فهرس الكتاب

الصفحة 1767 من 1942

ثالثًا: ثم يضعنا أمام حوار صادق بين المجتمع الإسلامي الوليد ، الذي كان في أحسن ظروف انسجامه ، وفاعليته الاجتماعية في ذلك الوقت ، وبين النبي عليه الصلاة والسلام كمرجعية توجيهية ، وتبينية للخطاب الإلهي . إذ نجد المجتمع يستفسر عن سبب هذه الفاجعة الحضارية ، التي توشك أن تدرك مجتمعًا ناشئًا . ثم يقدم هذا المجتمع افتراضًا احتماليًا - الصحابة - محاولًا تفسير الظاهرة التي يتحدث عنها رسول الله صلي الله عليه و سلم قائلًا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ وكأنه يريد أن يرجع المسألة بأكملها إلى عالم الكم ، وبالضبط إلى (عالم الأشخاص) . ولكن النبي عليه الصلاة والسلام ، يرد القضية إلى مسارها الحقيقي ، بوعي سنني عميق ، بعيدًا عن عالم الكم قائلًا: (بل أنتم كثير) . ثم يصف هذه الكثرة بوصف ينزع عنها الفاعلية النفسية ، والاجتماعية قائلًا: (ولكنكم غثاء كغثاء السيل) .. وهذه الحالة في الحقيقة ، هي أقصى حالة يعيشها مجتمع إنساني معين . فمليار من البشر لا يستطيعون توفير شروط حياتهم واستمرارهم الحضاري ، ويصبحون لقمة سائغة توجهها مجتمعات سرطانية ، تعشش اليوم في قلبها النابض - السرطان اليهودي - وهذا كله لأنهم غثاء ، ووضعية الغثائية ، من الأمراض النفسية الاجتماعية ، التي إذا حلت بثقافة مجتمع ما ، أهلكتها ، وحولتها إلى مجرد كيان شكلي مهلهل ، كالثقافة الإسلامية في عصور الانحطاط مثلًا.

رابعًا: ثم بعد هذا يقدم الرسول صلي الله عليه و سلم العلة الحقيقية للظاهرة المرضية مرجعًا أياها إلى مصدرين أساسيين هما:

-التحولات الجارية في نفسية الأعداء ، أي المجتمعات ، والثقافات التي تعادي الإسلام قديمًا وحديثًا (الغرب واليهود ) والتي سعت وتسعى إلى إنهاء الوجود الحضاري للإسلام كعامل حاسم ، وأساس في إحداث التوازن الكوني - اجتماعيًا - ، وهذه التحولات جعلت من هذه النفسيات تكتسب مناعة ، وقدرة على مواجهة قوى الأمة ، والعمل للفتك بها (ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم ) .

-التغييرات الجارية في نفسية الأمة ( فردًا ومجتمعًا ) بحيث أصيبت هذه النفسية (بمركب الوهن) الذي أرجعه النبي عليه الصلاة والسلام إلى فاجعة العصور والدهور ، ومعضلة النفوس، والعقول ، وآفة الحضارات ، والثقافات وهي (حب الدنيا وكراهية الموت ) .

فالنبي عليه الصلاة والسلام أعاد العلة الحقيقية في الحالتين إلى عالم النفوس وإن - صح التعبير - إلى عالم الأفكار ، كبديل عن عالم الأشخاص على ما رأى المجتمع الإسلامي . وبالضبط في فكرة الوهن ، التي لها علاقة مباشرة مع أجهزة العمل الصالح في الإنسان: العقل والقلب والجوارح . فالعقول جمد عملها ، والقلوب فتر إيمانها ، والجوارح تعثر عملها . وكما هو معلوم فإن: العلم والإيمان والعمل ، هم الزاد الدائم للحضارة.

خامسًا: ويبدو كذلك بأن الحديث لم يربط تشكل مركب الوهن ، بفترة زمنية معينة ، ولكنه أعادها إلى جهود أجيال (الوهن الثقافي) والتخلف الحضاري ، لتساهم بإرادتها ، وتوجيهها ، في تشكيل هذا المركب داخل نفسية الفرد ، والمجتمع ، وثقافتهما على حد سواء . وبواسطة قوانين (التوارث الاجتماعي) للمركبات المرضية في (الحقل الثقافي) ، نقل المرض بشكل تراكمي إلى أن وصل إلى (بدايات العصر العالمي) الذي نعيشه اليوم ، عباد الثلث الأخير من القرن العشرين ، وهنا دخلت الإنسانية في منعطف من منعطفات صيرورتها فوق الأرض ، فتطلب منها الأمر ، نظرة مستوعبة في مشكلاتها ، وأزماتها .. والحديث النبوي يقدم وعيًا عميقًا على هذه القضية كما أشرنا سابقًا.

إن (الحديث النبوي) الشريف ، سنة من سنن الله في الخلق ، ورؤية صائبة في المأزق العالمي الراهن الذي تشكل من:

-التحول النفسي الذي تم في نفسية صانعي الحضارة الحديثة ، بما في ذلك الجانب العقلي ، والفكري ، والمنهجي ، والعمراني ، والتكنولوجي ، والثقافي والسياسي ، والاجتماعي ، والتربوي.

-التحول النفسي الذي تم في نفسية الإنسان المسلم بما في ذلك جوانب الفعالية الثقافية الثلاثة: العقل ، والقلب ، والجوارح.

المنهج النبوي وتوجيه جهود النهوض

فالحديث يقدم المساعدة الأولية اللازمة لبناء حضارة العصر العالمي ، وذلك بتحديده للمشكلة الإنسانية المعيشة ، ولكن يبدو أن عالم الاجتماع المسلم المشتغل بحقل النهضات - إن وجد أصلًا كعلم جماعي - لم يعر بعد الاهتمام المطلوب للمنهج النبوي باعتباره مركبًا حضاريًا للطاقة الإنسانية ، كما لم يتذوق بعد قيمة هذا الحديث النموذجي الذي نحن بصدد تحليله.

فقد أتاح لنا الحديث فرصة عظيمة ، واختصر لنا زمنًا طويلًا ، قد نقضي فيه كأمة ، ويقضي فيه غيرنا من الحضارة القائمة قرونًا متطاولة بعلومهم الإنسانية ، والاجتماعية ، كيما يصلوا إلى تحقيق النتيجة المذهلة التي توصل إليها الحديث ، منذ أربعة عشرة قرنًا . فقد حدد لنا رسول الإنسانية صلي الله عليه و سلم موقع المرض العضال الذي خلف حضارتنا ، وهو بصدد إسقاط الحضارة الغربية ، وقدم لنا منهجًا قاعديًا لتركيب حضاري جديد ، يؤهل الإنسانية للدخول إلى العصر العالمي ، فهذا الحديث يخدم منهجية عالم التاريخ ، وعالم النفس ، وعالم الاجتماع ، والمفكر المسلم ، لأنه يوفر عنهم تكاليف تأسيس منهجية لدراسة أزمة الأمة الحضارية على حد تعبير المرحوم مالك بن نبي.

إن في الحديث تعبيرًا صادقًا وصحيحًا عن تغيير اجتماعي ونفسي عميق ، أصاب النفسية البشرية عمومًا (الإسلامية وغير الإسلامية) .. فعلى صعيد النفسية الإسلامية ، سارت الأزمة على طريق ( حب الدنيا وكراهية الموت) . وعلى صعيد النفسية غير الإسلامية ، نمت العقلية الاستعمارية التي تسعى هذه الأيام إلى نفي الإسلام من العالم تحت تسميات ، ومسميات متنوعة مثل (السلام .. والحضارة الغربية العالمية .. والأصولية الإسلامية) .

فالحديث يرى بأن المجتمع الإسلامي غثاء ، لأنه فقد الشعور برسالته الاجتماعية ، التي تأسست على (حب الموت وكراهية الدنيا من أجل الدنيا) كما وضح بأن المسلم أصبح من المخلدين للواقع الأرضي الفاني . حيث هبط الكثير من الناس ليعيشوا راضين في فوضى عالم الأشياء . فمعظم مواقف المجتمع الإسلامي أصبحت تدور حول محور (حب الدنيا وكراهية الموت) وذلك هو جوهر (الأزمة الحضارية) التي تمر بها البشرية ، بما فيها مجتمعنا الإسلامي ، الذي أصيب بالوهن (فلقد كان هذا الحديث ضربًا من التنبؤ والاستحضار: استحضار حالة العالم الإسلامي ، بعد أن تتمزق شبكة علاقاته الاجتماعية ، أي عندما لا يعود مجتمعًا ، بل مجرد تجمعات لا هدف لها كغثاء السيل . ولا ريب أن جيلنا الحاضر يدرك الحديث ، أكثر مما يدركه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، لأنه يصف في مضمونه العالم المستعمر ، والعالم القابل للاستعمار ، الأمر الذي تعرضنا فيه لتجربة شخصية) .

من هنا تتضح لنا أهمية هذا المدخل الذي ساعدنا على تشكيل الجملة السابقة من الملاحظات ، وفتح لنا طريق التأمل الأعمق . فهذه الطبيعة الدقيقة للأزمة ، هي المفتاح ، لأي تحول في مجتمعنا الإسلامي الراهن ، وفي مجتمعنا البشري القائم . فكل فلسفة للتغيير الحضاري ، تتجاوز هذا الوعي تعد جهلًا ، وانتحارًا في هذا الميدان الخطير ، وخير دليل على صحة هذا الزعم ، هو كل المشاريع النهضوية ، التي قامت في عالمنا الإسلامي المعاصر ، وكل الأمراض التي رافقت نمو الوجهتين الرأسمالية والشيوعية في العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت