وبعد دحض الشبهات وتسفيه الأباطيل، تأتي مرحلة الهداية حيث يذكّر الداعي بالآيات، ويوجه الفرد إلى ربه، ويختلف توجيه الناس حسب اختلاف مستوياتهم وأفكارهم:
1-فقد يستدل بآيات الله الكونية كالشمس والقمر والأجرام والمنظومات والمجرات وما فيها من دقة ونظام.
2-وقد يستدل بما في جسم كل بشر وكل حي من عظيم الآيات.
3-وقد يستدل بالنفس البشرية، وانها كانت ضعيفة ثم قدرت وكانت جاهلة ثم علمت وانها تحس في واقعها بالصغار والذل أمام قوة قاهرة عالمة، فلابد ان الذي أعطاني القوة والفهم هو أقوى مني وأفهم.
4-وقد يستدل بما في الكون من نظام شامل دقيق عميق على قدرة الخالق وعلى علمه.
5-كما انه قد يستدل بما في الوجود من تناسق وترابط واتحاد في النظام على ان خالقها ومدبرها فرد احد.
هذه هي الأصول المشتركة التي توحي إلى العقل بوجود الله وما له من صفات، ونذكر هنا جملة من الآيات والأحاديث التي تعتبر نماذج حية للتوجيه إلى الخالق بهذه الطرق المذكورة.
قال الله سبحانه وتعالى: [أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا * لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا] (نوح 15-20) .
[وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ * وَمِنْ ءَايَاتِهِ مَنَامُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَآؤُكُم مِن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَمِنْ ءَايَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] (الروم 20-24) .
قال الإمام أبو الحسن الرضا عليه السلام وقد سئل عن الدليل إلى الله، قال: (اني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكنّي فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول، ودفع المكاره عنه ، وجر المنفعة إليه علمت ان لهذا البنيان بانيا فأقررت به ، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته ، وإنشاء السحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من الآيات(1) .
وقال رجل لعلي عليه السلام: يا أمير المؤمنين بما عرفت ربك؟ قال عليه السلام: (بفسخ العزم ونقض الهمم ، لما أن هممت ، حال بيني وبين همي وعزمت فخالف القضاء عزمي فعلمت ان المدبر غيري..) (2) وقال: (لو فكروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق ، ولكن القلوب عليلة والأبصار مدخولة، أفلا ينظرون إلى صغير ما خلق ، كيف أحكم صنعه ، وأتقن تركيبه ، وفلق له السمع والبصر وسوى له العظم والبشر، أنظروا إلى النملة في صغر جثّتها ولطافة هيئتها لا تكاد تنال بلحظ البصر ولا بمستدرك الفكر كيف دبت على أرضها وضنت على رزقها ، تنقل الحبة إلى جحرها وتعدها في مستقرها تجمع في حرها لبردها ، وفي ورودها لصدورها مكفول برزقها مرزوقة بوفقها لا يغفلها المنان ولا يحرمها الديان(3) .
قيل لأبي عبد الله عليه السلام: ما الدليل على ان الله واحد ؟ قال: (اتصال التدبير وتمام الصنع كما قال الله سبحانه: (لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا(4) .
وقال أمير المؤمين عليه السلام في وصيته لابنه الحسن:و اعلم يابني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ولعرفت أفعاله وصفاته ولكنه إله واحد كما وصف نفسه (5) .
ولو شئنا ان نعرض هنا ـ ولو موجزا ـ معشار آيات الله اذن لوجب ان نملأ أسفارا طوالا ، ولكننا ذكرنا جانبا من الآيات والأحاديث، لتكون هداية كافية لنا إلى كيفية الحديث حول التذكر بالله العزيز، وعلينا بعد ذلك ان نقولب كلما نملك من ثقافة ومعرفة حول النفس البشرية من آفاق المعرفة في قالب التذكر بالله.
صفات الله
لقد سبق القول في أسماء الله الحسنى، وهناك قلنا ان التفكر في الخلق يهدينا إلى ان في كل شيء مخلوق صغير أو كبير جوانب كمال وجوانب نقص، جوانب قوة وجوانب ضعف.. وقلنا ان ذات المخلوقات انما هي العجز والضعف والنقص، وما فيها من القدرة والمعرفة والكمال فهي موهوبة له من لدن القادر القوي بالغ الكمال. وعلى هذا فكلما نرى من صفة كمال في الخلق تهدينا إلى ان الله الذي وهبها يملك ما لا نهاية له منها، وكلما نرى في الخلق من صفة النقص نعلم ان بارءها منزه عنها. إذ كما سبق لا يمكن ان يجتمع النقص الذاتي والكمال الذاتي في شيء واحد، ويبين هذه الحقيقة الإمام الصادق عليه السلام حيث يقول: (اما التوحيد فأن لا تجّوز على ربك ما جاز عليك(6) . ويقول الامام علي عليه السلام: (الحمد لله الذي لا يموت ولا تنقضي عجائبه، لأنه كل يوم في شأن من إحداث بديع لم يكن الذي لم يولد فيكون في العز مشاركا، ولم يلد فيكون موروثا هالكا، ولم تقع عليه الأوهام فتقدّره شبحا ماثلا، ولم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقالها حائلا، الذي ليست له في أوليته بداية، ولا لآخريته نهاية الذي لم يسبقه وقت ولم يتقدمه زمان ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان، ولا يوصف بأين ولا بما ولا بمكان، الذي لطف من خفيات الأمور، وظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير، الذي سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحد ولا ببعض بل وصفته بأفعاله، ودلت عليه بآياته لا تستطيع عقول المتفكرين جحده لأن من كانت السماوات والأرض فطرته وما فيهن وما بينهن وهو الصانع العظيم لهن فلا مدفع لقدرته ، الذي بان من الخلق فلا شيء كمثله، الذي خلق الخلق لعبادته، واقدرهم على طاعته، بما جعل فيهم وقطع عذرهم بالحجج. فعن بينة هلك من هلك وعن بينة نجا من نجا(7) .
وهكذا تكون الوسيلة الوحيدة لمعرفة صفات الله الجميلة وأسمائه الحسنى ، تقديسه عن شبه المخلوقين ، وتسبيحه عن كل نقص يُرى فيهم ، وتكبيره عن كل عجز يوصفون به سبحانه!
الإيمان بالله
كيف يؤمن الإنسان
(1) - بحار الانوار ،ج3 ، ص 36 ، ح12 .
(2) - بحار الانوار ، ج3، ص42 ، ح17 .
(3) - بحارالانوار ، ج3 ، ص26 ، ح1 .
(4) - بحار الانوار ، ج3،ص229 ،ح19 .
(5) - نهج البلاغة ، من وصيته لابنه الحسن عليهما السلام .
(6) - بحار الانوار ، ج4، ص264 ،ح13 .
(7) - بحار الانوار ، ج4، ص264 ،ح14 .