فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 1942

كلما كررنا النظر إلى ما في أنفسنا وما في الكون المحيط بنا من تكوين ونظام أيقنا أكثر فأكثر بأننا عباد خُلِقنا ولم نكن شيئا مذكورا، ثم أودعت نطفنا أرحاما لم نكن قد عرفناها أو هيأناها من قبل، وفي ظلماتها رُزِقنا وأنشئنا ثم أُخرجنا إلى الدنيا في وقت لم نحدده وبكيفية لم نعينها وعشنا في ظروف لم نعرفها ولم ننشئها وأوتينا الرشد بقدر غير مقدر من قبلنا والآن نأكل من رزق لا نملكه ونمشي على أرض لم نعمرها.

هذا بالنسبة إلى ما يحيط بنا، أما بالنسبة إلى العالم الذي نحيط به، أي عالم الإنسان فإن آلاف النظم وملايين الأجزاء وبلايين الخلايا تحيط بها أجسامنا قد أُنشئت ونمت على غير إرادة منا ولا حتى معرفة لنا بها. العقل والعلم والعاطفة والخيال والحافظة وعشرات أمثالها مما أودعت أرواحنا كانت هي الأخرى ولا تزال مقدرة ومسيرة من لدن غيرنا لم نكن نستطيع تغييرها ابدا.. كل ذلك يلهمنا واقع أنفسنا انها مخلوقة واننا عباد مخلوقون مربوبون. وما دمنا كذلك فعلينا أن نتبع رضوان الرب العظيم الذي وهب لنا كل ذلك وألا نقوم بأي عمل لا نعلم أنه راض عنه.

جاء في القرآن الكريم. [قُلْ اِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ] (سبأ 39) [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( الذاريات 56) .

وجاء في السنةعن رسول الله صلى الله عليه و آله: ( ... وذلك لأنا عباد الله مخلوقون مربوبون نأتمر فيما أمرنا وننزجر عما زجرنا ونعبده من حيث يريده منا، فإذا أمرنا بوجه من الوجوه أطعناه ولم نتعد إلى غيره مما لم يأمرنا ولم يأذن، لنا لا ندري لعله أراد منا الأول وهو يكره الثاني، وقد نهانا ان نتقدم بين يديه..) (1)

إذًا فلابد أن نبتغي رضوان الله. ولكن كيف؟

من الواضح انه لا يمكن أن نتصل جميعا بالله سبحانه مباشرة لأنه أجلُّ من أن يلامس ويواجه من قبل كل أحد، فوجب أن يجعل بينه وبين الخلق رجالا يوحي إليهم.. جاء في الحديث عن الامام الصادق عليه السلام: (انا لما اثبتنا ان لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيما لم يجز ان يشاهده خلقه ولا أن يلامسوه و لا أن يباشرهم ويباشروه ويحاجهم ويحاجوه، ثبت ان له سفراء في خلقه وعباده يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم فثبت الآمرون والناهون عن الحيكم العليم في خلقه ،و ثبت عند ذلك أن له معبّرين وهم الأنبياء وصفوته من خلقه حكماء مؤدبين بالحكمة مبعوثين عنه، مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب مؤدين من عند الحكيم العليم بالحكمة(2) .

4-حاجة البشر إلى المنهاج

لا ريب ان في العالم أشياء نافعة وأخرى ضارة، وفيه عمل ينبغي القيام به وآخر يجب تركه. ودون ان نعرف الذي ينفع و الذي يضر لا نتمكن من تحقيق السعادة، ذلك لأنه قد نعمل ما يضر فنشقى وقد نترك ما ينفع فنشقى أيضا ـ ولاريب في هذا أيضا- ومهما أوتي البشر من علم وحكمة لا يكفي لمعرفة كل ما نحتاج إليه من خير وشر وصالح وفاسد.

ان معرفة هذا الأمر تحتاج إلى معرفة ما في الكون وما في النفس من نظم متماسكة، والآن حيث بلغ العلم ما بلغ لا يزال يصرح بعض من هو أعرف الناس بالثقافة بعجز الإنسان عن الإحاطة بعشر معشار ما في النفس وما في الآفاق من أسرار مدهشة. يقول نيوتن - وهو من أكبر المكتشفين - (ان نسبة معرفتنا إلى الواقع ليست الا كنسبة القطرة إلى البحر) .. ويقول ابن سيناء - وهو من أكبر الفلاسفة الأقدمين - بعد ان سئل ماذا عرفت ؟: (عرفت اني لم أعرف شيئا،..) ولا يأمل أحد من العلماء اليوم ان يبلغ العلم يوما إلى الإحاطة بما في الكون كله.. وحسب تعبير بعض الفلاسفة المعاصرين (العلم مركبة في فضاء لا تحد؟) . ويقول الكسيس كاريل ـ وهو من أكبر العلماء الذين يتمتع بمختلف جوانب الثقافة الحديثة، وأحرز جائزة نوبل ـ قال وهو يستعرض بعض جوانب الجهل بحياة الإنسان:(لقد بذل الجنس البشري مجهودا جبارا لكي يعرف نفسه ولكن بالرغم من اننا نملك كنزا من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحيين في جميع الأزمان فإننا استطعنا ان نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا. اننا لا نفهم الإنسان ككل..

وواقع الأمر، ان جهلنا مطبق فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب ، لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة.. ثم يقول: فالعقل يتصف بعجز طبيعي عن فهم الحياة).

ان هذه الشهادة ذات قيمة علمية بالغة إذا لوحظت انها تأتي متزامنة مع شعور متزايد باكتفاء الإنسان عن الوحي.

ويقول الأستاذ ج.و.ن. سولفيان: (ان الكون الذي كشفه العلم الحديث هو أكثر غموضا وإبهاما من التاريخ الفكري بأكمله. ولا شك في ان علمنا عن الطبيعة أكثر غزارة من أي عصر مضى، ولكن هذه المعلومات كلها غير مقنعة، فنحن نواجه اليوم الإبهام والمتناقضات في كل ناحية) .

فلابد للبشر - إذًا - من هاد عالم حكيم محيط بالكون كله وليس ذلك الا الله سبحانه، وكان على الله ان يرسل من لدنه أنبياء ينقلون اليهم أوامره وإرشاداته والا لم يفلح الإنسان في الحياة ولم تتم ما خلق له وهي السعادة ولزم اللغو في صنع الله المتعالي عن اللغو.

قال الله سبحانه: [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ (3) ] . (الجمعة 2) .

في الحديث عن الامام الرضا عليه السلام: (فإن قال قائل فلم وجب عليهم معرفة الرسل والإقرار بهم والإذعان لهم بالطاعة ؟ قيل: لأنه لما لم يكن في خلقهم وقواهم ما يملكوا لمصالحهم وكان الصانع متعاليا عن أن يرى، وكان ضعفهم وعجزهم عن إدراكه ظاهرا ، لم يكن بد من رسول بينه وبينهم معصوم يؤدي اليهم أمره ونهيه وأدبه، ويوقفهم على ما يكون به إحراز منافعهم ودفع مضارهم ، إذ لم يكن في خلقهم ما يعرفون به ما يحتاجون إليه منافعهم و مضارهم فلو لم يجب عليهم معرفته وطاعته لم يكن لهم في مجيء الرسول منفعة ولا سد حاجة ولكان إتيانه عبثا لغير منفعة ولا صلاح. وليس هذا من صفة الحكيم الذي اتقن كل شيء(4) .

5-القضاء على خلافات البشر

الاختلاف ظاهرة طبيعية للبشر في كل الشؤون وفي كل العصور وبين كل الناس، ورغم ما كتب الفلاسفة ـ قديما وحديثا ـ من كتب في المنطق لإزالة الاختلاف الذي يقلق الإنسان (5) فإنه لا يزال هذا الاختلاف قائما وقد سبب كثيرًا من المشاكل بل وكثيرًا من الويلات، فالحروب التي تشتعل بين فترة وأخرى وتفني الحرث والنسل ليست الا بعض نتائج هذا الاختلاف ، فكان لزاما ان يقضي الله سبحانه على هذا الاختلاف ويريح البشر من هذا العامل الخبيث من عوامل الشقاء ، من أجل ذلك كان عليه ان يبعث انبياء لكي يقضوا على الخلافات البشرية بما يوحى اليهم من حكم وعلم من قبل الله الذي لا يرقى إلى حكمه الريب ولا يحتمل منه الجهل أو الخطأ.

(1) - بحار الانوار ، ج9، ص265 .

(2) - بحار الانوار ،ج10 ، ص 164 ، ح2 .

(3) - في هذه الآية يجعل الله تعالى أحد أسباب البعثة تعليم الحكمة وهي معرفة المصالح العامة التي ينبغي ان تتبع.

(4) - بحار الانوار ، ج11،ص40 ، ح40 .

(5) - فيما أعلم إلى الآن أكثر من عشرة نظريات حول المنطق وما به يرفع الناس خلافاتهم الفكرية والعملية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت