ومنه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (1) .
أما فعله فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم ناظر أصنافًا من الناس ؛ من المشركين من قريش والعرب وناظر اليهود في المدينة وناظر وفد نصارى نجران وغيرهم .
وقد أشرنا إلى شيء من ذلك آنفًا في المبحث الثالث من الفصل الأول .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في فقه قصة وفد نصارى نجران:"ومنها جواز مجادلة آهل الكتاب ومناظرتهم بل استحباب ذلك بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم وإقامة الحجة عليهم ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة فليول ذلك إلى أهله وليخل بين المطي وحاديها والقوس وباريها" (2) .
أما تقريره عليه الصلاة والسلام فقد ورد أنه أقر عمر رضي الله عنه في مناظرته لليهود وعندما رجع عمر ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم وجد أن جبريل قد سبقه بالوحي"فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه: ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) [البقرة/97-99] (3) , قال عمر: والذي بعثك بالحق لقد جئت وما أريد إلا أن أخبرك" (4) .
قال ابن عبد البر رحمه الله تعليقًا على هذه الحادثة:"فهذا مما صدق الله فيه قول عمر واحتجاجه" (5) يقصد رد عمر رضي الله عنه على اليهود تركهم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم لكون صاحبه الذي يأتيه بالوحي جبريل وليس ميكائيل , وكلاهما مقرب من الله عز وجل , فمن كان عدوًا لأحدهما فهو عدو للآخر ومن كان عدوًا لهما فهو عدو لله .
وقد أكد أئمة الإسلام هذه المشروعية يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ولا وفى بموجب العلم والإيمان ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس" (6) .
وهذا موجه إلى القادر عليها أما العاجز فقد قال الشيخ رحمه الله:"وقد ينهون - أي السلف - عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة فيخاف أن يفسده ذلك المضل كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجًا قويًا من علوج الكفار فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة" (7) .
وقد اختلف الصحابة رضوان الله عليهم فيما بينهم وتناظروا وتجادلوا لكن كان على وجه المشاورة والمناصحة (8) .
المبحث الثالث: أهمية المجادلة في مجال الدعوة:
لا شك أن أول ما ينظر إليه في أهمية المجادلة في مجال الدعوة هو كونها مشروعة بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وفق ضوابطها التي تميزها عن مطلق الجدل .
وهناك جوانب أخرى تؤكد هذه الأهمية وتوضحها , وسنعرض لها في ثلاثة محاور:
الأول: الأهمية باعتبار الحاجة إليها مع بعض المدعوين.
الثاني: الأهمية باعتبار أثرها في إظهار الحق وقطع الباطل.
الثالث: الأهمية بالنظر إلى نتائج نماذج منها في تاريخ الدعوة .
أولا: الأهمية باعتبار الحاجة إليها مع بعض المدعوين:
خلق الله الخلق وفطرهم على الحنيفية , كما أرسل سبحانه رسله وأنزل كتبه ليدلوا الخلق على مراد الله تعالى منهم , وعندما تكون الفطر سليمة فإنها أقرب ما تكون لقبول الحق الذي تدعى إليه , وعندما تكون قد تأثرت أو حصل لها نوع تشويش فإننا تتردد فيه , ولربما عاندته وردته , ولذلك فإن من ملامح صحة هذا الدين ودلائل ربانيته وكماله وصلاحه أن تعامل بواقعية مع هذه المسألة , بأن ندب إلى الجدل مع هؤلاء بضوابط وشروط معينة .
وقد تحدث العلماء عن موقف الناس من الحق بأنهم ثلاثة أصناف: قابل وغافل ومعاند وذلك في معرض تفسيرهم لقول الله تعالى: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(125) [النحل/125] (9) .
وأفضل من فصل في هذه المسألة - فيما اطلعت عليه - شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله , يقول في ذلك:
"الناس ثلاثة أقسام:"
إما أن يعترف بالحق ويتبعه فهذا صاحب الحكمة.
وإما أن يعترف به لكن لا يعمل به فهذا يوعظ حتى يعمل .
وإما أن لا يعترف به فهذا يجادل بالتي هي أحسن لأن الجدال فيه مظنة الإغضاب , فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان كدفع الصائل" (10) ."
ويقول رحمه الله:
"فالآيات لمن إذا عرف الحق عمل به فهذا تنفعه الحكمة ."
و الإنذار لمن يعرف الحق، و له هوى يصده فينذر بالعذاب الذي يدعوه إلى مخالفة هواه وهو خوف العذاب و هذا هو الذي يحتاج إلى الموعظة الحسنة .
و آخر لا يقبل الحق فيحتاج إلى الجدل فيجادل بالتي هي أحسن" (11) ."
ويقول في موضع آخر:
"الإنسان له ثلاثة أحوال:"
إما أن يعرف الحق ويعمل به .
وإما أن يعرفه ولا يعمل به .
وإما أن يجحده .
فأفضلها أن يعرف الحق ويعمل به .
والثاني أن يعرفه لكن نفسه تخالفه فلا توافقه على العمل به .
والثالث من لا يعرفه بل يعارضه .
(1) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الجهاد باب كراهية ترك الغزو 3 / 32 , 33 وصححه النووي في رياض الصالحين , كتاب الجهاد ص 477 .
(2) زاد المعاد 3 / 42.
(3) سورة البقرة الآية 97 , 98.
(4) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2 / 101 - 102 وجامع البيان للطبري 1 / 434 , 435 والبداية والنهاية لابن كثير 1 / 117 .
(5) جامع بيان العلم وفضله 2 / 102.
(6) درء تعارض العقل والنقل 1 / 357.
(7) المرجع السابق 7 / 171.
(8) انظر الشريعة للآجري ص 66 , ودرء تعارض العقل والنقل 7 / 170.
(9) سورة النحل الآية 125.
(10) مجموع الفتاوى 2 / 45.
(11) مجموع الفتاوى 16 / 585.