تدل حوادث التاريخ انه بين فترة وأخرى كانت الفوضى تعم حياة الإنسان على الكوكب، فكان الله سبحانه يبعث اليهم رسلا يعيدون الإنسان إلى وعيه وإلى صراط مستقيم. وتاريخ الرسالات شاهد واضح على هذه الحقيقة. فإنا نرى ان ابتعاث الرسول كان متزامنا لطغيان البشر في كل ناحية من نواحي حياته، حيث كان قد شاع فيهم الظلم وانتشر الفساد واختلت الموازين وافتقدت القيم ولم يبق من منهج السماء في الأرض الا شيئا قليلا وكانت القوى البشرية عاجزة تماما عن اصلاح الوضع. ومع ان كل الناس كانوا ينشدون الخلاص فإنه لم يكن يستطيعه أي شخص وأية فئة وأية فكرة، وهنا كان الغيب، يتدخل لينقذ حياة البشر، ويخلصه من تيهه وضلاله وكان ضروريا ان يتدخل الغيب. ذلك لأن الله سبحانه لم يخلق الإنسان الا ليسعد في الدنيا ويفلح في الآخرة ولم يكن ممكنا في ظل تلك الظروف التمتع بالسعادة لأي فرد دون تدخل إلهي و بعث الرسل.
9-التبشير و الانذار
ان الله قد جعل الدنيا دار بلاء واختبار وجعل الآخرة دار جزاء وثواب (1) ، وكان من تمام النعمة عليهم ان يبعث من يبشرهم بالجنة التي أعدت للمتقين، وينذرهم بالنار التي أعدت للكفارين والفاسقين، ويبين لهم ما يتقون عنه من السيئات ولولا ذلك لكان للناس عليه الحجة البالغة وكانوا يقولون ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك فإن كنت قد بعثته إلينا لكنا من المهتدين.. ثم ان سعادة الإنسان في اللآخرة تفوق أهمية سعادته في الدنيا، ذلك لأن الآخرة تدوم والدنيا تزول وقليل يدوم أفضل من كثير يزول. ألم يكن إذا من حكمة الله ورحمته الواسعة ان يبعث من يهدي الناس إلى السبل الموصلة إلى الجنة؟ قال الله سبحانه: (وما نرسل المرسلين الا مبشرين ومنذرين) ..
هذه طائفة من الحكم التي أرسل الله من أجلها الأنبياء، وفيها الشهادة الكافية على الحاجة إلى الرسول أيضا لأنه لابد للبشر من إنسان يقودهم إلى الحق حتى يستجيبوا له، اما إذا نزلت الرسالة على شكل ألواح بين الناس فمن المؤكد الا يفيد شيئا، كيف وقد جاء الرسل بالرسالة فلم يؤمن الناس بهم الا قليل.
بماذا يعرف الرسول ؟
هناك عدة وسائل يعرف الناس بها الرسول، ونحن إذ نشير اليها لا يمكننا ان ندعي انها كل الطرق الممكنة إلى معرفة الرسول، بل لعله توجد وسائل أخرى إلى هذه المعرفة.
1-الرسالة
لقد سبق آنفا ان هناك عدة أسباب تدعو إلى الرسالة والتي لا يفلح البشر بدونها، وعرفنا بها ان الرسالة واجبة، كما عرفنا انها هي الغاية من بعث الرسول. ومن هنا نعرف انه لابد لكل رسالة من الاحاطة بحاجات الناس و وفائها بها، إذ ان أي رسالة لا تفي بهذه الحاجات لا يمكن ان تكون من عند الله. إذ ان الله ليس بعاجز عن توفير كل ما يحتاج إليه الإنسان، ورحمته لا تضيق عن ذلك، فعدم توفرها في رسالة دليل على عدم صحتها، كما ان توفرها من حيث المجموع دليل على ان الرسالة من عند الله سبحانه لأنه، لم يأت من البشر أحد إدعى انه جاء اليهم بكل هذه الحقائق التي يحتاج الإنسان إليها (2) ولأنه لا يمكن لبشر عادي ان يأتي من عند نفسه بكل ذلك.
2-الرسول
ان شخصية الرسول وما لها من صفات حميدة، حجة أخرى على صدق رسالته. فإذا عُرِفَ بالطهارة من كل دنس والتعالي عن كل رذيلة ، لا يستهويه عن الحق منصب ولا يستدرجه إلى الباطل مأثم، رأيناه يدعي انه رسول من عند الله عالما بأن ادعاءه هذه المرتبة لو لم يكن مالكها ظلم عظيم لنفسه وللناس أجمعين. إذا عُرِفَ الرسول كذلك عُرِفَ انه رسول الله حقا.. قال الله تعالى: [أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنِكِرُونَ] ( المؤمنون 69) .
وقال سبحانه: [قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَآ اُرِيدُ أَنْ اُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ اُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ اُنِيبُ (3) ] [هود 88] .
(1) - راجع فصل المعاد.
(2) - والسبب المعقول لذلك ان أحد الوجوه التي ذكرناها لضرورة الرسالة هو التذكير بالله سبحانه، وما التذكير بالحق، ولا يذكر بالله الا من يعتقد به ويديم ذكره كما لا يذكر بالحق الا من يعمل به ، وغير الأنبياء لا يريدون ان يلزموا أنفسهم بالحجة ، إذ ما ان يذكروهم بها حتى يطالبهم الناس بالعمل بما يقولون ولهذا فإن أحدا منهم لم يدع ذلك. فالفلاسفة لم يقولوا انهم جاؤوا من قبل الله وان كلا منهم يصدق من سبقه ويصدقه من لحقه، ولا انهم جاؤوا مبشرين ومنذرين. والمصلحون سواء السياسي منهم أو الاجتماعي أو الاقتصادي لم يدعوا ان اصلاحهم شامل لجميع مناحي الحياة الفكرية والعملية في دار الدنيا وفي الآخرة، بل كانوا بين منكر للحشر والمعاد وبين من حصر إصلاحه على ناحية واحدة من الحياة ، ثم ان أحدا منهم لم يدع انه جاء من عند الله تعالى. وقد سبق انه يجب ان يكون النبي من عند الله. ولقد أوضحنا ذلك عند بيان الحاجة إلى الرسالة وكيف ان البشر عاجز بذاته عن تحقيقها.
(3) - لقد استدل النبي هود عليه السلام في هذه المقطوعة، التي ينقلها القرآن بحجج بليغة على صدق رسالته وهي بالترتيب كالتالي: (ان لي بينة من ربي) وهي المعجزة التي كانت معه، وان الله قد انفعني بالرسالة فرزقني بها السعادة والفلاح. لقد سبق ان الرسالة الإلهية تسعد الإنسان في الدنيا كما تسعده في الآخرة، ثم اني أول عامل بما أقول وفي هذا دليل صدق دعواي، إذ ان الكاذب لا يعمل بما يقول، واني أريد الاصلاح فلست رجلا استغلاليا، واني أجهد نفسي بخوض المعركة بدون ان يعتمد على قوة ظاهرية والفرد الذي يعمل هذا العمل اما مجنون - وانتم ترونني رشيدا - واما اعتمد على قوة هي اكبر من قوة الأرض وهي قوة الله تعالى الذي عليه توكلت وليس في عملي علامة السفه أو الطيش حتى انسب إلى الكذب ، والكاذب لا يكذب الا لأنه يقدم مصلحته الخاصة، اما انا فإنني رجل منيب قد قتلت هواي واخضعت نفسي لتوجيه عقلي. وتدل هذه الآية على ان الله كان ينصر رسله بطرق غيبية وهي الحجة البالغة على صدقهم.