5-ان الدين يدعو إلى العلم -والطب بصورة خاصة- وينشر الطب ويوفر الأدوية كل ذلك من خلال نظمه وتعاليمه الرائعة وهذا يؤدي إلى التقليل من إنتشار المرض في المجتمع (1) وبالتالي يقضي على جانب كبير من جوانب الشقاء الإنساني.
6-ويبقى من شقاء المرض الشيء، القليل والإيمان يجعل المبتلى به يحس بأن هذا المرض سعادة له بما يسليه به من مثوبات يعوض الله بها مرضى المؤمنين. وإليك بعض ما يقوله الدين عن المرض والمريض المؤمن:
أ- ان المؤمن إذا مرض كتب له كل ما كان يعمله في الصحة، وانه يغفر له ذنوبه كلها.
ب- ان المؤمن إذا أصابته الحمى ليلة واحدة كتب له عبادة سنة كاملة.
التطلع نور السعادة
هذه هي عوامل الشقاء وهكذا يقضي عليها الإيمان أو يخفف من شقائها، ولكن الإيمان لا يكتفي بذلك بل يعطي الفرد نور السعادة ليجعله مفلحا حقا.. وذلك ان البشر قد خلق طموحا لا يكتفي بما تكفيه من ضرورات الحياة حتى يطلب المزيد، ولذلك فهو يحرص على جمع المال حرصا عجيبا [وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا] ( الفجر 20) ليس فقط لأن المال يفي بحاجاته الضرورية، بل لانه حسب اعتقاده يجعله شيئا كما جاء في المثل (إذا ملكت شيئا فقد اصبحت شيئا) .. وطموحه لا يقتصر على الملاذ المادية، بل ان ملاذه الروحية تدعوه إلى النشاط أكثر؛ فمثلا: حب المعرفة وحب السيطرة وحب الشهرة قد يبلغ بالبشر حدا يضحي في سبيله بالمال والأهل جميعا ، وهذا الطموح إن لم يتحقق عمليا بقي الإنسان يشعر بفراغ، وكلما تحقق شيء منه طار فرحا وغمر نفسه شعور بالسعادة، واذا وجه الإنسان طموحه إلى حطام الدنيا ازداد شقاء بعد شقاء لانه كلما جد في طلب الدنيا كلما اصطدم بقوى خارجية توقفه، بينما إذا وجه طموحه نحو العالم الروحي تقدم إلى الأمام دون أي اصطدام. والدين يوجّه طموح الانسان هذا في مجالات ثلاثة مما يجعله سعيدا متطلعا:
1-في مجال التحلي بفضائل إنسانية تزيد الفرد قيمة إلى قيمته ورفعة بعد رفعة.
2-في مجال طلب النعم في الآخرة والتي عرضها كعرض السموات والأرض مما تمتص تطلعات المؤمنين وتزيد.
3-في مجال الاتصال بنور الله والقرب من رضوانه الذي يعطي الإنسان فيضا من السعادة التي لا تنتهي.. وأين تلك السعادة من سعادة الجسم (2) . وبكل هذا يؤتي الله المؤمن فلاحه في الدنيا والآخرة، ويقول: [أُوْلئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (البقرة 5) .
الإيمان نبع لا ينضب
كل فرد يريد أن يفعل الخيرات ، بيد ان شهواته النفسية والقوى الخارجية هي التي تمنعه منها وتجره إلى اقتراف السيئات. وكثيرا ما يندم البشر من بعض تصرفاته السيئة ولكنه سرعان ما يرجع إليها مرة أخرى إذا واجه نفس الظروف التي واجهها أول مرة. والإيمان يزيد من قوة العقل ويبعثه إلى فعل الخيرات ، ذلك لأنه يجعل صاحبه بين أيدي الله العليم القدير الذي بيده أمره وإليه مصيره، ذلك الله الذي أعد للمحسن ثوابا عظيما وللعاصي عقابا أليما.. فالمؤمن يجد نفسه أمام سلطان الله الدائم فتذل نفسه ويضعف هواها فلا يستطيع ان يردعه الهوى عن الخير. والمؤمن يشعر كأنه منعم في الجنة وكأنه معذب في النار (من شدة يقينه بالمستقبل وتطلعه لحياة الخلود) فتزيد رهبته ورغبته شدةً وعمقًا وتجعلانه نشطا سباقا إلى الخيرات مهما كانت صعبة ، وحذرا من السيئات مهما كانت صغيرة (3) .
جاء في القرآن.. [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلْظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (4) ] (آل عمران 191-192) . هكذا يكون الإيمان نبعا لا ينضب لفعل الخيرات!!
التحلي بالفضائل
ما هي الرذيلة؟ ما هي صفة الكبر، والغرور، والبخل؟ لدى التحليل تبين انه إذا التهب حب الذات في زاوية من الزوايا سبب صفة نفسية رذيلة؛ فمثلا: إذا التهب حب الذات في زاوية الدفاع عن الذات حدثت صفة الكبر التي لا تعدو ان تكون مغالاة في تقييم الإنسان لنفسه، والحرص لا يعدو ان يكون زيادة في حفظ الذات، والبخل إفراط في الإحساس بالخوف من الحوادث وهكذا.. ومن هنا فالذي يتغلب على هوى نفسه بقوة عقله، فإنه سوف يقضي على الرذيلة قضاء باتا. والنفس المؤمنة تميت الهوى وتجعله تابعا لإرادتها فتقضي على الرذيلة، أضف إلى ذلك ان النفس التي تشعر بعظمة الله لا يمكن أن تتكبر وان النفس التي تعلم أن لا حول لها ولا قوة الا بالله لا يمكن ان تغتر، والنفس التي تعلم ان الله يملك الخير والشر كله، لا يمكن ان تحسد الآخرين وتحقد عليهم. ومن جهة أخرى النفس المؤمنة بالله الجميل الجليل، لا تملك إلاّ ان تكن حبا عميقا لله وحبا لمن خلقه الله. فالنفس المؤمنة نفس محبة للناس أجمعين ولا يمكن لهذه النفس ان تحقد أو تحسد أو تبغض أو تغضب (الا للحق) ولا يمكن ان يقوم صاحبها بما ينغص الناس عيشهم كالنميمة والغيبة والسب والإهانة، وكل أذى.
والخلاصة: النفس المؤمنة يغمرها الحب ولهذا فهي مبعث الخير والجمال.
في القرآن -يصف الله المؤمنين: [وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الاَرضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * ... * وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا] (الفرقان 63-72) .
وجملة أخيرة ان الإيمان بالله هو الذي ينفذ شرائع الدين وتعاليمه ولا يمكن ان يُستغنى عنه بأي شيء آخر:
1-فالتربية مهما تكن صالحة، فإن النفس قد تهوى الرذيلة بسبب اتباع مصلحتها الذاتية، هذا مع ان الحصول على التربية الصالحة قد تتعذر للناس جميعا.
2-وقوانين العقوبات، مضافا إلى انها تختص بما إذا كانت هناك حكومة صالحة، فإنها لا تستطيع ان تمنع الجريمة، كما تدل على ذلك زيادة الجريمة في الدول المتقدمة..
3-والضغط الاجتماعي لا يؤثر الا في مجال محدود.
(1) - الاحصاءات الدقيقة تبين ان المتدينين ـ ولاسيما رجال الدين ـ من أطول الناس أعمارا. ومن تدبر فيمن يلتزمون بتعاليم الدين كلها عرف انهم قليلا ما يبتلون بالأمراض ولو كانوا في ضنك من العيش وضيق من الحياة.
(2) - قال الله سبحانه وتعالى في صفة المؤمن: [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ] (النور 36) .
(3) - يقول الامام علي (ع) في صفة المتقين: (... فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون وهم والنار كمن قدرآها فهم فيها معذبون) ( نهج البلاغة ، الخطبة 193) .
(4) - هذه صفة المؤمنين الذين لا ينفكون يشعرون بعظمة الله فيتعوذون إليه من النار المرة بعد الأخرى ويدفعهم ذلك إلى المزيد من العمل والمزيد من النشاط.