ففي هذه اللحظة التاريخية التي يتصاعد فيها صدى التحولات العالمية حتى يصم الآذان، ويعلو فيها صوت المآذن حتى ينتظم الآفاق, تنبعث من تحت الركام التاريخي الطويل أمة الإسلام, عارية الصدر إلا من جلال الحق في وجه قوى الظلام المدججة بأعتى الأسلحة الفتاكة للأجسام والعقول.. معركة تبدو للوهلة الأولى محسومة. تكون الغلبة فيها لمنطق القوة لا لقوة المنطق.. في هذه اللحظة نؤمن أن قدر الله غالب.. وأن دعوة الحق منتصرة.. فكما نهضت الأمة من سباتها ورفعت رأسها عاليًا رغم كيد الخصوم وجهل الأحباب، فهي لا شك قادرة على تحصيل أسباب القوة والمنعة ولو بعد حين.. وحين تحرس القوة الحق. فلا يقف شيء أمامه..فإن الحق يأسر القلوب والعقول، والقوة تردع الطامعين والباغين. تلك هي الآمال، نقولها ونربطها بمشيئة الله عز وجل، واثقين من تأييده إن بذلنا وسعنا.
لماذا الفهم؟؟
إن موضوع النهضة، ومحاولة الكتابة عنه ضرورة لابد منها؛ لأنها متعلقة بأمرين مهمين وهما:
الأول: موضوع الفهم، فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد قدم البخاري بابًا أسماه"بابُ العلم قبل القول والعمل"وذلك لأن العمل بلا علم أمر فيه خلل كبير، فصواب العمل مقترن بالعلم الذي قاد إليه.
الأمر الثاني: والمرتبط بالموضوع الأول، هو ضرورة تنظيم الخارطة المعرفية الذهنية للعاملين في حقل النهضة. فكثير من المعارف والمعلومات التي يتلقاها الفرد الذي يهتم بشأن أمته تأتي من أطراف مختلفة، وفي غالب الأحيان تأتي أفكارًا متناقضة، ولا توجد خارطة معرفية منظمة مسبقة، بحيث يضع فيها الفرد العامل ما يتلقاه من معارف ومعلومات في مكانها الصحيح.
هذان الأمران؛ الفهم وتنظيم الخارطة المعرفية للعاملين في حقل الدعوة والمهتمين بأمر الأمة؛ يأتيان في قائمة الأولويات، ولعل الكثير من المخلصين اليوم يرون بوضوح حجم الاضطراب الذي يسود الساحة الإسلامية في قاعدتها الفكرية الواسعة، ما أدى إلى خلل على الجانب التنفيذي.
الخارطة الذهنية
وفكرة الخارطة الذهنية المنظمة يمكن تقريبها للقاريء بفكرة الحاسوب (الكمبيوتر) ، أو فكرة الهاتف النقال، فتخيل معي أخي الكريم؛ لو أنك كنت ممن يستخدم الهاتف النقال دون أن يكون به قاعدة منظمة للبيانات، وقمت بإدخال الأسماء والأرقام، ثم أردت استعادة الأرقام وهذه الأسماء والتوفيق بينها، إنه سيتأكد لك أن هذا الأمر محال، فالأمر الذي يجعل الجهاز فعالًا ومنتجًا في مخرجاته؛ هو تنظيم قاعدة البيانات الداخلية التي تستقبل المعلومات من الخارج، وبالتالي تقوم بعمليات التحويل، وإخراجها لك مرة أخرى لتستفيد منها.
قس ذلك على عقل الإنسان فحينما تنظم القاعدة المعرفية في أي علم من العلوم أو معرفة من المعارف، يمكن منها أن تتحول الجزيئات إلى معنىً واضح، يسهل استخراجه والاستفادة منه.
مواقف الناس من قضية الفهم:
الصنف الأول: صنف محب، شديد العاطفة ولكنه لا يريد أن يتعب ذهنه بعلم ولا بفهم. ورغم صواب نية هؤلاء العاملين إلا أن خطرهم كبير أثناء مراحل السير، فهم عرضة للشبهات، والشبهات دواؤها العلم، وعند اشتداد الكروب قد يصبح هؤلاء عبئًا على الدعوة وحركة النهضة، حيث قد يركبون تيارا ًيقود إلى عكس اتجاه النهضة، ويؤدي إلى تدمير جهود العاملين فيها، وقديمًا قيل"الرأي قبل شجاعة الشجعان". فإعمال النظر والفكر وحسن التصور مقدمة ضرورية لحسن العمل، ولذلك اشترط في العمل لكي يكون صوابًا أن تتوفر له النية الصالحة. والنية الصالحة وحدها ليست كافية، بل لابد للعمل كي يكون صوابًا أن يكون عن علمٍ وعن نظرٍ وعن تصورٍ صحيح.
الصنف الثاني: وهو صنف يمكن أن نقول عنه أنه قارئ بدرجة من الدرجات، ولكنه أيضًا غير راغب في البحث والتحقيق، وهذا الصنف من الناس كثير النقد، قليل العمل وينظر إلى كل أمر بمنظار أسود. وهؤلاء أيضًا يشكلون عائقًا وعبئًا على عملية النهوض والاستنهاض.
الصنف الثالث: هو صنف عامل ناقد باحث عن التطوير باستمرار، يستند إلى جهد ثري في محاولة البحث والنظر، مع عدم إهمال العمل وبذل الجهد، وعدم الاكتفاء بالمقاعد العادية البعيدة عن
ساحة الفعل، وهذا صنف مبارك تقوم عليه الدعوات وتتحقق به النهضات.
الصنف الرابع: فهو أيضًا صنف مبارك جهده منصب على البحث والنظر والتحليل والتفصيل، ولكن قد يشوب عمله البعد عن الواقع والاكتفاء بمستوى النظرية عن ملامسة الواقع وفهمه.
والشارع سبحانه وتعالى قد أمرنا بالتبيّن فقال"فتبينوا"1، وأمرنا بطلب البرهان"قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"2. وقد قرر العلماء أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والداعية في سيره في مشروع النهضة إنما هو يصدر الأحكام على الأشياء ويتخذ قرارات في أثناء السير، فإن لم يكن التصور واضحًا خرجت الأحكام أيضا منقوصة وقاصرة.
نحن أمام حاجة كبيرة جدًا للعلم، حتى نستطيع أن نقوم بالعمل على وجهه الأكمل. وتجدر الملاحظة هنا أن العلم والعمل يسيران متوازيين مع بعضهم البعض، فالعمل يطرح أسئلة على العقل، تلجئ الإنسان لمزيد من البحث والنظر والعلم، والعلم يولد أفكارًا ومبادرات، والمبادرات حين تتنزل على الواقع تشذب وتطرح أسئلة جديدة، وهكذا تتولد الحياة في الأفكار ويزداد الإنسان علمًا ويرتقي.
وبالتالي يلزم للإنسان المسلم الجانبان: الجانب العلمي والجانب والعملي، وإذا انفصل أحدهما عن الآخر فإما أن يعمل الإنسان ويكون عمله عكس ما يتمنى ويشتهي لنقص علمه، أو يعلم الإنسان الكثير ولكنه أيضًا لا يمارس ما يعلمه في الواقع فتكون المحصلة أيضًا صفرية.
خطة البحث:
إن الإعداد لمثل هذا البحث - والذي هو ضمن سلسلة تتحدث عن قضية النهضة وأدواتها - قد استغرق ما يزيد على العشر سنوات. وتم تدريس مفردات هذه السلسلة في أقطار كثيرة. وهذه هي المحاولة الأولى لتجميع ما كان متناثرًا، بين مخطوطات يدوية، وتسجيلات صوتية، ودورات تدريبية. وصياغته في سياق واحد. لذلك فقد لا يأخذ الكتاب الشكل المعتاد عليه في مثل هذا النوع من الكتب.
وتتناول السلسلة بوجه عام:
* فلسفة النهضة ووضع إطا ر يكمن فهمها من خلاله.
* قوانين النهضة، والتي تحكم حركات التحولات الاجتماعية.
* مشروع النهضة وأهدافه ووسائله ومراحله.
ويتناول هذا الكتاب الفلسفة الكبرى للنهضة. ويعتني بتحديد المستلزمات الأساسية للانتقال من طور الارتجال والاندفاع وضبابية الرؤية إلى الرشد ووضح الرؤية. ويتم كل ذلك من خلال:
* شرح بعض المصطلحات التي ينبغي الإحاطة بها لأي عامل للنهضة لتنظيم خارطته الذهنية وتحديد طبيعة المرحلة التي تمر بها أمتنا في طريقها نحو النهوض.
* وضع حركة النهضة في سياقها التاريخي.
* تحديد إطار لفهم مراحل التحول الحضاري، ومن ثم تحديد إطار لفهم المرحلة الحالية.
* تحديد نموذج وطريقة تفكير القائد المطلوب.
* تحديد احتياجات صانع القرار العامل للنهضة.
* توضيح أهمية دراسة التاريخ للقائد.
* تحديد صورة الإسلام الذي يجب استدعاؤها وتَمَثُّل العاملين للنهضة بها.
* تحديد التحديات التي يواجهها المشروع.
* الإجابة على السؤال الهام: من أين يبدأ الإصلاح؟
* توضيح دور ثقافة الأرقام ولغة الإحصاء في مشروع النهضة.
* هدم جدران الإحباط بمعاول الأمل.