ماذا سيكون تاريخ العرب والمنطقة، لو أن ثوار (الردة ) أسقطوا النظام الإسلامي، فلم تقم للإسلام دولة؟ للدكتور (أنور عبد الملك ) المصري الجنسية وأستاذ جامعي في اليابان، فكرة ملخصها (1) : أن أوروبا صعدت وتقدمت، بينما اضمحلت المراكز الكبرى في المشرق، منذ القرن الخامس عشر، وحصل ذلك بسبب الغزو الأوروبي للشرق، ابتداء من الحروب الصليبية، وانتهاء بالاستعمار الغربي، وزرع إسرائيل كإسفين في قلب البلاد العربية. فأوروبا بغزوها الاستعماري حطمت مراكز القوة في المشرق، واستنزفتها اقتصاديًا، وكذلك اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا، ولم تترك للمشرق حرية التحرك والنهوض.
لكن المؤرخ (توينبي ) يرفض ذلك، ويرى أن العجز عن صد الاعتداءات الخارجية، على كيان حضارة، ليس هو السبب في السقوط، ولكن ثمة انهيار سابق قد حصل في قلب الحضارة نفسها.. واستشهد لذلك بسقوط الإمبراطورية الرومانية.
فإذا انتقلنا فكريًا إلى العباسيين، قبل وصول التتار إليهم، سلمنا لنظرية توينبي، فحال العباسيين -دولة وحضارة-كانت في النزع الأخير، وكشف هجوم التتار ذلك فقط. ولما وصل هذا الزحف إلى مصر، صد الهجوم وانتهى الأمر.
والذي يظهر: كما أن الدولة تشيخ، وتستوفي مبررات وجودها، فلا يبقى لديها ما تعطيه، فكذلك الحضارة تشيخ، بعد أن تعطي كل ما لديها، فلا يبقى لديها ما تعطيه، وإذن فلا بد من إفساح الطريق لحضارة قادمة، أكثر قوة وشبابية، تبني على الموجود ، وتزيد في البناء، وتجدد في نظم الحياة. وحين تسير القافلة طويلًا، فكل من يتعب أو يمرض، يتحول -دون جدل- من أول القافلة إلى ذيلها ونهايتها، ومن قيادتها إلى مجرد تابع.. هذا هو القانون.
عاشرًا: فساد شبكة العلاقات:
المفكر الإسلامي (مالك بن نبي ) يرحمه الله، يطرح فكرة ملخصها: أن الحضارة تبقى وتعيش وتستمر ما دامت شبكة العلاقات الاجتماعية سليمة قوية، فإذا فسدت تدهورت الحضارة وسقطت.. يكرر هذه النظرية في جل كتبه.
ففي (ميلاد مجتمع ) كتب قائلًا (1) : .. عندما يرتخي التوتر في خيوط (شبكة العلاقات) ، فتصبح عاجزة عن القيام بالنشاط المشترك، وبصورة فعالة، فذلك أمارة على أن المجتمع (مريض) وأنه ماضٍ إلى نهايته .
أما إذا تفككت الشبكة نهائيًا، فذلك إيذان بهلاك المجتمع، وحينئذ لا يبقى منه غير ذكرى، مدفونة في كتب التاريخ.
وقد تحين هذه النهاية، والمجتمع متخم بالأشخاص والأفكار والأشياء، كما كان المجتمع الإسلامي في المشرق، في نهاية العصر العباسي، وفي المغرب، في نهاية عصر الموحدين.
وربما كانت هذه الحالة -من التحلل والتمزق في المجتمع الإسلامي- حين أصبح عاجزًا عن أي نشاط مشترك، هي التي أشار إليها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) : (يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يارسول الله؟ قال: لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يارسول الله؟ قال: حب الدنيا، وكراهية الموت ) .
ومالك يرحمه الله يولي هذه القضية عناية كبيرة، شرحًا وتفصيلًا، فيقول (2) : (... فقبل أن يتحلل المجتمع تحللًا كليًا، فإن المرض يحتل جسده الاجتماعي، في هيئة انفصالات في شبكته الاجتماعية، للأسباب التي ذكرناها، كمًا وكيفًا، وهذه الحالة المرضية قد تستمر قليلًا أو كثيرًا قبل أن تبلغ نهايتها، في صورة انحلال تام، وتلك هي مرحلة التحلل البطيء الذي يسري في الجسد الاجتماعي. بيد أن جميع أسباب هذا التحلل كامنة في شبكة العلاقات... ) .
وللمؤرخ توينبي فكرة عن انحلال الحضارة، فبعد رفضه الاجتياح العسكري، يرى (1) أن انحلال الحضارة يزامنه فساد كبير، يدب في أرواح الناس، وتغير جذري يطرأ على سلوكهم ومشاعرهم وحياتهم كلها، فيحل مكان الصفات الجيدة، والقوى المبدعة، التي كانوا يتحلون بها، في دور النمو لحضارتهم، يحل مكانها (ثنائية ) من النزعات والمواقف العقيمة المتناقضة، وهنا ينكشف ويتعرى الفساد الروحي، كاشفًا عن فوضوية، تعم الأخلاق والعادات، وانحطاط يشمل الآداب والفنون، ثم قد تسعى (الأقلية المسيطرة ) إلى فرض فلسفة خاصة، أو دين جديد، مستعملة في ذلك القوة، ولكن دون جدوى ولا فائدة...
تصور جيد، ومن يطبق هذه النظرية على الحضارة الإسلامية في الأندلس، أو العباسية في المشرق، وحتى العثمانية، فسيجد الكثير من الشواهد على صحة هذه النظرية.
الحادي عشر: عامل الثقافة والفكر:
ثقافة كل أمة هو رأسمالها الكبير، من هنا لا نجد أمة دون ثقافة وفكر، لكن قد نجدها بدون حضارة، وفي عالمنا المعاصر، نجد ملايين من البشر في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، لهم ثقافتهم وفكرهم، لكنهم يعيشون خارج (فضاء ) الحضارة، وإن استعملوا واستهلكوا بعض منتجاتها (1) .
1-أعتبر ما تقدم مسلمة، لا تحتاج لجدل كبير، كما أعتبرها القضية الأولى.
2-الثقافة تصنع الولاء أولًا، وتمنحه طواعية، دون إكراه.
3-الثقافة تموت أو تذبل، ومثلها الفكر، إذا حصل انفصال بين الوعي والواقع.
4-هناك قوانين في الحياة، يصعب تجاوزها أو تجاهلها، فالاستبداد في الحكم يفضي عادة إلى تخلف العقل، والتخلف يؤدي إلى تخلف التربية، وتخلف التربية يقود إلى نقد التراث الديني، وهكذا يحصل دوران في حلقة مفرغة، إذ يجري التنقل من المشاكل الثقافية إلى السياسية إلى التاريخية، دون حسم مشكلة من هذه المشاكل.
5-العالم -قديمه وحديثه- يشهد صراعات ثقافية، وغير ثقافية، فإذا وُجِد تدفق ثقافي أو (قصف إعلامي) ، وعلى أكثر من جبهة، وعجزت الثقافة المحلية عن المقاومة والاستيعاب، فهنا احتمالان:
أ- أن تتفكك الثقافة الأضعف.
ب- أن تعدل من آلياتها، وتكيف نفسها.
6-كل ثقافة وفكر لا بد له من (مرجعية ) ، فالعقل البشري يصعب عليه العمل دون مرجعية، تمنحه أسسًا كي يستند إليها، وإلا حصل انقسام، وتحولت الأمة إلى أمم.
7-هل يمكن حل كافة الثقافات، ودمجها في ثقافة واحدة؟
إن التاريخ لم يسجل أن أمة تخلت عن ثقافتها كليًا، واندمجت في ثقافة غيرها، إلا إذا غيرت دينها وكافة معتقداتها، وغيرت لغتها.
8-مهمة الإنسان المثقف العمل لحل مشاكل أمته، فإن تحول إلى مجرد (سمسار ) لثقافة أخرى، فهو يخون بلده وأمته، كما يخون أمانة العلم والثقافة.
إن بعض مثقفي العالم الثالث، اتخذ من العلم والثقافة سلمًا لتحسين وضعه، والحيازة على أكبر قدر من المغانم، متحالفًا مع السلطة، مانحًا ظهره لشعبه وأمته.
9-سلوك الإنسان يجري منبثقًا عن فكر وثقافة، والأمة تقيم حضارة كثمرة لعقيدة وثقافة، وكلما كانت العقيدة والثقافة حية، كان التحضر أسرع وأنجز، فإذا تحول الفكر إلى مجرد أحلام، وصارت الثقافة مجرد عرف أو صف كلام، فإن العد التنازلي للحضارة يبدأ ويستمر، حتى تسقط الحضارة، أو تتحول إلى جسد لا روح فيه.
10-يقول (فرانك أنلو ) (1) (راقب أفكارك فإنها تتحول إلى كلمات.. راقب كلماتك فإنها تصبح أفعالًا.. راقب أفعالك فإنها تتحول إلى عادات.. راقب عاداتك فإنها تصبح طباعًا.. راقب طباعك فإنها ظلال مصيرك ) .
إذا كان هذا يصدق على الفرد، فهو يصدق على الأمة، فالتاريخ لم يسجل نهضة ولا تحضرًا جاء صدفة، دون تخطيط وتصميم، وعمل جاد، يشارك فيه الحاكم والمحكوم على حد سواء.