإنجليز، ولكن المصنع فشل، ثم عاودت الكرة مع الخبرة الألمانية، وفشلت مرة أخرى، حتى استطاع الخبراء اليابانيون حل المشكلة، واستفادت اليابان من ذلك درسًا مهمًا، هو أن مجرد نقل التقنية المتقدمة، وإعادة تطبيعها لا يؤديان إلى الهدف، كما أنها انتهت إلى محدودية فعالية الاستعانة بالخبراء الأجانب.

4-كان من أهم عوامل نجاح التجربة اليابانية، اكتشافها حقيقة إجراء التغيرات الملائمة للظروف العملية على التقنية المستوردة، لكي تتلاءم مع ظروفها المحلية. وعلى سبيل المثال؛ فإنها في صناعة الغزل والنسيج، اتخذت طابعًا خاصًا بها يتلاءم مع طبيعة السكان، والمادة الخام بها، برغم أنها استفادت من خبرة العديد من الدول في هذا المجال.

تلك حقائق أمكن استخلاصها من البحث، ويهمنا أن ننقل عبارة قيّمة أنهى بها البروفسور (( هاياشي ) )بحثه وهي:

(( من المهم للتنمية البشرية والاجتماعية ألا تطبق التقنية بسذاجة، ولكن ينبغي مواءمتها بعناية، ويمكن مواءمة التقنية إذا استخدمت لإنتاج بضائع مناسبة، وإذا أمكن لها أن تجد أسواقا مناسبة ) ).

الأمم الأوروبية:

وأوروبا، ماذا فعلت في سبيل سموها التقني؟ إن دارسة تاريخها بعمق ودراية، يكشف عن حقيقة أساسية، هي أن الثورة الصناعية التي قامت فيها، لم تكن سوى وليدة لاتجاهها نحو العلم التجريبي، الذي صنعه العلماء المسلمون، ومن خلال المعابر العديدة، التي انتقلت عليها الحضارة الإسلامية. حدث ذلك في ذات الوقت تقريبا الذي طلق المسلمون فيه أنفسهم من العلم التجريبي.

لم يذهب المسلمون إلى أوروبا ليشعلوا الثورة الصناعية، ولكن أوروبا وقفت من الحضارة الإسلامية موقف التلميذ، تعلمت، وترجمت، واستوعبت، ثم أبدعت تقدما وحضارة، باسقة، أصبحت وكأنها غريبة عنا، برغم أنها نتاج تراثنا العلمي ولكننا أضعناه.

لقد أمضى الغرب زهاء أربعة قرون، ليبني قلاعه العلمية والتقنية، والقاريء الموضوعي لتاريخ الإنسانية، لا يملك إلا أن يعترف، بأن أعمال العلماء العرب والمسلمين، تحتل أنصع صفحات التراث العلمي العالمي، فقد كانت تلك الأعمال الركيزة الأساسية التي قامت عليها الحضارة الغربية، إذ أن جذور شجرة الحضارة العلمية المعاصرة، تمتد إلى عصور السمو في الحضارة العربية الإسلامية، حين ازدانت تلك العصور بمئات من العلماء العرب والمسلمين، الذي تقرن مساهماتهم بأعاظم العلماء في كل عصر لقد كان لابد من ظهور (ابن الهيثم ) ، و (البيرونى ) ، و (ابن سيناء ) ، و (الخوارزمي ) ، و (الرازي ) ، و (الزهراوي ) ، و (الغافقي ) ، و (ابن يونس ) ، و (الصوفي ) ، و (الكندي ) ، و (ابن رشد ) ، و (ابن زهر ) ، ومن إليهم، لكي يتسنى ظهور (كبلر ) ، و (كوبرينق ) و (نيوتن ) ، و (دالتن ) ، و (أنشتاين ) ، و (ديكارت ) ، ومن إليهم. تلك حقيقة، نذكرها بكل فخر، ونشير إليها بكل اعتزاز، لنوقظ بها المشاعر، ونحفز بها الهمم، ونحيي بها النفوس.

نقول: قد أمضى الغرب أربعة قرون، ليبني حصونه العلمية، ويحقق منجزاته التقنية .. وكان لكل فرع من فروع العلم والتقنية، مسيرة معينة، تتميز بفترات التكدس والاستيعاب، ثم فجائيات الإبداع. دعونا ندلل على ذلك الأمر، ونزيده توضيحا، بأن نضرب مثلا بفرع من فروع المعروفة، يعتبر العمود الفقري للتقنية المعاصرة، وهو علم (الميكانيكا ) في عصر ما قبل العالم (( كبلر ) ).

كان علم (( الميكانيكا ) )عبارة عن مجموعة معلومات مكدسة، عن حركة النجوم والكواكب، لا يستبين الإنسان قوانينها، ثم جاء (( كبلر ) )واستخرج منها قوانينه الثلاثة المشهورة، فاستغنت الإنسانية على يديه، عن هذا الركام الضخم من المعلومات، واستبدلت به ثلاثة قوانين، لا تشغل أكثر من نصف صفحة، تهتم بمسار جسم، تحت تأثيره قوة جذب مركزية. وفي الفترة ما بعد (( كبلر ) )، كان علم الميكانيكا يزداد بطريقة تكدسية، معلومات متفرقة، عن أشياء لا يبدو واضحا ما يحكمها من قوانين، حتى جاء (إسحق نيوتن ) ، فأحدث باكتشافه لقوانين الحركة الثلاثة، فجائية إبداعية، كانت من بين الأسس العظيمة التي بنى الإنسان عليها حضارته العلمية والتقنية المعاصرة. عن قوانين (نيوتن ) الثلاثة لا تصف حركة الكواكب والأقمار في مساراتها فحسب، وإنما تصف ديناميكية التحرك لكل الأجسام، تحت تأثير أي نوع من القوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت