1ـ ادِّعاء أمريكا بأنَّها الدولة التي لن تقهر، والتي توقف التاريخ عندها، فلن تزول حضارتها، ولن يفنى شبابها، فهي باقية أبد الدهر ـ عياذًا بالله من ذلك ـ فلا مانع من التوسع والهيمنة على جميع الدول, ولعلَّ أشهر من كتب في هذا العصر عن هذه النبوءة؛ فرانسيس فوكوياما في كتابه [نهاية التاريخ والرجل المريض] ، فقد ألَّف كتابه محتفلًا فيه بسقوط الشيوعية واندحارها أمام الحضارة الغربية الحديثة! فالعالم بزعمه لم يعد أمامه شيء جديد سوى هذه الحضارة الغربية وبالذات الأمريكية، ولهذا فقد أغلق باب التاريخ ولم يعد هناك من يمسك زمامه سوى القوى الغربية وعلى رأسها أمريكا, وسينتهي التاريخ عندها ولن تقوم قائمة لأية حضارة بعدها، والحقيقة أنَّ كلام فوكوياما وغيره ممن يتمنطق بمثل هذا الكلام مبني على مقولة أمريكية قديمة تقول: [إنَّ أمريكا هي العالم، والعالم هو أمريكا] , ولا ريب أنَّ الرجل وقومه يعيدون كلام من سبقهم من الأمم الكافرة حين نظروا لقوتهم وجبروتهم فاستكبروا وقالوا: ليس لنا نهاية ولن نزول، حيث قال تعالى عنهم: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} !!
تأمل خطاب [ألبرت بيفريدج] ممثِّل ولاية [إنديانا] في مجلس الشيوخ الأمريكي وهو يقول: [لقد جعل الله منَّا أساتذة العالم! كي نتمكن من نشر النظام حيث تكون الفوضى، وجعلنا جديرين بالحكم لكي نتمكن من إدارة الشعوب البربرية الهرمة، وبدون هذه القوة، ستعمُّ العالم مرَّة أخرى البربرية والظلام، وقد اختار الله الشعب الأمريكي دون سائر الأجناس كشعب مختار!! يقود العالم أخيرًا إلى تجديد ذاته] .
والشاهد من ذلك أنَّ هؤلاء القوم قد أعادوا سيرة سلفهم حين نظروا لقوتهم وجبروتهم وخيراتهم وحضاراتهم، فافتخروا بها، وظنَّوا أنهم بذلك أولياء الله وأحباؤه، ففي الزمن السابق قال أحدهم حين رأى أملاكه وخيراته بكل كبر وعجرفة: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} .
لكنَّ الحق سبحانه لن يحيي إلا الحق, وسيجعل الباطل غثاءً زبدًا زائلًا، فلم يبقَ لهذا المفتخر بماله وملكه إلا حطام ما مَلَكْ، {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا} .
2ـ اغترار أمريكا بأنَّها الدولة القوية والتي لن تقف أمامها أية قوة، وفي أدبياتها أنَّ أيَّ تفكير لدولة ما تريد أنْ تتقوى أو تقف مناوئة لها، فإنَّها ستجلب على نفسها الدمار قبل بداية الحرب بواسطة الحروب الاستباقية الوقائية. وهذا بالضبط حال فرعون ومنطقه حين خاف أن يأتي من بني إسرائيل ابن يقتله ويقضي على ملكه، فما كان منه إلا أن استحل دماء الناس وفرضها حربًا وقائية له تنجيه من ذلك القتل.
وحين نمعن النظر في كلام قادة هذه الدولة المارقة، أو بحالها العملي مع الدول المخالفة لها فسنجد ذلك واضحًا جدًا، فها هي مادلين أولبرايت تقول في إحدى المقابلات معها في جامعة أمريكية: [في هذا الكون قوة عظمى واحدة؛ الولايات المتحدة!] .
وهذا ستيفن إيه دوجلاس يذكِّر مجلس الشيوخ الأمريكي عام [1858م] بحقيقة المنطق الطاغوتي القائل: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} حيث يقول: [إنَّ أمريكا أمَّة شابة نامية، تعج مثل خلية النحل، وكما أنَّ النحل في حاجة إلى الخلايا ليتجمع وينتج العسل، أقول لكم: إنَّ التكاثر والتضاعف والتوسع هو قانون وجود هذه الأمة] .
ومِمَّا يصدِّق كلام [دوجلاس] السابق ذكره ويدلِّلُ على حب هؤلاء الغزاة للتوسع والسيطرة على بلاد الله، ما قاله السيناتور هارت بنتون في القدم، في خطاب ألقاه أمام مجلس الشيوخ عام 1846م: [إنَّ قدر أمريكا الأبدي هو الغزو والتوسع، إنَّها مثل عصا هارون [يقصد موسى] التي صارت أفعى، ثمَّ ابتلعت كلَّ الحبال. فهكذا ستغزو أمريكا الأراضي، وتضمُّها إليها، أرضًا بعد أرض. ذلك هو قدرها المتجلي. أعطها الوقت، وستجدها تبتلع، كلَّ بضع سنوات مفازات بوسع معظم ممالك أوروبا. ذلك هو معدَّل توسعها].
ويقول المؤرخ [ريتشارد إيميرمان] : [القوَّة والأمن الأمريكيين يعتمدان بشكل أساسي على الحصول على المواد الأولية من العالم، وبالتدخل في أسواقه الداخلية، وبالأخص في دول العالم الثالث التي يجب أن تبقيها الولايات المتحدة تحت السيطرة الشديدة] .
وهاهو نيكسون يقول: [على أعداء الولايات المتحدة الأمريكية أن يدركوا أننا نتحول حمقى إذا ضربت مصالحنا.. بحيث يصعب التنبؤ بما قد نقوم به مما لدينا من قوة تدميرية غير تقليدية، وعندها سوف ينحنون خوفًا منَّا] .
ويقول وزير الخارجية كولن باول بعد ضربة سبتمبر: [نحن الآن القوة الأعظم، نحن الآن اللاعب الرئيس على المسرح الدولي، وكل ما يجب علينا أن نفكر به الآن هو مسؤوليتنا عن العالم بأسره، ومصالحنا التي تشمل العالم كلَّه] .
بل سبقه بذلك بوش الأب حينما ألقى خطابًا عقب انتصار الحلفاء على العراق في حرب الخليج الثانية في إحدى القواعد العسكرية 13/4/1991م حيث يقول: [إنَّ النظام العالمي الجديد لا يعني تنازلًا عن سيادتنا الوطنية، أو تخليًا عن مصالحنا، إنَّه ينبئ عن مسئولية أملتها علينا نجاحاتنا] .
ثمَّ صرَّح في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة 23/9/1991م [بأنَّ أمريكا ستقود العالم] , وبعد هذه الكلمات فهل يشكُّ أحد في مشابهة منطق الأمريكان بمنطق الطغاة الغابرين {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} ، فإنَّهم اعتقدوا مقتنعين أنَّهم رب الكون ومسَيِّرو أحداثه ـ تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا ـ ولهذا من يقرأ كلام نيكسون حين قال: [نحن نقبض على ناصية المستقبل بأيدينا] , يوقن يقينًا بأنَّ هذا [يتواءم مع اعتقاد الأمريكيين بأنَّ قيادتهم للعالم هي قدرهم المحتوم، الذي اختاره لهم الرب، وباركته من أجلهم الملائكة] .
3ـ الكبر والتعالي على الرب وعلى العباد, بمنطق من قال: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} , ومن قال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} ومن قال: {مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} .
يقول أحد كبرائهم وهو متحدث باسم البيت الأبيض في حرب الخليج: [جئنا نصحح خطأ الرب الذي جعل البترول في أرض العرب] !! وهذا بوش يخاطب الرئيس الباكستاني برويز مشرَّف بمنطق القوة والتهديد ليركع له وينحني: [أمامك خياران إمَّا أن تدخل في حلف أمريكا ضد الإرهاب، وإمَّا أن نعيد باكستان للعصر الحجري] , وحقًا إنَّها سياسة من لا يفتح مجال الحوار والأخذ والرد، وهي القاسم المشترك الذي جمع طواغيت الأرض على كرسي التجبُّر، وسيف القهر، والكبرياء البغيضة.
ولهذا فإنَّ الأمريكان جعلوا أنفسهم بمنزلة الرب، واستقوا من الفكرة الثيوقراطية مبدأً؛ بأن يُطاعوا ويُخدموا من قبل الناس, وإلا فالجحيم ينتظرهم لأنَّهم مفوضون حسب ادعائهم عن الله بالحكم والقتل، وتابع معي كلامًا لنيكسون: [إنَّ محور علاقات أمريكا مع ألمانيا وأوروبا وآسيا والعالم كلِّه هو مصالح أمريكا، وعلى العالم كلَّه أن يخدم مصالح أمريكا] .