من هنا نقول: إن المسلمين في المهجر ليسوا جسمًا غريبًا أو جزرًا منفصلة؛ لأن الكثير من أبناء البلاد الأصليين اعتنقوا الإسلام؛ ولأن الإسلام يمثل سقفًا عالميًا يظل الجميع، ومشتركًا إنسانيًا يستوعب عطاء الجميع، وليس عقيدة مقفلة متعصبة على جنس أو لون أو فئة أو طائفة أو قوم.. لذلك نجد الكثير من المقدمات الفكرية الخاطئة تؤدي إلى نتائج وأحكام خاطئة.
فالإسلام لا يقابل الغرب، ففي الغرب إسلام وفي الغربيين مسلمين، والإسلام لا يقابل الرجل الأبيض أو الأسود أو المرأة أو الأغنياء أو الفقراء، ففي الإسلام الأبيض والأسود والمرأة والرجل والغني والفقير، والإسلام ليس حكرًا على المهاجرين من دون الآخرين، وإنما هو مجتمع مفتوح للجميع .
من هنا ندرك أهمية البعد الرسالي للهجرة، وندرك مدى إمكانية التكيف والقدرة على إجهاض النزعات العنصرية المتطرفة والمغلقة ضد الإسلام والمسلمين، فالهجرة من أهم وسائل الدعوة والحركة والنصرة والعطاء وإيصال هذا الدين إلى كل بيت حجر أو وبر ليعود أهله مسلمين، لذلك فالهجرة جهاد بلا شوكة، بل هي من أعلى أنواع الجهاد، فإذا كانت ساحة الجهاد العسكري ميدان معركة محدودة بأرض وعدو وزمن، فإن ميدان الجهاد بالهجرة هو الحياة بكل آفاقها وأمدائها.
والهجرة محكومة بمصلحة الدعوة إلى الله وحمل الخير للعالم، فهي في مرحلة لابد أن تعلو على جميع روابط النسب والأرض والعلاقات الاجتماعية واللذائذ الدنيوية وحظوظ النفس، وأن عدم الاستجابة لها محل لسخط الله وتهديده ووعيده، قال تعالى: (( قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) ) (التوبة:24) ، لكنها في حالة أخرى، بعد الفتح، منهي عنها، وممارستها مخالفة لأمر الله؛ لأن مصلحة الدعوة هي في التثبت في الأرض والدفاع عنها وعدم إخلائها للعدو، وهي عندي أشبه بالمعركة ذات الشوكة التي يحكمها قوله تعالى: (( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الادْبَار(15) وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفًا لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ )) (الأنفال:15-16) .
فأحكام الهجرة، كما أسلفنا، ليست جامدة مغلقة، وإنما هي محكومة بالمصلحة الإسلامية، محكومة بعلتها، ومحكومة بتوافر الشروط لتنزيلها على الواقع. لذلك فتعميم الأحكام على كل الحالات هو نوع من العامية الذي يقود إلى عمى الألوان وعدم التمييز . فقد تكون فرضًا مأمورًا به، وقد تكون أمرًا منهيًا عنه، ويبقى السير في الأرض واستيعاب العالم وتجاربه وتاريخه وحاضره وفهم واقعه سبيلًا لتحقيق عالمية الدعوة، وتوصيل الخير إلى جنبات الأرض، لذلك فالنظر لموضوع الهجرة من خلال البعد السلبي الذي يعني الهروب والانسحاب والانجذاب (للآخر) وجعل ثرواتنا وطاقتنا في خدمته وخدمة حضارته، هو نظر كليل ساذج لظاهرة الهجرة، وخروج بها عن أبعادها ومقاصدها.
ونحن هنا لا نقلل من خطورة الظواهر السلبية للهجرة والأسباب التي أدت إلى طرد الكفاءات من عالم المسلمين، من الاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، وانعدام الحرية وتكافؤ الفرص، وتقديم أهل الثقة وطرد أهل الخبرة، والنزف الكبير العشوائي وغير المخطط أو المبرمج، الذي ترتب على الهجرات إلى (الآخر) ، وكيف استطاع (الآخر) الإفادة منها، لكننا نقول: إن هذه الهجرات، أو هذا الرصيد من السواعد والكفاءات، أو الأدمغة والتخصصات العلمية، بقدر ما يشكل ظواهر سلبية أفرزتها حالات التخلف والاستبداد السياسي في العالم الإسلامي بقدر ما يشكل رصيدًا حضاريًا، ومخزونًا علميًا تخصصيًا، وإمكانًا ثقافيًا، وثقلًا بشريًا، ووزنًا سياسيًا، لو أعاد قراءة ذاته وأدرك رسالته الإنسانية وقدرتها على العطاء، واستلهم قيمه وتجربته التاريخية، لتحول إلى مواقع قوة وتأثير وعطاء لموطنه ولمهاجره على حد سواء.
وفي ضوء ذلك وبعض تداعياته:
أليس من الممكن اليوم اعتبار خروج بعض الأصوات الجديدة في أوروبا عامة لنصرة القضايا العربية والإسلامية العادلة، والتفهم الصحيح للمشكلة الفلسطينية والمقاومة المشروعة، هي بعض بشائر معطيات الوجود العربي الإسلامي في الغرب؟
فالهجرة تبقى محكومة في نهاية المطاف بثقافة الإنسان وفاعليته واستشعاره بمسؤوليته وتحقيق هدفه، فالإنسان «الكَلْ» هو وسيلة استهلاك (للآخر) ، والإنسان «العَدْل» هو وسيلة إنتاج قادرة على الإنبات في كل المواقع، سواء هاجر من الوطن أو هاجر داخل الوطن، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه.
إن هذا الرصيد الثقافي والحضاري للمهاجرين، وما تحقق له من الانتشار بين أبناء المهجر أنفسهم، والاستقرار والاستمرار، مؤهل لتوهين عصا الظلم، منسأة الاستبداد، التي يتكئ عليها الطغاة، ومعالجة أزمة الحضارة بقيم الإسلام، دين الإنسان.. فالهجرة سعة وتحرر وتجاوز لحالة الضعف والذل، وسير في الأرض، واستيعاب للعالم والسنن الاجتماعية، والتعرف على كيفية توصيل الخير إلى الآخرين، ولعل من أبرز أهدافها أو نتائجها هي مراغمة الأعداء المتربصين بالأمة وقيمها ونشر الخير في العالم، وإيقاف عمليات الإكراه والإجبار وإهدار كرامة الإنسان وإلغاء إنسانيته تحت شعار: (( وَالْفِتْنَةُ(الإكراه) أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ )) (البقرة:191) ، لأنه لا قيمة للإنسان بلا خيار.. فهل يكون المهاجر رسولًا لهذه القيم؟
ونقول: إنه لمن المؤسف حقًا - ولعل هذا من ثمرات التخلف أو القراءة المتخلفة للظواهر الاجتماعية- أن لا نرى من الهجرة إلاّ الوجه السلبي، ونرصد ظواهرها، ونتألم لآثارها على بلادها، دون أن نبصر أسبابها الحقيقية، وأبعادها الإيجابية، ونتائجها الممكنة، ورسالتها الحضارية، ومردودها على بلدها ومهجرها، وكيفية تحويلها من نقمة عند من لا يرى إلا الوجه المظلم إلى نعمة، بما تمتلك من رصيد علمي ومعرفي وتخصصي وخبراتي، ذلك أن التحركات البشرية وموجات الهجرة من سنن الاجتماع.
إن فقه الهجرة وكيفية تنزيل أحكامها على واقع الناس، والوعي بظروفها وتداعياتها، ووضوح البعد الرسالي للمهاجر في وطنه وفي بلد المهجر على سواء، ليس بالأمر الهين، وقرارها ليس بالأمر السهل. وقد أتينا على أنموذجين من السيرة، في الأول توعد ووعيد للمتخلفين عن الهجرة، واعتبار ذلك مدعاة لسخط الله وعذابه: (( فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) )؛ لأن في الهجرة جهاد ونصرة وسعة ومراغمة للعدو، وفي الثاني نهي عن الهجرة، واعتبار البقاء والمجاهدة والبناء والمدافعة جهاد: «فلا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» ، وفي كلا الأمرين كان التأكيد على النيَّة، التي تمثل البعد الرسالي، واضحًا وحائلًا دون الحركة العشوائية أو ذات المنفعة القريبة.