فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 1942

والعدل منها على أربع شعب: على غائص الفهم وغور العلم وزهرة الحكم وساخة الحلم. فمن فهم علم غور العلم، ومن علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم، ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش في الناس حميدا (1) .

والجهاد منها على أربع شعب (2) ؛ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين. فمن أمر بالمعروف شد ظهور المؤمنين. ومن نهى عن المنكر أرغم أنوف المنافقين ، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنئ الفاسقين و غضب لله ، غضب الله له و ارضاه يوم القيامة (3) . )

معطيات الإيمان

ما هي معطيات الإيمان في النفس والحياة؟

(الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان(4) هكذا يحدد النبي صلى الله عليه وسلم واقع الإيمان فهو يستقر في النفس لكي يظهر على اللسان ثم تصدقه سائر الجوارح.

1-إذًا فالذي يعرف ولا يقر كافر وليس بمؤمن. قال الله تعالى: [وَجَحَدُوا (أي الكفار) بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا] (النحل 27) .

2-والذي يقر ولا يعمل فهو مسلم وليس بمؤمن. قال الله تعالى: [قَالَتِ الاَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ] (الحجرات 14) .

3-والذي يقر بالذي يعرف، ويعمل بالذي يقر، فهو مؤمن حقا. ولابد للمؤمن ان يسلم لله وحده جميع أموره ويتصف بكل صفة يريدها الله له ويعمل بكل فعل يأمر به الله. والحديث التالي يفصل هذا الواقع.

قال رسول الله (ص) : (الإيمان في عشرة: المعرفة [بالله، واليوم الآخر، والكتب، والأنبياء] و الطاعة [لله] والعلم [بأحكام الله،] والعمل [بها،] والورع [الخوف من الله] ، والاجتهاد [بذل كل الجهد في سبيل الله] ، والصبر [في النوائب وعلى الطاعات الشاقة،] واليقين، والرضا [بأمر الله،] والتسليم [لأمر الله.] فأيها فقد صاحبه بطل نظامه [أي إذا كانت للفرد صفة واحدة من هذه الصفات ولم تكن له أخرى لم يكن مؤمنا حقا(5) ] .

ما هي فوائد الإيمان؟:

ان الإيمان أثقل ما في ميزان العدالة، فلابد ان يقابل بأجر عظيم. وإذا كانت الأعمال تُقوِّم بما لها من الصعوبة فلابد ان يكون الإيمان أعظمها أجرا لأنه أشقها جميعا. ونحن إذ نشير إلى فوائد الإيمان لا ندعي استيعابها جميعا:

1-الفلاح في الآخرة؛ لنفترض ان وراءنا عالم آخر يصيبنا فيه جزاء أعمالنا ان خيرا وان شرا. فمن هو رب ذلك العالم؟ وما هي الأعمال التي تُجزى بخير؟ وما هي التي تُجزى بشر؟ بكل بساطة: ان رب هذا العالم، الخالق الواحد هو رب ذلك العالم لأنه لا إله الا الله (6) .

وبكل بساطة إن صفات الصدق والوفاء والصلاح والعمل على خدمة الناس، وعبادة الله، وطهارة القلب من الحسد والبخل والحقد والجبن والكبر والغرور،إنّ هذه صفات و أعمال ان كان هناك خير فإنما هو فيها، وان كان هناك جزاء حسن فإنما هو لها. وان صفات الكذب والنفاق، ونقض العهد، والفساد في الأرض، وهدم المجتمع وتفكيك أواصره والاعتداء على حقوق الآخرين، إن تلك هي الشر الذي لا يمكن أن يبقى دون عقاب.

ان هذا أمر وجداني لا ريب فيه. وهنا نسأل: ما هي الوظائف الدينية التي يلتزم بها المؤمن؟.. من المعلوم انها لن تقع الا في صف الخير فلابد ان يكون جزاء المتدين في الآخرة جزاء حسنا.

إذًا فإن كانت وراء هذه الحياة حياة أخرى فإن المؤمنين هم الفائزون فيها لا ريب في ذلك بشهادة الفطرة والوجدان بأن جزاء الخير لا يمكن ان يكون شرا.

وفي النصوص التالية شهادة على الفلاح الذي يحرزه المؤمنون في الآخرة، ولكن يجب ان نعلم في البدء انه لا يمكن ان نعتقد -ونحن عقلاء- بأن الله يأمر عباده بطاعته ويعدهم بالجزاء الحسن في الآخرة ثم يخلف وعده. فلماذا يخلف؟؟ هل لأنه كان محتاجا إليهم فأراد ان يخدعهم ليطيعوه ثم يخلف وعده، ام انه عاجز عن الوفاء لهم بوعده؟؟ سبحانه!، ليست هذه من صفة الخالق الغني الوهاب. وبعد فلنعرف ما هي حقيقة الفلاح في الآخرة التي أثبتتها النصوص للمؤمنين: يموت المؤمن بعد ان يرى محله من الجنة ثم تزف روحه إلى جنة البرزخ، حتى تتمتع بالملاذ الروحية. ويؤمن من قبل الملائكة عن أهوال يوم القيامة، ثم ينتظر في ظل عرش الله حتى يتم الحساب ثم تزلف إليه الجنة فيدخلها آمنا. ويجد على أبواب الجنة مكتوبا (للخلود) ويهب له الله خيرات ليست الدنيا بالنسبة إليها الا كالرمل في البادية الفضفاضة، له سبعمائة ضعف مثل الدنيا، وله سبعون ألف قبة، وسبعون ألف قصر، وسبعون ألف حجلة، وسبعون ألف أكليل، وسبعون ألف حلة، وسبعون ألف حوراء عيناء، وسبعون ألف وصيف، وفي الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفيها ملاذ روحية، وفيها رضوان الله، وفيها أمان من النار، تلك النار التي يصفها جبرئيل (ع) للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ان الله أوقد عليها ألف عام فاحمرت ثم أوقد عليها ألف عام فإبيضت ثم أوقد عليها ألف عام فاسودت، فهي سوداء مظلمة لا يضيء جمرها ولا ينطفي لهبها.. والذي بعثك بالحق نبيا، لو ان مثل خرق إبرة خرج منها على أهل الأرض لاحترقوا عن آخرهم، ولو ان رجلا دخل جهنم ثم أخرج منها لهلك أهل الأرض جميعا حين ينظرون إليه لما يرون به، ولو أن ذراعا من السلسلة التي ذكرها الله تعالى في كتابه وضع على جميع جبال الدنيا لذابت عن آخرها، ولو ان بعض خزان(جهنم) التسعة عشر نظر إليه أهل الأرض لماتوا حين ينظرون إليه، ولو ان ثوبا من ثياب أهل جهنم أخرج إلى الأرض لمات أهل الارض من نتن ريحه (7) .. هذا فلاح المؤمن في الآخرة، انه ينجو من هذه النيران.

2-الفلاح في الدنيا؛ فإن الفلاح هي السعادة، فما هي سعادة الإنسان في الدنيا؟

ان السعادة تنشأ من تزاوج عاملين: القضاء على أسباب الشقاء، وتوفير سبب الفلاح. وللشقاء أربعة أسباب نبينها ونشير إلى كيفية قضاء الإسلام عليها أو لا أقل من تهوينها:

أ- الخلق السيئ؛ ان الحسد والحقد والغرور والكبر والقلق وسوء الظن، والشعور بالنقص وعقدة الحقارة وما أشبه تنغص عيش طائفة كبيرة من الناس. ومهما توفرت أسباب الرفاه، فإن عذاب النفس الداخلي لا يدع الفرد يتمتع بالرفاه أبدا. والإيمان يقلع جذور الفساد من قلب صاحبه ويجعل نفسه نقية راضية مرضية (8) .

(1) - ونجد في هذا البند: العلم سببا من أسباب الإيمان وهو يستند على العقل الذي عبر عنه في الحديث بـ (غامض الفهم) وغمر العلم وهو واسع العلم الذي يغمر صاحبه، وزهرة الحكم تعني لباب الأحكام. وأما روضة الحكم فهي حالة الهدوء التي تسبق وترافق التعلم. وهذه الفقرة تشرح أحد شروط العمل بموجبات الإيمان وهو العلم بها.

(2) - والجهاد: هو جانب النضال من العمل والإيمان وهو في جبهتين، جبهة الكفار وجبهة الفساق، غير الملتزمين بالأحكام.

(3) - نهج البلاغة ، حكم أمير المؤمنين عليه السلام ، الحكمة رقم31 .

(4) - بحار الأنوار، ج 66، ص 64 ، ح11 .

(5) - بحار الانوار ، ج66 ،ص 175 ، ح28 .

(6) - والى ذلك تشير آيات الحمد [الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ *الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ] (سورة الحمد) .

(7) - بحار الأنوار ،ج67 ، ص 393 ، ح63 .. ولسنا بحاجة إلى ذكاء خارق حتى نقارن هذه النيران بالقنابل النووية التي تصنعها يد الإنسان فيزول عجبنا ونعلم انها الجد لا الهزل.

(8) - سنفصل القول في ان الإيمان يسبب التحلي بالفضائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت