فهرس الكتاب

الصفحة 1816 من 1942

لذلك نقول: إذا تم إدراك هذه الأبعاد الثلاثة، أمكن بعد ذلك الدخول من الباب الصحيح لسياسة الأمة، وإحداث التغيير، واكتشاف سنن السقوط والنهوض، والوسائل التي تشكل مفاتيح العمل والتعامل مع هذه الأمة، وإن أي تجاهل لمعادلة الأمة الاجتماعية، والقفز من فوق تاريخها، في الريادة والقيادة والإصلاح والتغيير أو التحديث والنهوض، سوف يبوء أصحابه بالفشل كسائر المحاولات للمشروعات المستوردة التي شهدتها بلدان العالم الإسلامي، فأهدرت طاقاته، وعبثت واستغلت إمكاناته، وانتهت به إلى التخلف والفشل، لأن مدعي التحديث والنهوض قاسوا واقعه على تاريخ غيره، بعيدا عن معطيات عقيدته وتاريخه وخصوصيته الثقافية .. والغريب أنهم لايزالون مصرين على وضع المفاتيح في الجدران الصماء، بدل وضعها في الأبواب، إنهم يمارسون على الأمة غربة الزمان وغربة المكان، وغربة المبادئ والعقائد والقيم والأديان، لذلك يضطرون لحراسة طروحاتهم ومشاريعهم الثقافية والاجتماعية المفروضة بالحراب والاستبداد السياسي.

إن عملية استقراء تاريخ الأمم والشعوب اليوم، أصبح ميسورا إلى درجة تمكن من رؤية العالم بأكثر من حاسة.

وللحق نقول: إن المعاناة التي كان يعيشها الباحث في القديم، حتى يحصل على الأحداث المتفرقة والمعلومة التاريخية هنا وهناك، ويحاول أن يجمعها وينظر فيها ويكتشف النظرة الكلية التي تحكمها، اختزلت اليوم بثورة المعلومات والإعلام، لدرجة أصبح معها تاريخ العالم حلقات متصلة يؤثر بعضها ببعض إلى حد كبير.

وقد لا يكون مستغربا، بعد أن أشرنا إلى ملامح عامة لأهمية التاريخ وبعده الثقافي والحضاري ودور الإنسان في صناعته، أن يجعل القرآن -وهو وحي معصوم من خالق الإنسان صاحب الفعل- التاريخ مصدرا للمعرفة، التي تستوعب المعلومة، وتوسع الخبرة، وتصنع الحكمة، وتحقق الموعظة، وتكون العبرة، وتغني بالتجربة، وتؤكد اطراد السنن وفاعليتها، ويستنكر على من يقعدون عن السير في الأرض، والتوغل في التاريخ والاطلاع على الأحوال، ويتعرفون على أسباب التداول الحضاري، بقوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم) (الروم: 9) .

ولم يرض القرآن للإنسان أن يكون مصورا للواقع، ومسجلا لأحداث التاريخ من الخارج، بل لفت نظره إلى أهمية النقد والتقويم التاريخي، كما لم يدعه يتيه في عملية النقد ويضل المنهج أو علم الطريق، وإنما منحه من معرفة الوحي المعيار، الذي بموجبه يقوم، والسراج الذي يستنير بضوئه، وقدم له نماذج عملية تدريبية من القصص القرآني في التعليل وبيان الأسباب، وما صارت إليه من النتائج أو من العواقب، ليكتسب المنهج في البحث، ويأخذ حذره .. فالإنسان الحر المختار هو الذي يصنع التاريخ، ويدرك الخطأ ويقومه، ويمكن أن يتشكل بالثقافة التاريخية، التي تعتبر من أهم موارد التشكيل الثقافي، لكنه لا يقع أسيرا لها، لما يملكه من معيار الخطأ والصواب، الذي تمنحه معرفة الوحي، والقصص القرآني بشكل خاص.

وقضية أخرى قد تكون جديرة بلفت النظر إليها في إطار المعطيات القرآنية للوعي التاريخي، واعتبار التاريخ مصدرا للمعرفة، والتأكد من صدقية السنن والقوانين التي تحكم الحركة التاريخية، في مقدماتها ونتائجها وعواقبها، وهي أنه من المعروف أن للإسلام رؤيته وفلسفته للكون والإنسان والحياة، أو هو دين انتظم قيم الحياة بكل أبعادها الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية …إلخ، لذلك نرى أن القصص القرآني والنماذج المطروحة من خلالها، أو مفهوم التاريخ بالمعنى القرآني، غطى المساحات والأنشطة الحياتية جميعها، وقدم نماذج في مجال الاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، والانحراف السلوكي، والصراع الطبقي، والانحراف الفكري والثقافي، والتقليد الاجتماعي، والفساد الاقتصادي، والترف الحياتي، وقدم لذلك نماذج، وحكى قصتها، والعواقب التي انتهت إليها .. قدم نماذج لمسالك أفراد وأمم، وأقوام وأسر، وحكام ومحكومين، وحوارات متعددة بين الملك والجمهور، وبين الضعفاء والذين استكبروا، بحيث تمحورت حركة التاريخ على قضية الإيمان والكفر، ولو تعددت صورها واختلفت أشكالها.

وبذلك نقول: إن القرآن الكريم في مجال الإفادة من البعد التاريخي، قدم للمسلم خبرات وتجارب وعبر وثقافة تاريخية، في مجالات الحياة جميعها، بالقدر الذي يشكل له زادا كافيا، ودليلا هاديا، يمكنه من استيعاب الحاضر ورؤية المستقبل، في المجالات جميعا.

من هنا نقول: إن الفهم الإسلامي للتاريخ لا يقتصر على مجرد ذكر الأحداث السياسية، أو الاكتفاء بتسجيل تاريخ الحكام، أو تتبع تفاصيل المعارك العسكرية، أو الصراع على السلطة، وإنما يتجاوز ذلك إلى تغطية كل المساحات الحياتية بأنشطتها المختلفة، السياسية والثقافية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية، أو بتعبير أشمل المجالات الحضارية، لأن التاريخ الحقيقي للأمم هو التاريخ الثقافي .. فالثقافة دائما تمثل الحقيقة، والسياسة تمثل الصورة .. وكثيرا ما وقع الانفصال في تاريخ الأمة بين التاريخ الثقافي والتاريخ السياسي، أو بتعبير أدق انفصل السلطان عن القرآن، فغاب واندثر تاريخ السلطان، واستمر عطاء تاريخ القرآن وحملته العلماء الأعلام.

ولعل مما يميز النظرة الإسلامية للتاريخ، أو للثقافة التاريخية المطلوبة لتربية الأجيال -حتى تحقق العملية التربوية والتعليمية بعدها المطلوب- أن المعيار الإسلامي في النقد والتقويم التاريخي أو في الصناعة التاريخية، توجه إلى تقدير الأعمال والإنتاج، ولم يركز على تقدير وتعظيم الأشخاص، وإعادة بناء الصنمية بشكل أو بآخر .. إنه يمجد البطولة كصفة لابد من التطلع والنزوع إليها من الناس جميعا، ولا يقدس البطل ويحصر البطولة في إطاره، ويجعلها حكرا عليه، لتصبح مطلبا شعبيا .. لذلك نرى في التاريخ الإسلامي، إذا ذكر أبو بكر رضي الله عنه، ذكر الصدق والشجاعة في الحق .. وإذا ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذكر العدل، والتواضع، والتزام الحق .. وإذا ذكر عثمان رضي الله عنه، ذكر الحياء .. وإذا ذكر علي رضي الله عنه، ذكر العلم والحكمة .. وإذا ذكر خالد رضي الله عنه، ذكرت الشجاعة والإقدام في سبيل الله … إلخ.

كما أن القرآن الكريم حاول إنقاذ المسلم من الوقوع في الأسر الثقافي للتاريخ، وخلصه مما يمكن أن يسمى"الآبائية"أو"المواريث الضالة"، ومنحه المعيار الدقيق للقبول والرد، وأن وجود الفعل التاريخي ووقوعه لا يعني بالضرورة صوابه وصدقه، فلابد من الاختبار للميراث التاريخي، وتحكيم القيم المعصومة في النظر إليه.

لذلك نعى الله سبحانه وتعالى على الذين يعطلون معايير النظر والتقويم، ويقعون أسرى للميراث الثقافي، ويقبلونه بدون نظر، بقوله: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) (المائدة: 104) .

وهكذا يتحول التاريخ والوعي التاريخي، أو إن شئت فقل: الثقافة التاريخية الخاضعة للنقد والتقويم، إلى مورد من أهم موارد التشكيل الثقافي والتربوي للأجيال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت