وفيما يلي نرى كيف يقضي الدين على ذلك؟ ان الدين يغير نظرة الإنسان المادية فيستهين بالدنيا التي هي منشأ الرذائل، ففي القرآن: [إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] (يونس 62) .
وفي الحديث عن الامام الصادق عليه السلام: (أنصف الناس من نفسك، وواسهم من مالك وأرض لهم ما يرضوه، واذكر ثواب الله كثيرا، وإياك والكسل والضجر فيما يقربك منه ...) (1) والمؤمن يجيد هذه التعاليم.
ب- ظلم الناس بعضهم بعضا؛ والمجتمع المؤمن يسوده العدل والإحسان. والاسلام -الدين الذي يلزم المؤمن بتطبيق شرائعه - يضمن للناس العدالة التامة ، ويتمتع كل فرد تحت ظله بالكرامة والأمن لا فرق في ذلك بين عربي أو أعجمي، أبيض أو ملون، صغير أو كبير، فقير أو غني، ويضمن لهم حقوقهم جميعا ويقول: [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ] (الزلزلة7-8) .
هكذا يعالج الإسلام الظلم لو كان المجتمع المؤمن قائما وأما لو لم يكن فإن المؤمن يتمتع أيضا بالكرامة والأمن في ظل المجتمع الجاهلي ذلك لانه لا يظلم أحدا أبدا.
ومن لا يَظلم لا يُظلم. ولو أنه ظُلِم، فلأنه يحتسب مظلمته عند الله، فإن شقاءه سوف يخفف كثيرا لأن هناك فرقا نفسيا كبيرا بين من يعلم بأن بعد هذه الحياة يوما ينتقم الله من الظالم أضعافا مضاعفة، ومن لا يعلم ذلك فإن الأول يستسلم لما لابد منه راضيا بالإنتقام الآجل بينما يحترق الثاني بنار الحقد والقلق الذي لا مناص له منها. هذا فيما إذا كان الظالم أقوى منه وان كان أضعف فمن خصال المؤمن العفو عمن ظلمه، وهذا العفو تنازل اختياري عن الحق المشروع فلا يكون شقاء عليه (2) .. إذا فالإيمان يجنب الإنسان من الشقاء المتسبب عن مظالم الناس بعضهم لبعض بطرق ثلاثة:
1-تشريع نظم تضمن للناس - كل الناس - حقوقهم العادلة.
2-تحريم الظلم الفردي مهما كان صغيرا ورد المظالم مهما كانت حقيرة.
3-تسلية النفس المؤمنة بالرضا لما لابد منه في انتظار يوم القيامة. أو العفو عن الظالم لمن انتصر على الظالم، وهذه معالجة نفسية، وتلك معالجة خارجية عامة وخاصة.
قال الله تعالى: في صفة المتقين- [الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ] (آل عمران134-135) .
وجاء في الحديث عن الامام أمير المؤمنين عليه السلام:
(ان لأهل الدين علامات يُعرفون بها: صدق الحديث، وأداء الأمانة، و وفاء بالعهد، وصلة الأرحام، ورحمة الضعفاء، وقلة المؤاتاة للنساء، وبذل المعروف وحسن الخلق وسعة الخلق(3) واتباع العلم وما يقرب إلى الله عز وجل زلفى) (4) .
ج- الحوادث الطبيعية؛ (الزلازل، الأوبئة، الفيضانات، حوادث السير، الحرق، الغرق، العواصف، الأمطار المهلكة، والجفاف الطبيعي وغيرها) .. ان هذه أسباب أخرى لشقاء البشر والإيمان يدفع هذه بطرق عديدة نتعرض لبعضها:
1-تدبير الغيب؛ النظر الرشيد في الكون يهدينا إلى ان هناك نظاما دقيقا ومرنا في الكون، ولابد لكل نظام من مدبر يجريه. وبالرغم من اننا لم نكتشف الا القليل من هذا النظام، واننا نزعم ان لا نظام ولا تدبير في بعض حوادث الكون (كالزلازل والفيضانات) ، وبالرغم من ذلك لابد ان نعترف انه لا ريب في انها خاضعة لنظم دقيقة. إذ ان مدبر الشمس والقمر لا يعجز عن تدبير الزلزال والفيضان، بل هناك إذن إرادة موجهة لها، وهي إرادة الله، فإذا آمن به البشر وسألوه وهو الغني الكريم فلماذا لا يعطي ولا يدفع البلاء (5) .
2-ان طائفة من الآفات -كموت الفجأة- تتسبب عن أسباب طبيعية ، والدين الإسلامي يشرع أحكاما للتحصن ضدها، وبذلك يتخلص الملتزم بأحكام الشرع منها (6) .
3-وبالرغم من ان بعض الآفات تصيب المؤمن، فإن وراءها حكمة الإبتلاء ، حيث ان الله يمتحن العباد المؤمنين ببعض البلاء ، فإن صبروا واستقاموا أعطاهم أجرهم مرتين؛ مرة في الدنيا ومرة في الآخرة، وبذلك يبدل الله عزا وأملا (7) .
الإيمان وقاية وعلاج:
د- الأمراض؛ وتشكل الأمراض نوعا من الشقاء البشري. فالمريض لا تتوافر عنده متعة الحياة وان توافرت له سائر أسباب الرفاه. والإيمان يدفع شقاء المرض بوسائل شتى:
1-ان كثيرا من الأمراض تنشأ من الصفات النفسية كالقلق والعقدة (8) ، وبما ان الإيمان يعالج الأمراض النفسية فإنه يقضي على ما تنشأ منها من أمراض.
2-في أحكام الشريعة كثير من الوقايات المحصنة ضد الأمراض كالطهارة (الوضوء والغسل) ، واجتناب النجاسات التي تسبب الأمراض، وتحريم الخمر والزنا واللواط والعادة السرية، وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أشبه من السباع والهوام والمضر من صيد البحر. ان تحريم ذلك كله لم يكن الا لما تسبب من الأمراض، بل الإسلام يحرم كل ما فيه ضرر على صحة الإنسان ضررا كبيرا ويقول: [وَلاَ تُلْقُواْ بِاَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ] ( البقرة 195) .
وما دام المؤمن ملتزما بأحكام الشرع هذه، فإنه يقي نفسه طائفة كبيرة من الأمراض.
3-ان هناك تعاليم كثيرة يفرضها الدين وأخرى يندب إليها، نجد فيها الوقاية أو العلاج التام لطائفة كبيرة من الأمراض. فالصلاة تهدئة سيكولوجية وتمارين رياضية، والصوم ترويض نفسي ووقاية صحية، وآداب الأكل والشرب والنكاح وغيرها كلها وقاية عن الأمراض. والمؤمن حيث يلتزم بها يتخلص من غائلة قسم كبير من الأمراض الناجمة عن تركها.
(1) - مستدرك الوسائل ، أبواب جهاد النفس، الباب 6،ح11 .
(2) - في الحديث، قال رسول الله (ص) : (الا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة؟ العفو عمن ظلمك، وان تصل من قطعك، والإحسان إلى من أساء اليك، واعطاء من حرمك، وفي التباغض الحالقة، لا أعني حالقة الشعر ولكن حالقة الدين) ( مستدرك الوسائل ،كتاب الحج ، ابواب احكام العشرة ، الباب 96 ، ح1.
(3) - حسن الخلق يعني ان يكون هشا بشا كريم النفس. وسعة الخلق يعني الا يضيق صدره عند نزول بلاء أو رؤية سيء لا يلائمه.
(4) - بحار الانوار ، ج66 ، ص364 ،ح1 .
(5) - قال الله سبحانه: [وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] (زمر 61) .
(6) - في الحديث (إذا ظهر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة) ( وسائل الشيعة، ج11،ص513 ،ابواب الامر و النهي ، الباب 41، ح2 ) .
(7) - قال الله سبحانه: [وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً] ( الانبياء 35) وقال: [أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ] ( العنكبوت 2) يعني ان الله يمتحن المؤمنين ببعض المصائب ولكن يرفع درجاتهم ان أحسنوا العمل ويجزيهم خيرا في الدنيا والآخرة.. و قال عزوجل: [وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وإِنّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] ( البقرة 155/156) .
(8) - قال الله سبحانه: [وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا] (طه 124) والعالم يعاني أكثر شيء من الأمراض الناشئة عن القلق كالأمراض العقلية وضغط الدم وبطالة الكبد وما أشبه مما يجعلنا نعترف بمدى السعادة التي يوفرها الدين للمؤمنين.