فهرس الكتاب

الصفحة 1852 من 1942

ب- حالها في القرون الأولى لانتشار الإسلام، وصدق الالتزام به.

جـ- حالها بعد التكاسل في الالتزام بالإسلام.

سادسًا: عامل المعرفة:

لا يجادل أحد في قيمة العلم والمعرفة في تحضر الأمة، وخروجها من دائرة التخلف والسقوط.

من هنا وجدنا من يعد هذا العامل كمحرك وموجه للحضارة -وقد تقدم- أن عمارة الأرض تقوم أساسًا على العلم والمعرفة، بل على آخر ما توصلت إليه العلوم والمعارف، ولكن (العلم والمعرفة ) هما دومًا من نصيب القلة في الشعوب، أما الجمهور فاكتسابه للعلم والمعرفة ومثلها الفلسفة، يقل كثيرًا .

وهذه الهند والصين، وعدد شعوبها يصل إلى مليارين، أين نجد نصيب ذلك في شعبيهما؟ لا شك إنه في النخب القليلة جدًا، هذه واحدة.

وأما الثانية، فقد وجدنا معرفة (نظرية ) ، لم تعرف طريقها للحياة، فالمسلمون عرفوا الدورة الدموية، ومثلها كروية الأرض وحركتها، وابن خلدون كشف الكثير من قواعد علم (العمران ) ، لكن لم يستفد أحد من ذلك.. ورجال الفلسفة وعلم الكلام كانوا يناقشون: هل تنقسم المادة إلى ما له نهاية، أم إلى ما لا نهاية له؟ ثم وقفوا عند ذلك ولم يتعدوه. قد يقول إنسان: هذا ما تسمح به ثقافة ذلك الزمان، لكني أجيب أن المسلمين زمن (المأمون) مثلًا درسوا الفلك، كما درسوا محيط الأرض وحركتها، والغلاف الجوي وارتفاعه، ووصلوا إلى نتائج محترمة، لكنهم في ميادين أخرى بقوا يدورون في دائرة الفكر النظري ولم يتجاوزوه .

وحين وصل الناس إلى أمريكا، رفض اليهود ذلك كليًا، بحجة أن المعارف عندهم ترفض وجود قارة جديدة. كما رفضت الكنيسة الكاثوليكية وجود الجراثيم، وغيرها كثير.

إن العلوم والمعارف كانت دائمًا من نصيب نخبة قليلة، لكنها اليوم تتسع دائرتها يومًا بعد يوم، ولن يجادل أحد في قيمة هذا العامل في التحضر، والخروج من دائرة التخلف.

سابعًا: من يصنع التحضر.. الفرد أم المجتمع؟

لا خلاف أن التحضر صناعة إنسانية، والسؤال من يصنع ذلك، الفرد المبدع أم المجتمع؟

قضية قديمة، فهناك من يعتقد أن الفرد المبدع، ومنهم القادة العظام هم الذين يصوغون التحضر، ويصنعون التاريخ، ويتركون بصماتهم عليه، وهناك من يرى أن المجتمع هو من يصنع ذلك كله، ولولاه لما عرفت البشرية طريقها للتحضر.

الغرب يؤمن بالفرد وجهوده، لذا نراه يترجم لهؤلاء الكبار، كما يوصي بأن التحضر كان أولًا وأخيرًا من صنع عبقريتهم، وقوة إبداعهم، ولولاهم لما عرفت البشرية التحضر، ولبقيت حيث هي.

وهذا (أنشتاين) يقول بوضوح (1) : (إن جميع الخيرات المادية والعقلية والأخلاقية -على مر العصور- كان مصدرها الأفراد الخلاقون... ) .. وربما كان (توماس كاريل ) الأكثر حماسًا، فهو يكرر دون ملل دور الأبطال، وعبادة البطولة (2) .

وهناك من يذهب في الاتجاه المعاكس، فيرى الفاعلية للجماهير، فهي صاحبة الأثر الأعظم في التحضر، وكذلك في التغيير.

فالماركسية مثلًا، تنكر أي دور للفرد، وقد نقل عن (ماركس) أغرب تعريف للفرد إذ يقول (3) : (الفرد مجموع علاقاته الاجتماعية ) ، ويشرح ذلك فيقول (4) : (ونضيف إلى هذا أن الفرد -تاريخيًا- لا يعني نفسه أبدًا إلا في إطار حضارة، أي في قلب جماعة ) .

من هذه المنطلقات رأينا الغرب يؤله الفرد، ويعتبره الكل في الكل، بينما تعتبر الماركسية المجتمع هو كل شيء، ولا قيمة للفرد، إلا باعتباره ذرة صغيرة في مجتمع كبير.

وفي الإسلام موازنة بين الفرد والمجتمع، فلا يؤله الفرد، ولا يذوب ويختفي في المجتمع، فالفرد كائن مستقل، إلا أنه يعيش ويموت في المجتمع. وقد تحدث القرآن عن فرعون القائد، وهامان الوزير وجنودهم: {إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين } (القصص:28) .

فلم ينسب ما حصل للقيادة وحدها، أو للجنود وحدهم، بل جمع الكل.

وقد درس المؤرخ البريطاني المسألة، فرفض التوجهين معًا فقال (1) : إن المجتمع هو علاقة بين أفراده، وهذه العلاقة تقوم على اتفاق مجالات أعمالهم، اتفاقًا يجمعها على صعيد مشترك، هو ما نسميه بالمجتمع .

ويمثل لنظريته هذه بالفلاح، يبذر البذر في الحقل، فإذا نبت، تكون لكل بذرة جذور وساق وأوراق، وهي تأخذ نصيبها من الغذاء والهواء (مثل الفرد ) ، وهذا الحقل زرع من قبل فلاح، بهدف الحصول على حصاد متجانس (وهذا مثل المجتمع ) . وهو مثال جيد، فكل نبتة في الحقل تمثل فردًا، وكل مافي الحقل يمثل المجتمع.

قضية أخيرة: البطل لا يعمل لوحده، وكذلك المبدع، وخير مثال لذلك (الجيش ) ، فهو قيادة وجنود، فالقائد يطبق خططه في جنوده، والجنود لا يستغنون عن قيادتهم، وكسب أي معركة يتطلب قيادة واعية مبدعة، وجنودًا مطيعين، يطبقون بدقة خطط قيادتهم، وهكذا يكون العمل، ما لم يكن فرديًا في التخطيط والتفنيذ.

ثامنًا: الحضارة والكائن العضوي (1) :

هناك من يعتقد بأن الحضارة والمجتمعات الإنسانية كيانات (عضوية ) ، ومن هذا المنطلق يرون أن التبدل والتغير، نشوءًا واكتمالًا وزوالًا، تحكمه عوامل حتمية، كتلك التي تفعل في الكائنات العضوية. ويضربون مثلًا بالإنسان فهو يولد طفلًا، ثم يصير صبيًا فشابًا فرجلًا، ثم يشيخ ويهرم ويموت، والحضارة كذلك.

ولعل (أوزولد اشبنجلر ) أشهر المؤمنين بذلك، لكنه أحيانًا يعدل عن هذا التصور، فيشبه الحضارة بفصول السنة، ويرى ذلك من (الحتميات ) التي لا تشذ عنها حضارة، فهو يقول (2) : (إن لكل حضارة ربيعها المتسم بالفاعلية الروحية، يعقب ذلك صيف تنضج فيه، ثم خريف حيث يسودها التحليل العقلي، وشتاء تكون فيه قد استنفذت جميع إمكاناتها الداخلية، فتتحول إلى الاحتمالات المادية، والفتوحات الخارجية، وعندها تكون قد شارفت على الانحلال والانهيار ) .

الحتمية واضحة جدًا، ولكن الحضارة -في أصلها- ليست كذلك، فهي خليط من ماديات وأفكار وعقائد وآداب وفنون، ومنشآت مادية، كل هذا الكم يجتمع في زمان ومكان، مكونًا حضارة معينة.

وهذا لا يشبه الإنسان أو الكائن العضوي المتماسك المترابط، والذي ما أن تؤثر على جزء فيه حتى يتأثر الباقي.

الحضارة قد تقع في أخطاء قاتلة، فتنجح في تجاوزها ومعالجتها، فتجدد حياتها وديمومتها، لكن الإنسان يعجز عن تجديد شبابه.

وبالجملة، فإن تصور الحضارة وكأنها كائن عضوي، أمر يصعب قبوله، وإن كان بعض مكوناتها يتأثر ببعض، فالعقيدة يمكن أن تؤثر تأثيرًا كبيرًا في الآداب، لكن تأثيرها على الصناعة مثلًا، سيكون أقل.

بهذا الخصوص يمكن أن أذكر أن العرب حين باشروا الترجمة عن معارف اليونان، اختاروا الفلسفة والمنطق، لكنهم لم يترجموا الآداب اليونانية -مع جمالها- لأنها كانت وثنية، تعتقد بتعدد الآلهة، وهذا زهّد المسلمين بها، وجعلهم يتحاشون ترجمتها.

تاسعًا: الاجتياحات العسكرية:

الدول والنظم تسقطها وتقلبها الاجتياحات العسكرية، فهل تسقط الحضارة باجتياح عسكري، مثل حملات التتار، والمغول، والحملات الصليبية؟ ماذا كان سيحدث لو فتح العثمانيون أوروبا كلها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت