فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 1942

قال سبحانه: [وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] (النحل 64) .

6-ضرورة النظام للإنسان

الإنسان يأنس إلى الإنسان بصورة طبيعية ويجتمع إليه ويتعاون معه، ولكل تعاون نظام فلولاه يغتدي الاجتماع ليس فقط تافها وغير مفيد، بل ويكون باعثا على الشقاء أيضا. فمن يضع هذا النظام العادل الذي يضمن سعادة الجميع؟.. ليس ذلك في استطاعة الإنسان إذ لابد ان تتوفر شروط ثلاثة لمن يضع النظام:

أ- ان يحيط علما بكل ما في الحياة من خير وشر وبمعرفة مدى تأثير أعمال الفرد في إسعاده أو إشقائه ليس في الدنيا فقط بل وفي الآخرة أيضا. ولم يأت إلى الحياة فرد أو طائفة ادعو هذا العلم.

ب- أن يتجرد عن كل هوى حتى لا يفضل مصلحته أو مصلحة طبقته على المصالح العامة، وهذا لا يمكن أن يتحقق لأي بشر، إذ ان أفضلهم لا يخلو من التأثر بميوله وشهواته كما نشاهد ذلك في بني الإنسان جميعا ويجده كل منا في نفسه، فما أن تعرض قضية ترتبط بمصلحة البشر حتى تختلف الأفكار فيها بسبب اختلاف المصالح.

ج- أن تكون له إرادة قوية تعطيه الاستقامة التامة في سبيل تطبيق الحق الذي يحمله إلى الناس، ذلك لأنهم لا يفقهون ان في مصلحتهم تطبيق الحق فيثورون ضد الحق وضد كل من يدعو إليه، فلابد ان يكون للمبشر بالنظام الحق من الاستقامة ما يقابل هذه المقاومة ويزيد. ومن الواضح ان هذه الاستقامة لا توجد الا عند من يؤيد من لدن الله ، ذلك لأن الفرد مهما كان نافذ العزيمة قوي الإيمان فإنه ينهار عند اختلاف النكبات عليه.

لهذه الأسباب الثلاثة لم تتمكن البشرية من وضع نظام صالح كامل عبر آلاف السنين، أي منذ ان سن حمورابي نظمه وحتى القوانين الغربية و الشرقية الأخيرة، رغم كل المحاولات المبذولة في هذا السبيل.

وبما ان البشر عاجز عن وضع هذا النظام وهذا النظام ، ضرورة لسعادة الإنسان وقد خلق الله البشر ليسعدوا، كان على الله سبحانه ان يضع لهم نظام الحياة ويبعث ذلك على يد من يتحمل مسؤولية ذلك. ومن الواضح ان الله سبحانه لا يتاثر بالمصلحة ولا بالجهل ولا يبعث من يعجز عن تحمل مسؤولية الرسالة بل لا يكون المبعوث الا معصوما (1) .

قال الله سبحانه: [إِنَّآ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ] (النساء 105) .

وفي حوار جرى بين الإمام (ع) ورجل مادي قال (ع) : (أربك انظر(2) لخلقه ام خلقه لأنفسهم؟ فقال: بل ربي أنظر لخلقه. فقال: ففعل بنظره لهم ماذا؟ قال: أقام لهم حجة ودليلا كيلا يتشتتوا أو يختلفوا، يتألفهم ويقيم أودهم ويخبرهم بفرض ربهم (3) .

وجاء في الحديث عن فضل بن شاذان: (فإن قال قائل: لم أمر الخلق بالإقرار بالله وبرسوله وبحجته وبما جاء من عند الله عز وجل؟ قيل: لعلل كثيرة منها ان من لم يقر بالله عز وجل لم يتجنب معاصيه ، ولم ينته عن إرتكاب الكبائر، ولم يراقب أحدا فيما يشتهي ويستلذ من الفساد والظلم، واذا فعل الناس هذه الأشياء وارتكب كل إنسان ما يشتهي ويهواه من غير مراقبة لأحد، كان في ذلك فساد الخلق اجمعين ووثوب بعضهم على بعض، فغصبوا الفروج والأموال، وأباحوا الدماء والسبي وقتل بعضهم بعضا من غير حق ولا جرم، فيكون في ذلك خراب الدنيا وهلاك الخلق وفساد الحرث والنسل. ومنها: ان الله عز وجل حكيم ولا يكون الحكيم ولا يوصف بالحكمة إلاّ الذي يحظر الفساد ويأمر بالصلاح ويزجر عن الظلم وينهي عن الفواحش، ولا يكون حظر الفساد والأمر بالصلاح والنهي عن الفواحش الا بعد الاقرار بالله عز وجل ومعرفة الآمر والناهي فلو ترك الناس بغير إقرار بالله ولا معرفة لم يثبت لهم أمر بصلاح ولا نهي عن فساد، إذ لا آمر ولا ناهي. ومنها: انا وجدنا الخلق قد يفسدون بأمور باطنة مستورة عن الخلق فلولا الإقرار بالله وخشيته بالغيب لم يكن أحد -إذا خلا بشهوته وإرادته- يراقب أحدا في ترك معصية وانتهاك حرمة وارتكاب كبيرة، إذا كان فعله مستورا عن الخلق غير مراقب لأحد ، فكان في ذلك هلاك الخلق أجمعين، فلم يكن قوام الخلق وصلاحهم الا بالإقرار منهم بعليم خبير يعلم السر وأخفى آمر بالصلاح وناه عن الفساد ولا يخفى عليه خافية ليكون في ذلك إنزجار لهم عما يخلون به من أنواع الفساد(4) .

7-ضرورة التزكية

كل فرد يجد في نفسه الكفاءة التامة للرقي إلى أسمى مراتب التزكية النفسية وأرفع مستويات الثقافة الإلهية وما تتبعها من معرفة النفس والخلق ، أصله ومصيره، وواقع الكون وأجزائه، والعلاقة التي تربط بعضها بالبعض الآخر. ورغم بحث الإنسان عن هذه الحقائق منذ نشوئه وحتى اليوم بحثا مستمرا فإنه عجز عن تحقيق أي تقدم في هذا المجال، حتى أن النظريات الحديثة - ونحن نعيش في عصر الذرة والفضاء - لتتشابه مع نظريات الفلاسفة الاغريق الذين سبقونا بألفي عام فأكثر (5) . واذا ثبت عجز البشر عن بلوغ هذا المستوى الرفيع من التزكية والمعرفة فلابد ان يبعث الله من يعلم البشر ويزكيهم وهم الأنبياء (ع) .

قال الله سبحانه: [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ] (الجمعة 2) .

وجاء عن رسول الله صلى الله عليه و آله قوله: (انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق(6) .وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (أيها الناس ان الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة وأخلاق شريفة فعلم انهم لن يكونوا كذلك الا بأن يعرفهم ما لهم وما عليهم والتعريف لا يكون الا بالأمر والنهي(7)

8-اعادة توازن الحياة

(1) - قال الله سبحانه: [الا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا] . (الجن/27)

(2) - أنظر: أصوب نظرًا.

(3) - الكافي ،ج1 ، ص171 ، باب الاضطرار الى إلى الحجة ،ح4 .

(4) - على الرغم من ان هذه الرواية تشير إلى بعض فوائد الإيمان فإن فيها نبذة من دواعي ابتعاث الأنبياء عليهم السلام وتتلخص في منع الفساد الناجم عن الظلم الاجتماعي. ( عن: علل الشرائع ،ج1، باب 182 ، علل الشرائع وأصول الاسلام، ح9 .)

(5) - سبق الحديث حول ذلك حيث بحثنا عن دور العقل في توجيه الحس.

(6) - بحار الانوار ، ج16، ص210 .

(7) - الامام عليه السلام أشار إلى ثلاثة حقائق تهدي إلى وجوب الرسالة وهي: أولا ان الله أراد للبشر ان يكونوا على أحسن الآداب وهذا أمر وجداني إذ ان الله كامل فلا يحب الا الذي يتصف بالصفات الحسنة، وثانيا ان الطبيعة البشرية لا يمكن ان تبلغ بالإنسان الأدب الرفيع بدون معلم يعلمهم ذلك، وان التعليم لابد له من وسيلة وهي تتحقق في التشريع وهو الأمر والنهي وهذه الحقيقة الثالثة هي التي أشار إليها الإمام (ع) . (عن: بحار الانوار ،ج5،ص316،ح13 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت