يولي ابن نبي عناية خاصة للذوق الجمالي، وما يؤديه في صياغة الثقافة، وتحديد ذاتيتها، كما يبين أهمية النزعة الجمالية في تحديد اتجاه الحضارة في التاريخ. ويركز في دراسته للحضارة على أن النزعة الجمالية والذوق الجمالي ينعكسان على سلوك الفرد والمجتمع، ويظهر هذا في الأفكار، والأعمال، وكل المساعي، أي أن عنصر الجمال مهم لتكوين الذوق العام. كما يرى أن الجمال في صورته النفسية هو (الإحسان ) (1) .
ومن وجهة لغة الاجتماع، يرى ابن نبي: (أن الأفكار -بصفتها روح الأعمال التي تعبر عنها أو تسير بوحيها- إنما تتولد من الصور المحسة، الموجودة في الإطار الاجتماعي، والتي تنعكس في نفس من يعيش فيه، وهنا تصبح صورًا معنوية يصدر عنها تفكيره، فالجمال الموجود في الإطار الذي يشتمل على ألوان وأصوات وروائح وحركات وأشكال، يوحي للإنسان بأفكاره ويطبعها بطابعه الخاص من الذوق الجميل أو السماجة المستهجنة ) (2) .
فابن نبي ينظر إلى الجمال من الوجهة النفسية والاجتماعية، أي إلى ذلك الجانب النفسي المستوحى من منظر أو شكل أو رائحة أو صوت أو لون. هذه الحركات أو الأشكال إما تؤدي إلى إحساس بالقيمة الجمالية، أو إلى سماجة في السلوك إذا كان ما توحي به مستقبحًا. وهذا يؤدي بالإنسان إلى سلوك عملي يتوخى فيه الإحسان والدقة والإتقان، كما يتوخى كل سلوك محبب إلى النفس وكريم في العادات. فالجمال عند ابن نبي بما يوحيه في المجتمع من ثراء في الذوق، وما يمثله من نبع، تصدر منه الأفكار وتصدر عنه بواسطة هذه الأفكار أعمال الفرد في المجتمع (3 ) .
بعبارة أخرى، أن الجمال يشكل فصلًا مهمًا من فصول الثقافة، التي تشكل المحيط الاجتماعي، وتكوِّن شبكة العلاقات الاجتماعية (4) ، بل إن الجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أية حضارة.. والإطار الحضاري بكل محتوياته متصل بذوق الجمال (5) . والقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة أوليا عناية كبيرة للبعد الجمالي في شخصية الفرد والمجتمع والأمة، ويظهر ذلك جليًا من خلال التأكيد على جانب الطهارة في النفس والجسم والمحيط، حتى اعتبر الإسلام إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، وصدقة يؤجر عليها فاعلها (6) .
غير أن ابن نبي لا يهتم بإعطاء تعريف دقيق للجمال من وجهة لغوية، بقدر ما يهتم بهذه النزعة من وجهة دخولها في تركيب الثقافة، وتأثيرها على الإطار الاجتماعي. ومن هنا يمكن القول: إن تركيز ابن نبي كان على التحديد الاجتماعي والحضاري للقيمة الجمالية، أكثر من عنايته بالمصطلح ذاته من ناحية النشوء اللغوي، رغم أنه يشير إلى بداياته مع حركة النهضة الأوروبية، ومع بداية الاتجاه الكلاسيكي والرومانسي في الأدب والفن في إيطاليا. ويشير إلى ما لاحظه (تولستوي ) في كتابه (ما هو الفن ) حيث يرى أن فكرة الجمال بدأت تحتل المكان الأول في عصر النهضة. وأنها استولت نهائيًا على الشعور الغربي حوالي منتصف القرن الثامن عشر عند ظهور دراسات (وينجهمان ) التي تشير إلى أن المبدأ الأخلاقي قد اضمحل في الفن وسلم مكانه للجمال (7) .
وكما يشير ابن نبي، فإن الجمال ينتشر في المجال الطبيعي في صورة أصوات وألوان وحركات وأضواء وظلال، وفي المجال الاجتماعي تنتظم ألوان الحياة وصورها في قوالب وأشكال وأنماط متعددة، وكل هذه وتلك في المجالين معًا يتمثلهما الإنسان في ذاتيته شعوريًا ولا شعوريًا فتؤثر عليه وعلى سلوكه وتدخل في تشكيل ذوقه ودوافعه سلبًا وإيجابًا. فالانفعال الجمالي بالأشياء يمنح حركة العمل دافعًا وإبداعًا ويحدث التغيرات العديدة في السلوك والحياة (8) . أي أن الجانب التربوي هو المهم في الجمال، وهو الذي يوليه ابن نبي عناية كبيرة، وهذا اتساقًا مع نظريته في فصول الثقافة التي يعد الذوق الجمالي أحد أبعادها الأربعة.
والذوق الجمالي كقيمة حضارية، له تأثير عام يمس كل دقيقة من دقائق الحياة، كذوقنا مثلًا في الملابس والعادات وأساليب الضحك، وكطريقة تنظيم بيوتنا، وتمشيط أولادنا، ومسح أحذيتنا، وتنظيف أرجلنا. كما يرى ابن نبي أننا في العالم الإسلامي اليوم لا نملك هذه القيمة، ولو كانت عندنا لوظفناها في حل مشكلاتنا باعتبارها أحد فصول الثقافة مثلها مثل المبدأ الأخلاقي، والمنطق العملي، وجانب الفن الصناعي، فيقول: (ولعل من الواضح لكل إنسان أننا أصبحنا اليوم نفقد ذوق الجمال، ولو أنه كان موجودًا في ثقافتنا، إذن لسخرناه لحل مشكلات جزئية، تكون في مجموعها جانبًا من حياة الإنسان ) (9) .
الجمال واتجاه الحضارة:
في تحديده لدستور الثقافة، في فصولها الأربعة: المبدأ الأخلاقي، والذوق الجمالي، والمنطق العملي، والفن الصناعي، يرى ابن نبي أن هناك علاقة خاصة بين الفصلين الأولين; المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي. كما يلاحظ أن هناك علاقة صلة خاصة بينهما، تكون في الواقع علاقة عضوية ذات أهمية اجتماعية كبيرة. حيث إن هذه العلاقة تحدد طابع الثقافة كله، كما أنها ترسم اتجاه الحضارة، حينما تضع هذا الطابع الخاص على أسلوب الحياة في المجتمع وعلى سلوك الأفراد فيه (10) .
فالنموذج الاجتماعي إما أن يقوم على الدوافع الأخلاقية وإما أن يقوم على الدوافع الجمالية، ومن هنا نكون أمام نموذجين من المجتمع; تبعًا للدوافع التي تحرك نشاطاته.. وحسب ابن نبي، فإن هذا الاختلاف ليس اختلافًا شكليًا، أو مظهريًا، بل هو اختلاف عميق يؤدي إلى نتائج تاريخية ذات أهمية كبرى. إذ كل من المجتمعين يتطور تاريخيًا في اتجاه يختلف تمامًا عن اتجاه الآخر، بل قد يتناقضا في كثير من المواضع، إذ أن ما يمتنع مجتمع عن فعله بدافع خلقي، يعمل الآخر على تحقيقه بدافع جمالي.
إضافة إلى أن السلوك والأذواق والمناظر، واللباس، وكل النسيج الاجتماعي، والعمراني، يخضع في تشكيله إلى العلاقة بين المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي. فالمجتمع الغربي مثلًا اشتهر بفن التصوير، وتصوير المرأة العارية على الخصوص بسبب الدافع الجمالي، بينما المجتمع الإسلامي -كما يرى ابن نبي- لا نجد فيه أن للفن الإسلامي آثارًا في التصوير، مثل ذلك الذي نشاهده في متاحف الحضارة الغربية، وفي آثارها المتبقية مع الزمن. وما ذلك إلا لأن المبدأ الأخلاقي في المجتمع الإسلامي لا يطلق العنان للفنان أن يعبر عن كل أنواع الجمال وعلى الخصوص المرأة العارية (11) .
فالمعيار الذي تقيس به الحضارة الغربية هو معيار الجمال، أما معيار الحكم على الأشياء في الحضارة الإسلامية فهو معيار القيمة الأخلاقية. وهذا في نظر ابن نبي (رحمه الله) ليس معناه افتقاد الحضارة الإسلامية عنصر الجمال، وإنما موضعه يأتي متأخرًا عن القيمة الأخلاقية في سلم ترتيب القيم (12) .
فالمسألة في وضعية إحدى هاتين القيمتين: الأخلاق، أو الجمال، باعتبار إحدى القيمتين محورًا، والأخرى تابعة.. وهذه المحورية ترجع إلى أصول كل ثقافة وما تركبت منه في بداياتها، وإلى جذورها الأولى، فإذا كانت الحضارة الإسلامية نتاج خط النبوة وتعاليم الوحي، مما جعل (الحقيقة ) محورها، فإن الحضارة الغربية تعود في أصول ثقافتها إلى ذوق الجمال الموروث من التراث اليوناني الروماني; الذي كان شغوفًا بالتماثيل والرسوم، مما جعل الثقافة الأوروبية تركب في مضمونها مزيجًا من الأشياء والأشكال، أي من التقنية والجمالية (13) .