فهرس الكتاب

الصفحة 1411 من 1942

وهذا الرأي لايتوجه في الشيوعية الاشتراكية التي أُجبر الناس على اعتناقها من قبل سلطة متحكمة بقوة الحديد والنار، والسبب هو معارضة فكرة الإلحاد لبدائه العقول وفطرة الخلائق وأديان السماء، فلما أطر الشيوعيون الناس على مذهبهم انساقوا لهم عندما كانت السطوة لهم، ولما كانت العقائد لا تستقر في نفوس الناس تحت حد السيف وإن أظهروا الإذعان يومًا ما، فما أن كُسِرت يد الظلم الباطشة الاشتراكية الممتدة إلى الشعوب المقهورة في الشرق أو الغرب حتى أظهر الناس ما كانوا يكنونه من عقائد، فمضى الشيوعيون وألسنة تلك الأجيال تلعنهم.

ولاينقض ماسبق تدين مجموعات من الانتفاعيين بدين السلطان أنى كان فهؤلاء لادين لهم في الحقيقة إلاّ حيث كانت مصالحهم ورغباتهم العاجلة.

ولإدراك المسلمين هذه الحقيقة لم يكن للسيف عندهم في جهاد الطلب دور غير إزاحة من حال دون الناس ونور الإسلام ليتوجه الناس إلى الدين الصحيح ويسترشدوا بتعاليمه فتنبت النابتة الجديدة في أجواء صحية وتتحقق لهم مصالح الدارين بالتزامهم تشريعات الإسلام السمحة، وأما من أبى فهو مخير بين أن يعيش في كنف الإسلام وتحت عدالة دولته ورعايتها مع فرض جزية يدفعها إن كان من أهل القتال جراء ذلك وهو مقيم على دينه، أو مفارقة تلك الأرض التي لايرتضيها، فإن رفض قانون الإسلام والخضوع لدولته فيحكم عليه بحكم الخارجين عليها والمصلحة في ذلك ظاهرة فحيث وُجد من يتمرد على قوانين الدولة المتحكمة فلابد من أن ينال جزاءه، كما أن المتمرد عليها من المسلمين يناله جزاؤه أيضًا. وشأن الإسلام في هذا شأن الأديان من قبله فالجزية مذكورة في التوارة والإنجيل مضروبة منذ القرون الأولى وليست بدعًا من بني الإسلام.

وعلامة صحة هذا الطريق -جهاد الطلب لأجل تبليغ الدين لمن حيل بينهم وبينه- وكون الغرض منه عند أهل الإسلام هو ما سلف بيانه، دخول الجم الغفير في دين الله أفواجًا مع التزامهم به في السر والعلن وتوريثه البنين والبنات الذين نشأوا على حب ما حببه إليه آباؤهم.

ويبدو أن هذا المبدأ لم يعد مرفوضًا اليوم من الناحية العملية بل أصبح واقعًا يفرض على البلدان الإسلامية من قبل دول تزعم تصدير الحرية والديمقراطية بطائرتها ودباباتها وصواريخها الذكية.

وليس في هذا الفهم ما يستنكر إذا علمنا أن كثيرًا من الدول الغربية كان مبدأ تحولها إلى الديمقراطية عن طريق ثورات على النازية والبلشفية والماركسية وغيرها من الاتجاهات الاستبدادية أو الشمولية والتي انتصرت عليها بعد جراحات ودماء وأشلاء.

وفي اعتقادي أن من أسباب نجاح ذلك التحول القسري في كثير من الشعوب الأوربية والأمريكية تلك القناعة الداخلية للشعوب بأن النظم القمعية أو الاستبدادية الشمولية التي سيطرت عليها ليست صالحة، وأن البديل الديمقراطي الرأسمالي أصلح لهم، فظلت المدافعة ردحًا من الزمن ثم كتب البقاء للأصلح.

ولكن ما يجهله هؤلاء أثناء تصديرهم لتلك الثقافة عن طريق الدبابة إلى البلدان الإسلامية هو أن الإسلام دين لايعتنقه حقًا إلاّ من اعتقد أن نظامه هو الأصلح، ولذلك فلن يرتضي به بدلًا إلاّ من بدل دينه منهم.

والنتيجة الطبيعية لهذا أن تتكرر ظاهرة ظهور الإسلام في تلك الأرجاء ولو بعد حين من القهر والاستبداد سواء أتم ذلك باسم الاشتراكية أو الديمقراطية.

ولو أردنا أن نأخذ نموذجًا حيًا فسوف نجد العراق أمثل نموذج، وقبل أن أدخل في بيانه أنبه القارئ الكريم إلى أن هذا الكلام مبني على أحسن أحوال مدعي تصدير الحضارة أو الحرية أو الثقافة على متن الدبابة، مفترضًا على سبيل التنزل أنه لا مآرب أخرى للجنود ولا لمن أرسلهم غير بذل المهج والنفوس من أجل الحرية!

لقد دخلت القوات البريطانية محتلة العراق ما بين 1904- 1918، وقدم الجنرال [مود] عندما احتل جيشه بغداد يوم 11 مارس 1917 فخاطب العراقيين قائلًا عبارته المشهورة: 'إننا جئناكم محررين لا فاتحين' وألقى وعوده وتباشيره بعصر الحرية والغد المشرق.

فإذا العراق ترزح تحت نير احتلال تبدو مطامعه يومًا بعد يوم ومع ذلك لايزال المحتل يجد له أنصارًا وأعوانًا وأذنابًا كما هي الحال اليوم، وعلى الطرف الآخر تتوالي أعمال المقاومة وتتصاعد حتى جاءت ثورة العشرينات فعزل الكولونيل [ولسن] الحاكم الملكي في العراق وعين بدلًا عنه [برسي كوكس] ليمثل الحكومة البريطانية في العراق ومهمته المعلنة تأسيس حكومة عربية في العراق وتنفيذ مطالب الثوار فوصل بغداد في يوم 11 أكتوبر 1920 فاستقبل في بغداد من قبل العملاء استقبالًا حافلًا حتى قال جميل صدقي الفيضي ابن الملا أحمد بابان زهاوي [1] ، قصيدة ترحيبية حمل فيها على المقاومة حملة شعواء من جملة ما جاء فيها:

عُد للعراق وأصلح منه ما فسدا وابثث به العدل وامنح أَهله الرغدا

الشعب فيه عليك اليوم معتمدٌ فيما يَكون كَما قد كانَ معتمدا

حييت من قادم إِبَّانَ حاجِتنا إليه نَرجو به للأمة الرشدا

إنَّ العِراق لمسعودٌ برؤيته أبًا له من بلاد العدل قد وردا

وبفضل هؤلاء الأذناب أو المغفلين -وأنت تراهم في كل عصر ومصر- الذين يفتون في عضد الأمة، يظن المحتل أن يده ملأى.

لقد تأسس ما سمي بالدولة العراقية عام 1921 تحت الوصاية البريطانية التي جاء الدستور والبرلمان وفق هواها بعد أن مهدت لإقامتهما كما هي الحال اليوم، فكان ماذا؟ حفظ لنا الأدب التاريخ فنقل قول معروف الرصافي معبرًا عن حال الشعب ناقدًا الحكومة الاسمية في أبيات أطول من هذه:

سأقول فيها ما أقول ولن أخف من أن يقولوا شاعر مُتَطَرِّفُ

ويبدو أن القاعدة وجماعة الزرقاوي لم تعرفا في ذلك العصر أو لايجيء عليهما وزن الأبيات فاكتفى بأعظم التهم في زمانه التي تطلق على المناضلين المقاومين للاحتلال من المجاهدين ألا وهي التطرف! ثم أردف مبينًا:

هذي حكومتنا وكل شُموخها كَذِب وكل صنيعها متكلَّفُ

عَلَم ودستور ومجلس أمة كل عن المعنى الصحيح محرف

أسماء ليس لنا سوى ألفاظها أما معانيها فليست تعرف

مَن يقرأ الدستور يعلمْ أنه وَفقًا لصكّ الانتداب مصنَّف

من يأتِ مجلسنا يُصَدِّق إنه لمُراد غير الناخبين مؤلَّف

أفهكذا تبقى الحكومة عندنا كلمًا تموَّه للورى وتُزخرَف

للإنجليز مطامع ببلادكم لا تنتهي إلاّ بأن تتبلشفُوا

أفتقنعون من الحكومة باسمها ويفوتكم في الأمر أن تتصرّفوا

أنتم عليها والأجانب فوقكم كلّ بسلطته عليكم مُشرِف

أيُعَدّ فخرًا للوزير جلوسه فَرِحًا على الكرسيّ وهو مُكتَّف

إن دام هذا في البلاد فإنه بدوامه لسيوفنا مُسترعِف

لا بُدّ من يوم يطول عليكم فيه الحساب كما يطول المَوْقفُ

ولما قرر الانتداب البريطاني تخريج دفعة من الضباط العراقيين وتنصيبهم في مناصب قيادية وعسكرية كما يفعل الأمريكان في الوقت الراهن قال:

وكم عند الحكومة من رجالٍ تراهم سادة وهم العبيدُ

كلاب للأجانب هُم و لكِنْ على أبناء جِلدتهم أسودُ

وبمثل هذا النفس كانت المقاومة الصادقة تشتعل فكان من الطبيعي ألا يدوم الأمر للمتغلب فما مرت ثلاثة عقود حتى اجتاحت المقاومة عام 1958 أرجاء العراق قاطعة أذناب الاستعمار ليعلن انسحابه ذليلًا. وفي صورة أُراها شبيهة بصورة انهيار تمثال صدام توجهت الحشود الجمة إلى تمثال الجنرال [مود] لتجعله جذاذا تحت الأقدام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت