فهرس الكتاب

الصفحة 1890 من 1942

فالهجرة هي نوع من الامتداد بالرسالة الإسلامية بغية إيصالها للناس جميعًا، استجابة لخبر الصادق الصدوق صلى الله عليه وسلم أنه: لا تقوم الساعة حتى يصل الإسلام إلى كل بيت من حجر ووبر، بعز عزيز أو بذل ذليل: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلامَ وَذُلًا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ» (أخرجه أحمد) ، وأن هذا الوصول سوف لا يتحقق إلا بعزمات البشر وفعلهم وانتقالهم صوب (الآخر) لإيصال الخير إليه.

يضاف إلى ذلك أن الهجرة هي تعال عن الواقع، وتجاوز للظروف، وفك للقيد، وخروج على حالة الاستضعاف والذل، والاستضعاف الذي يمارسه الطغاة، لذلك اعتُبر المستكين للذل، المستسلم للظلم، ظالمًا لنفسه، فاقدًا للحيلة والفاعلية؛ لأن أرض الله واسعة، والهجرة هي المخرج، لأنها تحول من العجز والتخاذل إلى الفاعلية والعطاء وحرية العقيدة والعبادة، قال تعالى: (( ياعِبَادِىَ الَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَاعْبُدُونِ ) ) (العنكبوت:56) .

وهذه المعاني، التي أشرنا إلى بعضها، ليست نظرية أو مجردة عن الواقع، فالتاريخ، وهو المختبر الإنساني الحقيقي لفعل السنن الاجتماعية والتدليل على اطرادها، يشهد ويؤكد أن الهجرة حققت نشر الرسالة، وتحصيل القوة، ومراغمة الأعداء، والخلوص من حالة الركود والاستنقاع، والخروج من حالة الاستضعاف والضيم، وأن جيل الصحابة انطلق في الأرض بمختلف تضاريسها ومناخاتها لنشر الإسلام وإيصاله للناس، حتى أننا لنرى اليوم أن أكثر من أربعة أخماس العالم الإسلامي إنما تحقق له الإسلام بوساطة الهجرات، بل إن بعض المناطق في إفريقيا لم يستقر الإسلام فيها ويستمر فتحًا، وإنما كان لابد لاستقراره واستمراره من الهجرة والإقامة والتزاوج، وبذلك استقر واستمر، وما الواقع الإسلامي على خارطة العالم اليوم إلا مصداق ذلك.

وتبقى مرحلة السيرة، فترة معصومة في تاريخنا، تشكِّل مصدرًا للتشريع والثقافة والخلود، الذي يعني التجرد عن حدود الزمان والمكان والإنسان، تبقى دليلًا خالدًا على أن الهجرة إلى المدينة، الأنموذج المحتذى، كانت إيذانًا بقيام الدولة وتشكيل الأمة وبناء المجتمع، وكانت أعلى أنواع الجهاد، وأن الهجرة إلى الحبشة كانت عبرة وسببًا في إيمان ملكها حتى فاضت عيناه من الدمع عندما سمع ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم لما عرف من الحق.. ويبقى ذلك قرآنًا يتلى، وبصيرة للمسلم، وعبرة للحاضر والمستقبل معًا.

وإذا كانت الهجرة جهادًا، بل قد تكون -كما أسلفنا- من أعلى أنواع الجهاد، وأن القصور عنها خروج عن الطاعة ومدعاة لغضب الله ووعيده وإنزال عقابه: (( فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) ) (التوبة:24) ، وأنها معركة بكل معنى الكلمة، تقتضي امتلاك شوكتها، والتخطيط الكامل لها من التحرف لقتال، أو التحيز إلى فئة، وأن القعود عنها عند الحاجة إليها أشبه بالتولي يوم الزحف، فإن التفكير والتخطيط والاختيار والموازنة، واتخاذ الأسباب، ودراسة الظروف، وتقدير التداعيات، واختيار الزمان والمكان، وإبصار البعد المستقبلي كاملًا، يعتبر من مقتضيات الهجرة؛ لأنها ليست حركة انتقال عشوائي، وإنما هي أمر شرعي تكليفي: «... فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (أخرجه البخاري) .

وما حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة ونهيه عن الهجرة، والدعوة إلى البقاء أو التثبت في الأرض، والتحمل، والمجاهدة، إلا دليلًا على أن الهجرة بظروفها وأحكامها رؤية رسالية مبصرة، يقول صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيَّة» (أخرجه البخاري) .. فكثيرة هي الهجرات المعاصرة، التي جاءت في الزمان والمكان الخطأ، حيث تم ترك الأرض وإخلاؤها للعدو، فكانت من الكوارث؛ وكثيرة هي الهجرات التي حققت الإنجاز والتجاوز لحالة الركود والاستضعاف وكانت سببًا في السعة وإرغام العدو الذي كان يمارس الظلم: (( وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الاْرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ) ) (النساء:100) .

من هنا نقول: لابد من إعادة النظر في أحكام الهجرة، أو بتعبير أدق: في فقه الهجرة، وطبيعة الظروف المحيطة، وطبيعة الظلم، كما لابد من إعادة النظر فيما يسمى «الفقه السياسي التاريخي» ، الذي كان يشكل نقطة الارتكاز للهجرة، بشكل خاص، وتقسيم العالم إلى دار كفر ودار إسلام، كأمر جغرافي واقعي، وخطورة الاستمرار في حفظ الأحكام الفقهية ونقلها دون التبصر بمحالها وظروفها وشروط تنزيلها، والذي من مقتضياته أن ترك دار الإسلام والهجرة إلى دار الكفر والعيش فيها لا يجوز (!) فأين دار الإسلام بكل شروطها المطلوبة لتُحدد على أساسها دار الكفر؟ وأين العدل والحرية المتميزة وتطبيق الأحكام الشرعية في كثير من بلاد المسلمين لنطلق الأحكام بعدم جواز الهجرة؟

إن الإنسان المسلم كثيرًا ما يتمتع بأقدار من الحرية والحق الإنساني والقدرة على تحصيل العلم والمعرفة، وتتاح له مجالات الحوار الفكري والدعوة إلى الله في ما يسمى (دار الكفر) بما لا يتمتع به في ما يسمونه (دار الإسلام) : «إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فألحقوا ببلاده ...» .. وهذا ليس حدثًا تاريخيًا انتهى في زمانه بل سنَّة هجرة ممتدة، أو قانون هجرة ممتد، خالد خلود الإسلام ورسالته، فقد يستطيع الإنسان أن يقول في الشارع أحيانًا فيما يسمى دار الكفر ما لا يستطيع قول بعضه في بعض بلاد المسلمين اليوم.

لذلك نقول: لابد من إعادة النظر في فقه الهجرة، والنظر في أبعاد الحالة من كل الوجوه .. ولو افترضنا أن هذه الأحكام صماء جامدة فاقدة للحكمة والمرونة وشرائط التنزيل، فكيف يصل الإسلام إلى (الآخر) ويستقر في تلك البلاد ويستمر عطاؤه؟ هذا إضافة إلى أن الأمر في عصر القرية الإعلامية لم تعد تحكمه الجغرافيا، بكل معنى الكلمة، فلم يعد هناك دار متمحضة للكفر وإنما أصبح الوجود الإسلامي قائمًا ومتميزًا في أكثر بلدان الدنيا، وأصبح له مراكز ومؤسسات، ولم يعد طارئًا أو عارضًا وإنما مستقرًا ومستمرًا.

وهذه القضية تقتضي تفكيرًا في كيفية التعامل مع الظروف والملابسات، واختيار وسائل الدعوة المناسبة (للآخر) الذي اعتبره بعض الفقهاء يمثل أمة الدعوة، بينما يمثل المسلمون أمة الإجابة، بعيدًا عن التقسيمات الجغرافية الأرضية والتحول إلى الجغرافيا الثقافية، إن صح التعبير.

وليس من قبيل التكرار أن نؤكد أن المسلم لا يعاني من عقدة الاغتراب؛ لأنه يعتقد أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وأن وطن المسلم عقيدته، وجنسيته ثقافته، وهويته قيمه وأفكاره، وأن الإسلام ليس حكرًا على أرض أو قوم أو لون أو جنس، وبذلك فإن المسلم الملتزم بقيم الإسلام وأخلاقه وتسامحه وإنسانيته لا يشكل استفزازًا في مهجره، لونيًا أو عنصريًا أو قوميًا، بل يمتلك الكثير من أدوات التواصل والانسجام والاندماج والوسائل المقنعة في دعوة (الآخر) ، الذي لا يلبث أن يصبح من أمة الإسلام ويساهم بمستلزمات أخوة الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت