فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 1942

لقد بحث الرازي رحمه الله عن العلم في كل مصادره، واجتهد قدر استطاعته في تحصيل كل ما يقع تحت يده من معلومات، ثم أتبع ذلك بتفكير عميق وتجارب متعددة ودراسة متأنية.. حتى بدأ يعدِّل في النظريات التي يقرؤها.. وأخذ ينقد ويحلل.. ثم وصل إلى الاختراع والإبداع..

لقد انتشر في زمان الرازي رحمه الله الطب اليوناني والفارسي والهندي والمصري نتيجة اجتهاد العلماء في ترجمة كتب تلك الأمم، فقرأها الرازي جميعًا، لكنه لم يكتف بالقراءة بل سلك مسلكًا رائعًا من أرقى مسالك العلم وهو لملاحظة والتجربة والاستنتاج..

لقد كان الطب اليوناني هو أهم طب في تلك الفترة، ولكنه كان يعتمد في الأساس على النظريات غير المجرَّبة.. وكان كل أطباء اليونان يعتمدون هذه الطريقة حتى عرفوا بفلاسفة الطب، فهم لم يُخضعوا نظرياتهم لواقع الحياة إلا قليلًا، ولا يُستثنى من ذلك كل أطباء اليونان حتى العمالقة منهم أمثال جالينوس وأبقراط!! ولكن الرازي رحمه الله قال كلمته المشهورة التي تعتبر الآن قانونًا من قوانين العلم بصفة عامة, والطب بصفة خاصة.. قال: عندما تكون الواقعة التي تواجهنا متعارضة والنظرية السائدة يجب قبول الواقعة، حتى وإن أخذ الجميع بالنظرية تأييدًا لمشاهير العلماء.., فهو يذكر أنه ليس لعالم مشهور أو غير مشهور أن يقرر نظرية تتعارض مع المشاهدة الفعلية والتجربة الحقيقية والواقعة الحادثة، بل تُقَدَّم الملاحظة والتجربة؛ وبذلك يُبْنَى الاستنتاج على ضوء الحقائق لا الافتراضات الجدلية..

ما أروعه حقًا من مبدأ، وما أبدعها من طريقة!!..

ولذلك نجد أن الرازي كثيرًا ما انتقد آراء العلماء السابقين نتيجة تجاربه المتكررة، بل إنه ألَّف كتابًا خصِّيصًا للرد على جالينوس أعظم أطباء اليونان وسمَّى الكتاب الشكوك على جالينوس, وذكر في هذا الكتاب الأخطاء التي وقع فيها جالينوس، والتصويب الذي قام هو به لهذه الأخطاء، وكيف وصل إلى هذه النتائج.

الرازي مؤلفًا

من أعظم مؤلفات الرازي رحمه الله كتاب الحاوي في علم التداوي وهو موسوعة طبية شاملة لكافة المعلومات الطبية المعروفة حتى عصر الرازي، وقد جمع فيه رحمه الله كل الخبرات الإكلينيكية التي عرفها، وكل الحالات المستعصية التي عالجها، وتتجلى في هذا الكتاب مهارة الرازي رحمه الله ودقة ملاحظاته وغزارة علمه وقوة استنتاجه..

وقد ترجم هذا الكتاب إلى أكثر من لغة أوروبية، وطُبع لأول مرة في بريشيا بشمال إيطاليا سنة 891هـ (1486م) وهو أضخم كتاب طُبع بعد اختراع المطبعة مباشرة، وكان مطبوعًا في 25 مجلدًا، وقد أعيدت طباعته مرارًا في البندقية بإيطاليا في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) , ويذكر المؤرخ ماكس مايرهوف أنه في عام 1500 ميلادية كان هناك خمس طبعات لكتاب الحاوي, مع عشرات الطبعات لأجزاء منه..

ومن كتبه أيضًا المنصوري قد سماه بهذا الاسم نسبة إلى المنصور بن إسحاق حاكم خراسان، وقد تناول فيه موضوعات طبية متعددة في الأمراض الباطنية والجراحة والعيون، وقد تعمَّد الرازي الاختصار في هذا الكتاب, فجاء في عشرة أجزاء!! لذلك رغب العلماء الأوروبيون في ترجمته عدة مرات إلى لغات مختلفة منها اللاتينية والإنجليزية والألمانية والعبرية! وقد تم نشره لأول مرة في ميلانو سنة 1481م ، وظل مرجعًا لأطباء أوروبا حتى القرن السابع عشر الميلادي.

ومن أروع كتبه كذلك كتاب الجدري والحصبة وفيه يتبين أن الرازي رحمه الله أول من فرق بين الجدري والحصبة، ودوَّن ملاحظات في غاية الأهمية والدقة للتفرقة بين المرضين، وقد أعيدت طباعة هذا الكتاب في أوروبا أربع مرات بين عامي ( 903: 1283هـ) (1498: 1869م) ..

ومن كتبه أيضًا كتاب الأسرار في الكيمياء والذي بقي مدة طويلة مرجعًا أساسيًّا في الكيمياء في مدارس الشرق والغرب.

ومن كتبه الهامة كذلك كتاب الطب الروحاني الذي ذكر فيه أن غايته من الكتاب هو إصلاح أخلاق النفس.. وحضَّ في كتابه هذا على تكريم العقل، وعلى قمع الهوى, ومخالفة الطباع السيئة, وتدريب النفس على ذلك..

وقد تميز الرازي رحمه الله بالأمانة العلمية التامة في كتاباته؛ فكان لا يذكر أمرًا من الأمور اكتشفه غيره إلا أشار إلى اسم المكتشف الأصلي، ولذلك حفلت كتبه بأسماء جالينوس وأبقراط وأرمانسوس وغيرهم، كما ذكر في كتبه المحدثين من الأطباء أمثال يحيى بن ماسويه وحنين بن إسحاق...

وكان الرازي رحمه الله يحض تلامذته على إتباع نهج الكتابة والتأليف، فكان يقول لهم: إذا جمع الطالب أكبر قدر من الكتب وفهم ما فيها، فإن عليه أن يجعل لنفسه كتابًا يضمنه ما غفلت عنه الكتب التي قرأه.. فهو ينصح كل طلبته أن يسجلوا المعلومات التي يلحظونها في أثناء دراستهم وعلاجهم للمرضى - والتي لم تُذكر في الكتب السابقة - , وبذلك يستفيد اللاحقون بعلمهم وتأليفهم.

الرازي الإنسان

ولم يكن الرازي رحمه الله عالمًا فقط، بل كان إنسانًا خلوقًا من الدرجة الأولى، فقد اشتهر بالكرم والسخاء وكان بارًا بأصدقائه ومعارفه، عطوفًا على الفقراء وبخاصة المرضى، فكان ينفق عليهم من ماله الخاص، ويجري لهم أحيانًا الرواتب الثابتة!!.. وكان يوصي تلامذته أن يكون هدفهم هو إبراء المرضى أكثر من نيل الأجور منهم، ويوصيهم كذلك بأن يكون اهتمامهم بعلاج الفقراء تمامًا كاهتمامهم بعلاج الأمراء والأغنياء.. بل إنه من شدَّة اهتمامه بالفقراء ألف لهم كتابًا خاصًا سماه طب الفقراء، وصف فيه الأمراض المختلفة وأعراضها ثم وصف طرق علاجها عن طريق الأغذية والأعشاب الرخيصة بدلًا من الأدوية مرتفعة الثمن أو التراكيب النادرة..

ومن شدة اهتمامه رحمه الله بالأخلاق الحميدة ألف كتابًا خاصًا بهذا الأمر سماه أخلاق الطبيب يشرح فيه العلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض، وبين الطبيب والطبيب، وضمَّنه كذلك بعض النصائح للمرض في تعاملهم مع الأطباء..

هذا.. وقد اعترف القاصي والداني لأبي بكر الرازي رحمه الله بالفضل والمجد والعظمة والعلم والسبق، ولا نقصد بذلك المسلمين فقط، بل اهتم غير المسلمين أيضًا بإنجازات الرازي وابتكاراته؛ فنجد فضلًا عن ترجمة كتبه إلى اللغات الأوروبية وطبعها أكثر من مرة.. نجد إشارات لطيفة وأحداثًا عظيمة تشير إلى أهمية ذلك العالم الجليل، ومن ذلك أن الملك الفرنسي الشهير لويس الحادي عشر (والذي حكم من عام 1461م إلى 1483 م) قد دفع الذهب الغزير لينسخ له أطباؤه نسخة خاصة من كتاب الحاوي كي يكون مرجعًا لهم إذا أصابه مرض ما، ونجد أن الشاعر الإنجليزي القديم جوفري تشوسر قد ذكر الرازي بالمدح في إحدى قصائده المشهورة في كتابه أقاصيص كونتربري، ولعله من أوجه الفخار أيضًا أنه رغم تطور العلم وتعدد الفنون إلا أن جامعة بريستون الأمريكية ما زالت تطلق اسم الرازي على جناح من أكبر أجنحتها، كما تضع كلية الطب بجامعة باريس نصبًا تذكاريًا للرازي رحمه الله بالإضافة إلى صورته في شارع سان جيرمان بباريس..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت