فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 1942

أ- نجد أنفسنا تتردد في قبال كثير من الأعمال، ولدى التدبّر في حقيقة ترددها نجد ان قوتين تتنازعانها، فقوة تريد لها اختيار ما ينفع ودفع ما يضر، وقوة تريد اتباع الحق والعدل. ولدى تدقيق النظر نرى ان التي يحبذ إليها النفس هي التي تدعو إلى الشهوات من المال والبنين ومظاهر الأبهة والجمال (1) ، والتي تدعو إلى الحق هي التي تدعو إلى الخير والفضيلة والوفاء وأداء الأمانة والإحسان إلى المساكين وما إلى ذلك..

ب- القوة الأولى تدعى بالجهل والهوى وحب الذات، والقوة الثانية تدعى بالعقل والعلم والضمير.

1-ان الجهل يدعو إلى المادة وما يرتبط بها ، ويدعو إلى الدنيا وما فيها ، ويزين الشهوات العاجلة للنفس، ويفضلها على الحق والعدل الشامل، و يدعو في سبيلها إلى نسيان الواجبات واغتصاب الحقوق.

2-ولذلك فإن طبيعة الجهل تمنع النفس عن التسليم للحق والهدى والطاعة لله تعالى والشكر له وإلتزام أحكامه والعمل ليوم الحساب، كل ذلك لأنها تتنافى واللذائذ التي يتعجلها حب الذات ويزينها الجهل له، وتتنافى مع كبرياء الجهل وغفلته عن المستقبل البعيد.

أما العقل فإنه يدعو إلى المثل العليا.. والخير ويفضلها على الشهوات العاجلة ، ويدعو إلى الطاعة الصادقة وأخيرا إلى الإيمان بالله سبحانه والتسليم له ما دام ذلك كله يؤدي إلى حسن الثواب وحسن المصير وما دام ذلك هو الحق والعدل اللذان يأمر بهما العقل.

ج- وليس للإنسان من عمل الا ويتأثر بنشاط إحدى هاتين القوتين ، وبمدى افساح المجال لواحدة منهما للعمل في ساحة النفس تنسحب الأخرى -للطبيعة المضادة بينهما- فإذا اختار الإنسان الجهل على العقل واطاع الهوى واتبع الشهوات وترك الحق والعدل فقد أمات عقله، لأنه لم يترك مجالا لطاعته في اتباع الهدى والعمل بالحق والعدل فيتغلب لديه الجهل على العقل. ويكون العكس تماما إذا اختار العقل على الجهل حيث لا يدع مجالا للجهل ولا لحب الشهوات العاجلة واللذائذ القريبة المتواضعة.

د- وتبقى النفس البشرية متوترة بفعل هذه المنازعة حتى يتغلب أحد الجانبين على الآخر بالعمل به أو التفكير فيه ، فإذا غلب الجهل على العقل ذهب نور العقل وطبع على النفس بطابع الكفر، وأصبح الفرد -حينئذ- لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه شيئا.

ان هذا الفرد لا يُرجى منه الخير أبدا ، إذ أن القوة التي كان يعمل بها الخير قد ذهبت إلى غير رجعة ، وتدعى هذه الحالة في منطق الدين بالجحود والعناد.. وإذا غلب العقل على الجهل تضاءل الجهل في النفس وانكمش ظل الهوى عنها، وضعف حب الشهوات فيها وكان كل نشاط الفرد ذا صبغة واحدة هي صبغة العقل ، وتدعى هذه الحالة في منطق الدين بالإيمان..

فالإيمان إذًا حالة تنشأ من توجيه كافة نشاطات النفس بالعقل وتغليب جانبه على الجهل بحيث لا تبقى له قوة توجه نشاط الفرد بتوجيه منحرف ، وهذا هو الذي يشير إليه الإمام علي عليه السلام حيث يقول: ( العقل والشهوة ضدان، ومؤيد العقل العلم ، ومزين الشهوة الهوى، والنفس متنازعة بينهما فأيهما قهر كانت في جانبه(2)

والسؤال الآن: كيف يتم تغليب جانب في النفس على جانب، وكيف يصبح فرد مؤمنا وآخر جاحدا ؟

ينبغي أولا ان نؤكد على الحرية التامة التي يتمتع بها البشر في اختيار الإيمان أو الجحود. وان ما نذكره من دوافع الإيمان والجحود لا تسلب النفس إرادتها بل لا تعدو ان تكون أداة ضاغطة عليها فقط.

بعد هذا نقول: ان الإيمان يكمل بالتسليم المطلق للحق ، ولا يتم التسليم التام لو لم يتمتع الفرد بواحدة من ثلاث: إرادة صلبة أو عقل كامل أو شهوة ضعيفة.

أ- فالإرادة الصلبة تتجاوز كل السلبيات الداخلية وتقهر النفس قهرا حتى ولو لم يكن العقل تاما أو الشهوة ضعيفة. وقوة الإرادة ناشئة عن التربية العائلية أو التربية الذاتية. فمن أراد العظائم أصبحت إرادته عظيمة هي الأخرى. والتوجيه الخارجي قد يؤثر في هذا الحقل لو ركز الموجه كل نُصحة على ثقة الإنسان بذاته وتحسسه بشخصيته مما يشحذ عزيمته ويقوي إرادته.

ب- والعقل يزيد باتباعه والتفكر في احكامه والمزيد من مدارسة العلم ومصاحبة ذوي العقول. والتوجيه الخارجي يفيد قوة للعقل بالتذكرة المستمرة بحقائق الكون واستعراض آيات الله فيها، وشرح اسمائه الحسنى.. واذا تم العقل في الفرد لم يرض لنفسه بالدنيا ولا بالمخلوق ، واستشرف الآفاق البعيدة متطلعا إلى الأهداف السامية وقال: ما دامت الآخرة خيرا لي من الأولى فإن اختياري الدنيا عجز وصغار، ومادام الله اكبر من كل شيء فإن رضاي بغير إلاها أو حبيبا غير الله ذل وخساسة، وما دمت قد خلقت لكي اكون عظيما عند الله فَلِمَ أفضل اللذات العاجلة على التقوى؟! وهكذا جاء عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: أصل ديني العقل.

ج- وانما تضعف الشهوات بتوجيه النفس إلى ابدالها. فالشهوة القصيرة الأمد السريعة الزوال المشوبة بالألم خير أم ما عند الله من النعيم الدائم الخالص؟ هكذا تقارن كل شهوة في الدنيا بلذة في الآخرة فتضعف الشهوات. والواقع ان النفس تستبدل آنئذ عنها بشهوات أسمى منها. وانما هو اختيار بين شهوتين عاجلة وآجلة تماما كمن يغري نفسه بالصحة واللذة الدائمة حينما يريد ان يتجنب ما يضر بنفسه ويقول: لو أكلت هذه اللقمة فصحيح اني سأحصل منها على لذة ولكنها ستمنع عني ألف لقمة هي ألذ وأطيب من هذه. وهكذا يفضل الآخرة على الأولى.

ولو تدبرنا قليلا في النصوص الشرعية إذًا لعرفنا ان الدين قد استخدم الطرق الثلاثة في بعث النفوس إلى الإيمان. فقد وجه الإنسان إلى نفسه وعرَّفه بكرامته عسى أن يقوي ذلك إرادته، ومن ناحية أخرى ذكره بآيات الله في الكون لكي يزيد عقله، ومن ناحية ثالثة وّجّه أنظاره إلى جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ، وأنهار من عسل لذة للشاربين، وحور عين كأنهن اللؤلؤ والمرجان، لذة للناظرين.

و كل هذه الامور تشكّل حقيقة الإيمان. وفيما يلي نص بشأنها:

(جاء في السنة المروية عن الإمام أمير المؤمنين(ع) : الإيمان على أربع دعائم؛ على الصبر واليقين والعدل والجهاد.

فالصبر منها على أربع شعب؛ على الشوق والشفق والزهد والترقب. فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار اجتنب المحرمات، ومن زهد في الدنيا استهان بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات (3) .

واليقين منها على أربع شعب: على تبصرة الفطنة وتأول الحكمة وموعظة العبرة وسنة الأولين. فمن تبصّر في الفطنة تبينت له الحكمة ، و من تبيّنت له الحكمة عرف العبرة ، و من عرف العبرة فكأنما كان في الأولين.

(1) - [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَاَبِ] (آل عمران 14) .

(2) - مستدرك الوسائل ، ابواب جهاد النفس ، باب 9 ، ح2 .

(3) - ان معطيات هذه المقطوعة تنسجم مع السبب الثالث للإيمان وهو ضعف الشهوات باستبدالها مع رغبات الآخرة، وكشف نعيمها والحذر من جحيمها والزهد عن الدنيا ترقبا للآخرة. والمقطوعة هذه آية في الروعة والعمق حيث لم تغادر واحدة من لفتات النفس الشاردة الا احصتها وجعلت أمامها ما يناسبها من تطلعات البشر نحو عالم أفضل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت