فهرس الكتاب

الصفحة 1915 من 1942

وبالإمكان القول: إن نمو الفقه التشريعي، والتبحر فيه، وإنتاج هذه الثروة الضخمة التي تفتقدها الأمم الأخرى، وما حققه من الحماية والمناعة التشريعية والعطاء القانوني، يعتبر من المفاخر الثقافية والتشريعية والقانونية والاجتهادية، وأنه إنما جاء وامتد وتولد كثمرة للوجود الواقعي الإسلامي، وأن الدولة والأمة المسلمة في عصورها الزاهرة كانت تتوفر في ظل الإسلام واستقرار نظامه وأحكامه على وظائف المعارف الأخرى عمليًا في المجالات جميعًا ولو لم تفرد بتعاريف ومصطلحات ، لأن وظيفة هذه المصطلحات كانت متوفرة وقائمة، حيث كان المسلمون في موضع العطاء، لذلك لم تكن الحاجة قائمة لفقه مؤسس في المجالات الأخرى.

فوظيفة المصطلح ومدلوله موجودة، وإن غاب المصطلح نفسه. ولعل الإشكالية أصبحت اليوم بوجود المصطلح والجدل حول مفهومه في الحضارة المعاصرة على حساب مدلوله ووجوده العملي.

والحقيقة العملية التي لا بد من تسجيلها أن الفقه التشريعي الذي أنتجه المسلمون من نصوص الوحي، شكَّل ولا يزال الترسانة القانونية والتشريعية أمام الفكر القانوني الوافد المؤيد بالقوة والسطوة والطغيان، ولم يمكن تجاهله في الأنشطة القانونية المختلفة على الرغم من ضعف الأمة المسلمة وتقهقرها، بل نستطيع القول: بأنه كان من أهم مرتكزات الحماية والمناعة الحضارية للأمة.

لذلك نرى اليوم، على الرغم من محاولات تغييب الشريعة عن واقع الأمة، لأسباب وذرائع واهية، من عدم تحضير المجتمع وتوفر مؤهلاته، فإن الفقه التشريعي ما يزال يفرض وجوده وعطاءه واستمراره بقوته الذاتية.

وفي تقديرنا أن دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل، فأصبح ببركة دعائه صلى الله عليه و سلم وتوجيهه حبر الأمة وفقيه الصحابة، ليكون ذلك قدوة ووجهة لكل مسلم. فإن الفقه في الدين، فيما نلمحه من هذا الدعاء، يعني الفقه الشامل لكل جوانب الحياة شمول الدين نفسه، وأن الجزء الثاني من الدعاء: (وعلمه التأويل) ، ليس المقصود بالتأويل هنا التفسير والبيان والاستنباط فقط، وإنما الفقه الاجتماعي والحضاري الذي يدرك السنن الفاعلة في الحياة وتحولاتها الاجتماعية وقانون الحركة الاجتماعية والتاريخية، ويبصر بالمآلات والعواقب والنتائج، التي توصل إليها المقدمات: (وعلمه التأويل) .

فالحياة ليست عبثًا، وإنما هي خاضعة لسنن لا بد من إدراكها ومعرفة مدى إمكانية الإنسان المداخلة فيها، ومدافعة سنة بسنة.. والذي لا يدرك السنن ولا يقدر التداعيات ولا يبصر العواقب والتأويل (المآل) ، فمن أين له الفقه، ولو حفظ جميع المتون، فإنه لا يخرج عن أن يكون أحد الكتب أو الموسوعات، أو (الكاسيتات) بالتعبير المعاصر.

إن العلم بالعواقب والمآلات وتقدير التداعيات واستيعاب السنن الفاعلة، هو الفقه الحقيقي الغائب اليوم بالأقدار المطلوبة عن حياة المسلمين الفكرية والثقافية، أو ما يمكن أن نطلق عليه بالفقه الحضاري أو الفكر الاستراتيجي.

إن اقتصار مفهوم الفقه على المدلول الاصطلاحي (الفقه التشريعي) ، أدى إلى اختزال آيات القرآن والاقتصار على آيات وأحاديث الأحكام، دون سواها من سائر القرآن، وكأن بقية الآيات إنما تنزلت للتبرك ولا أحكام فيها، وبذلك غابت الكثير من الجوانب الحياتية عن مجال الفقه، أو غاب الفقه عنها، ومن أخطرها الفقه الاجتماعي والتربوي، أو فقه السقوط والنهوض، أو ما يمكن نطلق عليه: فقه السنن.

لذلك نرى غلبة المدلول الاصطلاحي على الاستدلال في بعض الآيات القرآنية التي يمكن أن تكون واضحة الدلالة والسياق في المجال الاجتماعي، مثل قوله تعالى: (...فاعتبروا يا أولي الأبصار ) (الحشر:2) . فقد وردت الآية لتحكي قصة يهود بني النضير في سورة الحشر، وأن ما حل بهم من الإخراج والتشريد كان بسبب ما فعلوه، وخاطب الله المؤمنين بقوله: (فاعتبروا يا أولي الأبصار ) ، ليكون المسلمون على حذر وعبرة، فلا تنتقل إليهم علل الأمم السابقة، فيحل بهم ما حل بها. ومع ذلك اقتصر الاجتهاد في هذه الآية على استنباط دليل الفقه التشريعي، فكانت أحد أدلة القياس عند علماء أصول الفقه، علمًا بأن دليل القياس التشريعي يعتبر أحد مدلولاتها وليس غاية مقصدها.. فالقضية واضحة أشد الوضوح في أنها دليل أو أصل في الفقه الاجتماعي والسياسي والحضاري، ومع ذلك نجد أن الاستدلال بها ذهب إلى مجال الفقه التشريعي!

ولعل في الإطار نفسه يمكن أن ننظر إلى قوله تعالى: (... فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) (التوبة:122) ، فالفقه في الدين بعمومه وشموله لا يقتصر على الفقه التشريعي، وإنما له شموليته التي يقتضيها شمول مفهوم الدين في الإسلام، وهو ما أطلقنا عليه مصطلح: الفقه الحضاري.. والفقه التشريعي كيان من كياناته.. والتعبير بالنفرة والتعبير بالحذر: (لعلهم يحذرون ) قد يكون أقرب للفقه الميداني والاجتماعي والسياسي والحياتي، الذي يحقق المعرفة من دراسة الواقع وينذر من العواقب ويحذر منها، منه إلى الاقتصار على حفظ النصوص الذي سوف يؤدي إلى فقه الكتب والأوراق، إذا لم يترافق مع النفرة الميدانية الواقعية، خاصة إذا علمنا أن مصطلح النفرة غالبًا ما يستعمل للدلالة على سرعة الاستجابة لداعي الجهاد ودخول الميدان.

كما أن الآية في بعض أبعادها تدعو إلى النفرة للتخصص، والتفقه بكل شعب المعرفة، وربط الإيمان بالعالم: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) ، وربط الإخلاص والإيمان بالاختصاص والخبرة، فكل مؤمن عليم وخبير بتخصص من المعرفة هو فقيه ومستنفر لتحقيق الكفاية للمسلمين، وتأمين الحذر لأمته، والتبصير للمسلمين من التخلف والسقوط والوقوع في علل تدين الأمم السابقة التي أدت إلى هلاكها وانقراضها.

وفي ضوء هذا المفهوم الشامل لمصطلح الفقه في الدين -والفقه بالمعنى الاصطلاحي جزء منه- لا بد من إعادة النظر بمناهجنا المدرسية، وكلياتنا الشرعية، وموضوعات رسائلنا الجامعية، وأنظمتنا التعليمية، ومعاهدنا الشرعية، والشروط المطلوب توفرها، والمعارف المطلوبة لتكوين الملكة الفقهية القادرة على إنتاج الفكر والفقه الحضاري، أو العقلية الفقهية، والتقدم صوب شعب المعرفة جميعًا بأصول فقهية معرفية إسلامية في المجالات جميعًا، القادرة على تنزيل معرفة الوحي على واقع الناس، وتقويم هذا الواقع بها، المستبصرة للمستقبل في ضوء المنهج السنني، فسنة الله لا تتبدل ولا تتحول، وهي ماضية في الأمم والأزمان والأماكن جميعًا -حيث لا يخرج الماضي عن أن يكون مقدمة لنتائج وعواقب في المستقبل- فالتأثير في المستقبل وصناعته رهين بكيفية تقويم الحاضر والتعامل معه، ومدافعة قدر بقدر أحب إلى الله.. فالذي لا يفقه السنن لا يتمكن من المداخلة وحسن التقدير المستقبلي.

وليس من قبيل المصادفة -ولا مكان للمصادفة والعبثية في هذا الكون- أن يطلق مصطلح السنة، التي تعني الطريقة المطردة والقانون الناظم الذي يحكم الحياة والأحياء، على ما ورد عن الرسول صلى الله عليه و سلم من قول أوفعل أو تقرير، فالسنة منهج حياة كامل.. لذلك فإن فقه تقويم الحاضر بقيم الدين في ضوء الظروف المحيطة والإمكانات المتاحة يتطلب إدراك السنة أوالمنهج السنني، فلكل شيء سنة، ومن ثم القدرة على وضع الحاضر في موقعه المناسب من مسيرة السنة (السيرة النبوية) للاهتداء إلى كيفية التعامل معه في ضوء هدايات الوحي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت