-قراءة بشرية علمائية تمثلت في البناء النظري للنموذج النبوي ، وتدوينه ، وتسجيله في كتب السنة، والحديث ، والفقه ، والأصول ، والعقيدة ، والتاريخ ، والجغرافيا ، والسياسة الشرعية .. إلخ (قراءة بالعقل) . مع العلم بأن القراءة الثانية مستخلصة من التفاعل بين العقل الإسلامي والقراءة الأولى (قراءة الرسول صلي الله عليه و سلم) ، وذلك في ضوء المذهبية التوحيدية. وهذا معناه أن غياب القراءة الأولى، يعني أن أي قراءة لاحقة إلى قيام الساعة مرفوضة في حياة الأمة ، وأن أي بناء حضاري لا يقوم عليها فهو رد ، وغير مقبول مهما كانت نتائجه . فالقراءة النبوية للوحي ، وتنزيله إلى أرض الواقع حجة على كل التطور العقلي ، والمنهجي الذي وصلته ، وستصله البشرية في مستقبل أيامها ، وبعباة أكثر دقة: أن كل الانتاج العقلي ، والفكري الراهن ، مطلوب للمثول بين يدي معيار الوحي الإلهي ، الذي تمثل السنة النبوية المطهرة إطاره العملي ، الذي أدى فيه الرسول صلي الله عليه و سلم رسالة البلاغ المبين ، كما أمره الله سبحانه وتعالى.
فالقراءة الجديدة محظوظة بشكل عظيم لأنها تقف على خبرة الجيل النبوي الأول ، الذي كان في مرحلة التأسيس للنموذج الحضاري التوحيدي ، كما تقف على تجربة الجيل الإسلامي الثاني (عصر التدوين ثم العصور التي تلته وساهمت في مواجهة الحملات الشرسة ضد السنة النبوية) الذي كان في جهاد متواصل للحفاظ على الحضارة الإسلامية ، ووراثتها بشكل غير مخل بغاياتها ، وحقائقها التاريخية.
فهذه القراءة التي ظهرت منذ بوادر الصحوة الإسلامية الحديثة مطالبة بالوعي العميق على القراءتين السابقتين ، بالإضافة إلى وعيها على أمرين مهمين:
-طبيعة القراءة الجديدة للسنة النبوية المطهرة ، باعتبارها مصدرًا لبناء حضاري جديد ، بكل ما يتطلبه هذا العمل من فهم للعصر العالمي ، وشروط العيش فيه ، والتعامل معه من أجل تغييره لينسجم مع خطاب الشارع الحكيم ، ويحقق مقاصده العليا في الخلق.
-منهج وكيفيات ، ومستويات هذه القراءة على الصعيدين النظري والعملي . فهذان هما العملان الحاسمان اللذان يستحقان العناية الكافية من قبل حركة التغيير الإسلامي . إذ عليها أن تثبت فيهما بشكل منهجي . وعندما يتم هذا التلاحم ، والتفاعل بين العقل الإسلامي ، والسنة النبوية المطهرة في ضوء المعيار التوحيدي، فستظهر للناس القدرة المذهلة للمنهج النبوي في تركيب حضارة جديدة انطلاقًا من تغيير الإنسان ، والثقافة، والمجتمع ، وإعادة ضبط حركة هذه العناصر الأساسية في البناء الحضاري.
فالمنهج النبوي سوف لن يفهم بالشكل المطلوب ، ما لم يقرأ كقوانين اجتماعية ، وسنن تاريخية ، ومسالك أخلاقية ، حكمت حركة التغيير الحضاري الإسلامي الأول الذي أنجز من خلاله الرسول صلي الله عليه و سلم بناءًا حضاريًا شامخًا ، وحقق به عملية (أسلمة حضارية شاملة) للمجتمع الجاهلي ، ومكنه من تحرير مكانه في عالم الحضارات . أعني أن المنهج النبوي نفسه يمثل إطارًا - ساحة تاريخية تطبيقية - خصبًا لدراسة السنن الإلهية الحاكمة للجهد البشري . ولهذا فتطبيق (منهج السير في الأرض) في دراسته ، مجد جدًا ، لأنه سيتم عن طريق منهجيات (النظر) التي تسعى إلى كشف سنن الهداية الربانية ، وقوانين الفطرة الإلهية التي فطر عليها الناس . فالمنهج النبوي ، ساحة للتعامل مع عالم الأسباب ، وعالم سنن العبادة ، والإعمار ، والإنقاذ ، والتعارف ، التي ستوصل الناس إلى تحقيق غاياتهم الدنيوية المتمثلة في (الاستخلاف والمحافظة على الكون)
المنهج النبوي يحدد المأزق العالمي الراهن
إن المنهج النبوي الذي اعتبرناه مدخلا أساسيًا لأي بناء حضاري يقوم على أساس (النظام التوحيدي القرآني) ويساهم في تحديد المفتاح المدخلي للبناء الحضاري الجديد . إذ من المعروف في علم الاجتماع التغييري: أن حل أي مشكلة تواجه المجتمع ، مهما كان نوعها (ثقافية ، أو تاريخية ، أو حضارية) مشروطة بفقه هذه المشكلة في تركيبها الواقعي ، وتشكيلها الاجتماعي ، أي كما هي في حياة الناس ، دون زيادة ولا نقصان ، وهذا التحديد ، لابد أن يخضع كما هو معروف كذلك لمنهج علمي أثبت صحته ، ولخطوات تحليلية منظمة ، تقوم على الملاحظة ، والافتراض ، والتجريب ، والوصول ، أي استخدام المنهج الاستقرائي ، والمنهج الاستنباطي ، بغرض الوصول إلى كشف علل الأشياء ، والأسباب القابعة وراء وجودها ، وفهم قوانين التعامل معها ، وعلاجها . وهذا الأمر يتطلب منا أن نبحث في المنهج النبوي ، كسبيل لكشف سنن الهداية والترشيد . وهذا الأمر لن يتم لنا في الحقيقة إلا باستقراء كلي لنصوص السنة النبوية ، وتحقيق هذه النصوص على صعيد المنهج التاريخي ، أي وفق (منهج السير في الأرض والنظر في سنن الهداية الربانية) كما أمر المولى تبارك وتعالى في كتابه العزيز الحكيم . ولتعذر هذا العمل الضخم في مثل هذه البحوث الفردية ، سوف نحاول تقديم نموذج تحليلي لنص نبوي ، نبين من خلاله الطريقة المقصودة في التحليل ، والتي سنقوم بتطبيقها على الكثير من النصوص النبوية في المستقبل بحول الله وقوته.
قال رسول الله صلي الله عليه و سلم: (يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ) .. قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال: (لا ، بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن ) . قيل: وما الوهن يا رسول الله ؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت؟ ) .
إن هذا الحديث النبوي الشريف ، يعتبر من المداخل الأساسية التي يمكنها أن تعيننا على التحديد الصحيح ، والدقيق لنقطة الانطلاق في التغيير الحضاري الراهن للعالم . فللحديث منطقية منهجية خاصة في تفسير الظاهرة الاجتماعية . فقد تجاوز المراحل التمهيدية ، لما يسمونه البحث العلمي ، ثم تخطى مرحلة التجربة ، وتوصل إلى استخراج القانون ، الذي يحكم الظاهرة الإنسانية . وهذا التوصل ليس ضربًا من التكهن الخرص ، بل وعي مستوعب في عالم الأسباب ، وفهم مستنير للسنن الإلهية ، واستخدام ناجح للمنهج الذي يشكل وعيًا تاريخيًا مستقبليًا ، ينتج عن إدراك عميق للنفوس البشرية ، وللحركة الاجتماعية عمومًا .
عرض عام لموضوعات الحديث النبوي:
هذا الحديث يشتمل على قضايا ، بعضها يتصل بمجتمعنا الإسلامي ، وبعضها الآخر ، متعلق بغيره من المجتمعات . كما يمثل في جوهره قمة سامقة من قمم الوعي التاريخي على سنن الله في الخلق . لنحاول التعرف على بعض جوانبه التي تهم بحثنا هذا:
أولًا: فهو يحدثنا عن أمم متنوعة ، سوف تتكالب على أمتنا - وهذا هو واقعنا اليوم - وهذا التداعي يكون في سياق التدافع الاجتماعي بين النموذج الإسلامي والنماذج الأرضية الأخرى - الغرب واليهود -.
ثانيًا: ويصف لنا طبيعة هذا التداعي على هذه الأمة ، التي تدين بدين (الحق والحقيقة) , ويشبهه كتداعي الأكلة إلى قصعتها ، فهذا يدمر عالم أفكارها ، وذاك ينسف عالم أشخاصها ، وذلك يبدد علام أشيائها .