فهرس الكتاب

الصفحة 1889 من 1942

إن التحقق بامتلاك الأدوات المناسبة لاكتشاف مواطن الخلل التي أدت بالأمة المسلمة، والفرد المسلم قبل ذلك، إلى هذا التراجع والتقهقر والتخلف على غاية من الأهمية، وهو شرط لا مندوحة عنه في محاولتنا الخروج من غرف وحالات الانتظار، وماتورثه من تواكل وذل وعجز وخذلان، إلى أرض الله الواسعة، وإعادة التقويم للإمكانات والاستطاعات، والتفكير بكيفيات توظيفها، والخروج بها إلى الموقع المجدي، وإحياء وإشاعة ثقافة السنن والقوانين التي تحكم حركة الحياة والأحياء، واكتشافها، وحسن التعامل معها، ومدافعة قدر بقدر.

إن عدم توفر الأدوات، بسبب غياب التخصصات العلمية بشعب المعرفة جميعًا، أدى إلى الكثير من سوء التقدير للأمور وكيفية التعامل معها، ودفع إلى الكثير من الهياج والغوغائية ودفقات الحماس، أو ومضات الحماس، والتحرك الأعشى تحت رايات عُمِّيَّة، التبس أمرها وقرئت بأبجديات مغلوطة، فكانت سببًا في هدر الإمكانات وبذل التضحيات الكبيرة في المعارك الخطأ، التي ما نزال نُستدعى إليها لتصفية الحسابات بدمائنا، دون أن يكون لنا أي نصيب - إلا أن نُحاسب على نوايانا- هذا إضافة إلى ما يكون بعدها من التجريم والمطاردة والملاحقة وانكشاف المواقع؛ وقد يستوي في ذلك المهاجر من الوطن والمهاجر في الوطن.

وفي تقديرنا، أننا ما نزال نمارس الكثير من الهجرة الخطأ (بالمفهوم العام للهجرة) في حياتنا وحركتنا، وتوظيف إمكاناتنا، وتوجيه طاقتنا، سواء كان ذلك في الوطن، بالمفهوم الجغرافي، أو في الهجرة إلى خارج الوطن (والدنيا كلها وطن للمسلم) ، ومع ذلك نتطلع إلى نتائج الهجرة وثوابها.

إن التعرف على السنن التي تحكم الحياة والأحياء - بحيث تأتي الهجرة حركةً منسلكة ضمن منظومتها- لا يمكن أن تتحقق ما لم تتم النفرة أو الهجرة لاستكمال شعب المعرفة جميعًا وتوفير الاختصاصات العلمية والتجارب العملية التي تتطلبها الحياة؛ لأن هذه الاختصاصات هي بمثابة الحواس المتنوعة المطلوبة لتشكيل العقل المسلم المعاصر.

فكما أن الذوق واللمس والشم والسمع والبصر كلها حواس ونوافذ للعقل يطل منها على العالم الخارجي، ومصادر للمعرفة تمكِّن العقل من بناء القرار والتزام السلوك في الحركة وإبصار الأهداف والهجرة إليها، فكذلك الحال بالنسبة إلى الاختصاصات في شعب المعرفة المختلفة، وأهميتها بالنسبة للتعامل مع الحياة، والارتحال المبصر إلى أنشطتها، واستكمال وظائف المجتمع ومتطلباته، وإحياء فروض الكفاية، بعيدًا عن الارتجال والارتحال الغلط، أو الهجرات العُمِّيَّة التي تمارس في كثير من جوانب الحياة الإسلامية اليوم.

ولعل الأمر المفزع والمنذر بسوء النتائج والمزيد من التقهقر والتخلف، أن الكثير ممن أفنوا أعمارهم في تحصيل بعض تلك الاختصاصات العلمية والمعرفية وتأهلوا وهاجروا إليها ليكونوا في خدمة أمتهم ومجتمعاتهم الإسلامية في استيفاء وظائف المجتمع، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، والحيلولة دون هجرة (الآخر) إلينا لملء الفراغات، وما يحمله ذلك (الآخر) من التأثير الثقافي والفتن العقدية والسلوك المنحرف، إذا بهم يهجرون اختصاصاتهم، ويعجزون عن وضعها في خدمة عقيدتهم وأمتهم، وحسن توظيفها منابر فاعلة مؤثرة في المجتمع، يهجرونها إلى منابر الوعظ والإرشاد وصناعة المشيخة، ليكون الناس في خدمتهم، ويقدمون على أعمال لا يمتلكون أبسط أدواتها ولا مقوماتها.

وقد يدلل هؤلاء بذلك على أن المجتمع المسلم هو مجتمع فوضى واضطراب وعبث، وأن الإسلام محصور بمساحات جغرافية وثقافية محدودة، ولا مانع عند الكثير منهم أن يدعو من على أعلى المنابر أن الإسلام دين ودنيا، إيمان وعلم، أخلاق وتربية، شريعة وعقيدة، مسجد ومعمل، جامع وجامعة... وكأن هذا الكلام أصبح مادة للخطب والاستهلاك الجماهيري وليس للتمثل والالتزام... وهكذا يشيع فينا القول السائر: «اقرأ تفرح، جرب تحزن» ... ويستمر الخلل في الهجرات في مراحل التخلف، وفهم التخلف للنصوص، وكأن حديث الهجرة إنما جاء لغير المسلمين (!) فحديث الهجرة وغيره من الأحاديث والآيات لمن يفيد منها ويحسن التعامل معها، وليس تميمة تعلق على المنابر، وبعيدًا عن واقع الأمة ومتطلباتها.

إن العجز عن فهم آفاق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والعجز عن تمثلها وتجسيدها في كل المواقع، وتقديم الأنموذج الذي يثير الاقتداء في جميع أنشطة الحياة وتخصصاتها، وامتلاك القدرة على توليد رؤى إسلامية متميزة في المجالات المتعددة، والاستمرار في محاصرة أنفسنا بالضخ الكلامي والتحشيد الحماسي والوعظ والخطب والإرشاد، بعيدًا عن تنزيل ذلك في ميادين الحياة المختلفة، لتتحول الحياة والتخصصات إلى حياة إسلامية متميزة تثير الاقتداء، بحيث ندعو الناس بسلوكنا وتصرفنا وتخصصنا، ونحسن جعل العمل والتخصص في خدمة الدعوة، فسوف ينتهي بنا إلى الخلل في معادلة الهجرة الشرعية.

إن الخلل في إدراك ثقافة الهجرة وفقهها -إن صح التعبير- سوف يؤدي إلى نوع من الحركة العبث بحيث تهاجر الطاقات إلى غير مواقعها ومواطنها، سواء في ذلك الهجرة في الوطن أو الهجرة إلى خارج الوطن؛ لأن ثقافة الهجرة وإدراك أبعادها ما تزال غير نضيجة في رؤيتنا للحياة، وإمكانية القدرة على التوليد والإنبات في كل الظروف والأحوال والمواقع.

فالهجرة في أبسط مفهوماتها هي إخلاص القلب، وعزيمته على فعل مستقبلي، برؤية واضحة المعالم وفقه كامل للتداعيات: «...فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (أخرجه البخاري) .

نعود إلى القول: إن الهجرة حركة إيجابية، وخطة استراتيجية، ورؤية مستقبلية، واختيار للموقع الفاعل، وتحول إلى الفعل المجدي، وتجاوز لحالات الحصار والعطالة والعقم؛ فهي حركة دعوية، وعمل جهادي قد يرقى إلى مستوى التضحية بالروابط الأسرية أو القبلية أو الوطنية، ولو بشكل مؤقت؛ وهي تحرف لقتال، وتحيز إلى فئة، وليست هروبًا من المعركة وتولٍ عن الزحف؛ لأن فيها مراغمة للأعداء، وتعالٍ عن جميع الروابط القسرية، والارتقاء إلى الروابط الاختيارية، التي تتحقق بها إنسانية الإنسان وكرامته وانعتاقه من العبودية لغير الله.

والمسلم بشكل خاص لا يعاني من أزمة الاغتراب؛ لأنه يعتقد أن الأرض كلها لله، يورثها من يشاء من عباده، وأن من السنن الماضية في هذه الحياة ما ورد في قوله تعالى: (( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنَّ الاْرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ ) ) (الأنبياء:105) ، فالوراثة الحضارية والأحقية في الأرض منوطة بامتلاك صفات وخصائص ومؤهلات الصلاح، إضافة إلى أن المسلم يحمل رسالة ذات خطاب عالمي، رسالته عالمية، وأن من مسؤوليته إيصال هذه الرسالة إلى أنحاء الأرض كافة، إيصالًا للخير للعالمين، استجابة لقوله تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ ) ) (الأنبياء:107) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت