وهل لهم حرية اختيار هذا الشكل أو ذاك من المجتمع لأنفسهم؟ لا، بكل تأكيد.. إذا فرضت وجود حالة معينة من التطور في (قوى الإنتاج ) كان لديك شكل معين من أشكال التجارة والاستهلاك، يطابقه نظام اجتماعي، وتنظيم للأسرة والطبقات، وبعبارة موجزة، كان لديك مجتمع مدني، يتفق وهذا الشكل... ومن العبث أن نضيف أن الناس غير أحرار في اختيار قواهم (الإنتاجية ) وهي الأساس الذي يقوم عليه (تاريخهم ) كله، لأن كل قوة إنتاجية هي قوة مكتسبة، أي هي ثمرة فعل ونشاط سابق....
إن وسائل الإنتاج هي العامل المؤثر، وإليها -تحديدًا - تعود كافة التغيرات من اجتماعية وسياسية وتشريعية وفكرية. وفيها ينبغي البحث (1) (لا في أدمغة البشر، ولا في تحسن إدراك الإنسان للحق الأزلي وللعدل، بل في(أساليب الإنتاج) والتبادل، يجب أن يبحث عنها في اقتصاديات كل عصر، لا في فلسفته ).
وبقراءة هذا (النص ) يمكن أن يخرج القارئ بما يلي:
أ- إن المجتمع البشري، يرسم وجهته ويشكله النشاط الاقتصادي.
ب- ليس للإنسان حرية اختيار شكل مجتمعه، بل ذلك متروك لقوى الإنتاج، فهي وحدها تستطيع ذلك.
جـ- كافة الأنظمة الاجتماعية، ومنها الدين، ونظام الأسرة، ونظام الطبقات، والنظام المدني والسياسي، كلها لا يختارها الإنسان، وإنما تصوغها (قوى الإنتاج ) .
د- قوى الإنتاج إله جديد جبار!!!
هـ- قوى الإنتاج لا يختارها الإنسان بنفسه، لأنه لا يملك ذلك، إذ هي ثمرة نشاط سابق. لكنه نشاط إنساني، فلم الهرب من ذلك؟
والسؤال: إذا كان الإنسان لا يملك وسائل الإنتاج ولا يختارها، فما دور الإنسان في رسم صورة مجتمعه؟ وما حريته في ذلك؟
يجيب (ماركس ) (1) : (في الإنتاج الاجتماعي، الذي يزاوله الناس، نراهم يقيمون علاقات محدودة، لا غنى عنها، وهي مستقلة عن إراداتهم، وعلاقات الإنتاج هنا تطابق مرحلة محددة من تطور قواهم المادية في الإنتاج، والمجموع الكلي لهذه العلاقات يؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع، وهو الأساس الحقيقي الذي تقوم عليه النظم القانونية والسياسية، والتي تطابقها أشكال محددة من الشعور الاجتماعي. فأسلوب الإنتاج في الحياة المادية، يعين الصفة العامة للعمليات الاجتماعية والسياسية والروحية في الحياة، وليس شعورهم هو الذي يعين وجودهم، بل إن وجودهم هو الذي يعين شعورهم.. ) .
ألا تشبه هذه العلاقات (الجدلية ) علاقة البيضة والدجاجة، وأيهما الأصل، وأيهما الفرع؟ إذا كانت (وسائل الإنتاج ) هي التي تصوغ نظم المجتمع كافة ومنها (الدين ) ، فكيف نفسر وجود أكثر من دين في كل بلد، بل داخل الأسرة الواحدة؟
في الهند وحدها يوجد أكثر من ثلاثمائة دين، وإله الخير في الشمال، هو إله الشر في الجنوب -كما تقول إحصائية لهيئة الأمم- ووسائل الإنتاج واحدة؟
أليس من الأنسب أن نقول بأن العامل الاقتصادي مهم جدًا في التحضر، دون أن نجعل منه إلهًا، يملي على البشر ما يريد، في جبرية مطلقة لا مثيل لها؟
رابعًا: العوامل الاجتماعية غير الاقتصادية:
إذا جرى التركيز على العامل الاقتصادي -كما فعلت الماركسية- فهناك من يرى أن العوامل الاجتماعية -غير الاقتصادية- هي الأجدر بالعناية في فهم التاريخ ومعرفة خط سير التحضر.. وهؤلاء اختلفوا، فمنهم من جعل النزعة الإنسانية في إثبات الذات والسيطرة هي الأصل، معتبرًا (تنازع البقاء ) هو المحرك للتاريخ، والصانع لأحداثه، مرتكزًا إلى آراء (دارون ) بهذا الخصوص.
ثم قام فريق ليعكس الأمر، وليركز على توجه البشر للتعاون، خصوصًا وأن المواصلات والاتصالات، تجاوزت البعد المكاني، بينما كان العالم قديمًا يبدو كجزر في محيط كبير، يحيط بها الماء من كل مكان، ويفصلها عن غيرها.
ويجادل بعضهم قائلًا: حين مات نابليون في منفاه، لم تعلم فرنسا بموته إلا بعد ستة أشهر، واليوم لا يقع حدث في مكان حتى نسمع به ونرى صورته في ساعات. ويمكن أن يضاف أن (العولمة ) في بعدها، ستكسر الحدود، وتجعل العالم قرية واحدة، يؤثر فيه ويتأثر كل من فيه.
خامسًا: عامل العقيدة:
إذا أمكن إقناع إنسان بعقيدة ما، فإنه سينزل عند متطلباتها، دون معارضة قوية، من هنا يعتبر (البعض ) عامل العقيدة مهمًا وفاعلًا في التحضر، لأن الإنسان يتأثر تأثيرًا كبيرًا بدينه ومعتقده.
وحين فاخر أهل قريش بخدماتهم للحجاج، رد الله عليهم ذلك بأنه أمر لا يمكن مقارنته بصحة وسلامة الاعتقاد، فقال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين، الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم } (التوبة:19-20) .
فتغير عقيدة الإنسان يعقبه تغير تام في نظرته للحياة وسلوكه كذلك، من هنا لا يجادل أحد في عامل العقيدة، وأمتنا العربية خير دليل، فقد انتقلت من الانقسام إلى الوحدة، ومن حرب (داحس والغبراء ) إلى مصارعة أكبر إمبراطوريتين (الفارسية والبيزنطية ) ، ولو بقيت على إيمانها بالأصنام لعاشت خارج التاريخ، كما تعيش أمم كثيرة.
وفي هذا الميدان وجدت الناقد البريطاني (كولن ولسن ) يقول (1) : إن الإنسان ليس كاملًا بدون دين، فإذا أريد للحياة أن تتقدم خطوات أسمى من (القرد) ، ومن الإنسان العادي، وحتى من الفنان، فلن يكون ذلك إلا عن طريق تطوير قوة الفهم، وهذا الشوق لتركيز أعظم من الخيال يتمثل في (الشهية الدينية) . إن الدين مقياس البطولة، ورمز حاجة الإنسان في الكفاح من أجل الفهم، وفشل الدين والحروب العالمية أمران متلازمان. ثم يصف (الدين) بأنه العمود الفقري للحضارة، معتبرًا الحضارة السليمة، ما كانت تؤمن بالدين.
العقيدة أو الدين هو ما يميز الإنسان عن الحيوان، وكافة الحضارات والإمبراطوريات كان لها دين تعتز به، وتستمد التشريع منه، وتاريخ الإنسان خير دليل. ولم يكن (الإلحاد ) معتقدًا رسميًا، إلا في العصر الحاضر.
الفيلسوف البريطاني (برناردشو ) يذهب بعيدًا، فيقول (1) : (كنت أعرف دائمًا أن(الحضارة) تحتاج إلى دين، كما أن حياتها أو موتها يتوقفان على ذلك ).
ثم يزيد قائلًا (2) : ( إن الحضارة تسقط في اللحظة التي تكون قوة الإنسان أشد وأكبر من قوة الدين ) .
قيمة العقيدة أنها منظم وضابط لسلوك الإنسان، فإذا (انفلت ) الإنسان، بحيث لم يعد يضبطه دين ولا عقيدة، فسوف يفعل ما يحلو له، ومن هنا قد يتحول إلى عنصر هدم وفساد.. فالانضباط الديني، يشكل صمام أمان، لا تفرط فيه أمة عاقلة.
لكن من الحق أن نقول: إن العقائد لا تعمل بنفسها، ولو عملت بنفسها، لوجدنا أتباع المعتقد الواحد على حالة واحدة، وحضارة متقاربة، وهذا ما لا نجده، فالإنكليز والألمان والأمريكان، نصارى بروتستانت، وكثير من الأفارقة، وكذلك نصارى الهند وسيرلانكا مثلًا، فهل جعلت العقيدة الواحدة جماهيرها في مستوى واحد؟
ويهود الفلاشا ويهود اليمن وأمريكا، هل جعلت العقيدة الواحدة منهم جميعًا على مستوى حضاري واحد؟
إن العقيدة تعمل من خلال الإنسان وثقافته، وهو قد يجعل منها قوة دافعة محركة، أو باردة لا حياة فيها، وذلك بحسب وعيه وموقعه الحضاري، وثقافته، وحسن إدراكه.
مرة أخرى، العقيدة عامل مهم كبير، متى كان صاحبها فاعلًا واعيًا، وهي ذات أثر ضعيف جدًا حين تكون خاملة، أو يكون صاحبها متخلفًا.
لكنها يمكن عدها من أقوى العوامل المؤثرة، إذا أحسن تحريك الإنسان من خلالها.
ويمكن أن أشير إلى ثلاث مراحل متميزة، في حياة أمتنا:
أ- حالها قبل انتشار الإسلام.