فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 1942

لم تستو الحياة - في كل جوانبها - على الأفق الأعلى الذي كان وقت حياة الرسول وخلفائه الراشدين ، ولكنها ظلت مع ذلك عالية .. عالية جدًا بالنسبة لكل ما عرفته الأرض من نظم وقيم وحضارات .

وقد مر بنا من قول المستشرق ولفرد كانتول سميث أن المحاولة الإِسلامية لنشر العدالة بين الناس كانت وما تزال أشد المحاولات جدًا وأكثرها جهدًا . كما مر بنا من أقوال غيره من المستشرقين ما يبين كيف امتد المد الإِسلامي في مختلف مرافق الحياة حتى شمل الأرض المعروفة كلها في ذلك الحين ، واستضاءت به أوربا في كل مرفق من مرافق نهضتها الأخيرة في العصر الحديث .

والمعاني"الإِنسانية"التي رسخها المسلمون في الضمير البشري ، والتي التقطتها أوربا في الحروب الصليبية مرة ، وفي الجامعات الإِسلامية في الأندلس والشمال الأفريقي مرة .. داخلة كما مر بنا من قول بروبفولت في كل الأسس الحضارية التي يقوم عليها العالم المتحضر اليوم .

فليس صحيحًا إذن ما اندس في أوهام بعض المسلمين أنفسهم ، من أن الإِسلام قد انتهى بعد فترة الرسول والخلفاء الراشدين !

الصحيح فقط أن الفترة المثالية قد انتهت ، وبدأت فترة"عادية"من تاريخ الإِسلام ، وإن كانت - وهي عادية بالنسبة للإِسلام - أعلى فترة في تاريخ الأرض .

ولكن خط الانحراف بدأت منذ ذلك الحين .

بدأ منذ العصر الأموي أول كسر في المبدائ الإِسلامية في سياسة الحكم وسياسة المال ، إذ بدأ"الملك العضوض"بنظامه الوراثي ومظالمه ، وبدأ ما يشبه الإِقطاع في محيط الأمراء وأتباع السلطان .

ومع ذلك فقد ظل المجتمع إسلاميًا في مجموعه . كانت العاصمة وحدها هي التي فسدت . فسدت فسادًا جزئيا في سياسة الحكم والمال بالنسبة للملوك والأمراء . ولكن ما زال أولئك الحكام أنفسهم - رغم انحرافهم - يقرون بمبادئ الإِسلام ويحكمون شريعة الله في شئون الناس ، كبيرها وصغيرها ، مع التحايل عليها أحيانًا فيما يختص بأشخاصهم وأقربائهم قي شئون الحكم والمال .

وهو فساد ما في ذلك شك . ولكنه كما قلنا فساد جزئي لم يتعد العاصمة إلى بقية المجتمع الإِسلامي . ولم يتأثر به المسلمون - إلا قليلا - في حياتهم اليومية ، فظلوا يعيشون في مفهوم الإسلام ويكيفون به حياتهم ، ويعملون - في عالم الواقع - على نشر المد الإِسلامي في بقاع الأرض ، شاعرين بالعزة التي قررها الله لذاته - سبحانه - ولرسوله وللمؤمنين . شاعرين بالاستعلاء الذي يصنعه الإِيمان في نفوس المؤمنين . شاعرين بالتبعة الكبرى التي يفرضها الإِيمانا عليهم في ذوات أنفسهم وفي مجتمعهم . شاعرين بالإِخاء الحقيقي الذي يجمع المؤمنين بعضهم إلى بعض . شاعرين بالمودة والتعاون . شاعرين أنهم أمة واحدة: يدخل المسلم إلى أي قطر من أقطار الأرض المسلمة ، فإذا هو - بصرف النظر عن الحكومات وخلافاتها - أخ لكل من فيه من المسلمين ، يتلقى منهم المودة والمعونة والأخوة ، ويمنحهم من نفسه ما يمنحونه من نفوسهم . شاعرين أن المال مال الله ، والناس كلهم شركاء فيه ، لا الغني مستأثر ولا الفقير محروم . شاعرين أن سلوكهم الشخصي ينبغي أن يكون مطابقا لما يريده الله ورسوله . بقدر ما وسعهم من جهد - وهو جهد كبير في واقع الأمر - وأن شريعة الله هي المصدر الدائم للحياة ، والدستور الذي لا دستور غيره لحكم حياتهم وتنظيم العلاقات بين الناس . وأن عليهم أن يعملوا في عالم الواقع بالعلم والعمل والجهد الجاد لتحقيق الاستعلاء والقوة ، وهداية البشرية كلها إلى النور .

وفي ذلك كانت الفتوح التي يعرفها التاريخ في كل مناحي الحياة .

ثم جاء العصر العباسي .. ودخل الفرس في توجيه سياسة الدولة وتشكيل صورتها . ودخل في"الفكر الإِسلامي"بعض المفاهيم الغريبة عليه - وأبرزها الصوفية والفلسفة النظرية التجريدية الغريبة على التصور الإِسلامي في واقعيته المثالية - كما دخل العاصمة كثير من ألوان الفساد الخلقي ، وانتشر في قصور الخلفاء والأمراء والأتباع جو من اللهو والفسوق والتفاهة والانصراف عن الكدح والجد .. لا يعرفه الإِسلام ولا يمكن أن يسيغه . من جوارٍ ومطربين وملهين ، وألوان من البذخ الفاحش ، والترف الفاجر ، و"أدباء"يُمِدُّون لهذا كله ليرتزقوا .. ويقدمون المادة المتعفنة التي تستهلكها هات القصور ، ويبعدون"بالفن"عما يمكن أن يكون فنًا إسلاميًا حقيقيًا ، ينبع من الحقيقة الإِسلامية الكونية ويترجم عنها ، ويجعلون منه أداة للزلفى حينًا ، وللتلهية والتطريب حينًا آخر .. وقلما يعبرون فيه عن معاني الحياة .

وانعكس شيء من هذا كله على المجتمع الإِسلامي ولا شك . ولكنا نأخذ صورة غير صحيحة عن هذا المجتمع إذا تصورناه كله على صورة العاصمة الفاسدة المنحلة ، وقصور الخلفاء والأمراء والأتباع التي تزخر بالترف والفجور .

ولئن كانت كتب التاريخ - والغربي منها خاصة - قد عنيت عناية كبيرة بإبراز هذه الصورة للإِسلام في تلك الفترة ، فالذي يعرف - إلى ما قبل جيل واحد - كيف كانت تعيش العاصمة وكيف كان يعيش الريف في كل البلاد الإِسلامية ، يدرك من فوره ذلك الفارق الكبير بين الحياتين ، ويدرك أن فساد العاصمة وتبذّلها لا يعني شيئًا كثيرًا بالنسبة لبقية المجتمع ، المحافظ على تقاليده ، بعيدًا عن العاصمة وترفها المجنون .

ونحن هنا لا نؤرخ - كما تصنع كتب التاريخ - لملوك المسلمين و"خلفائهم".. وإنما نستعرض تاريخ المجتمع الإِسلامي ، تاريخ الأفراد العاديين الذين يكوّنون مجموع الأمة ، ويمثلون حقيقة الفكرة التي يعتنقونها .

وقد قلنا إن"شيئًا"من هذا الفساد المستشري في العاصمة قد انعكس على المجتمع .. ولكنه شيء ضئيل بالقياس إلى هذا الفساد . فلئن كانت الخمر والجواري واللهو والطرب هي"المودة"في قصور العاصمة ، التي تنفق فيها الأموال وينفق فيها الجهد البشري ، فقد كان في تلك العاصمة ذاتها علماء يعكفون على عملهم بعيدًا عن ضوضاء القصور وزخارفها ، يترجمون ويؤلفون ويتابعون أبحاثهم في مراصدهم ومعاملهم ومكتباتهم الخاصة .. وكان فقهاء يعكفون على دراسة الفقه ويتبحرون فيه ويضيفون إلى تراثه بروح إسلامية خالصة .. وكان جغرافيين يجوبون الأرض ليكتشفوا أرض الله الواسعة ويكتبوا عنها كتابة علمية جادة مخلصة تتميز بالأمانة العلمية والدقة في التحصيل والتسجيل . وكان دعاة يجوبون الأرض ليدعوا الناس إلى الإِسلام في"الصين"و"أندونيسيا"وغيرهما من أقاصي آسيا ، وفي السودان شرقه وغربه من المحيط إلى المحيط .. وكان مجاهدون يدخلون المعارك ضد أعداء الإِسلام في كل مكان .. ثم كان"الفرد العادي"في المجتمع ، في المدن والريف والبيداء مسلمًا يعيش بروح الإسلام ويحكّمها في حياته ، يتجنب الحرام ويسعى إلى الحلال ، مسترشدًا بهدي الله ورسوله ، ومحافظًا على تقاليد المجتمع المستمدة من تقاليد الإسلام .

وليس معنى ذلك بطبيعة الحال أن هذا المجتمع كان مثاليًا وفاضلا في جميع تصرفاته .. فذلك لم يحدث في أي مجتمع في الأرض في أية فترة من فترات التاريخ .. ولا المجتمع الذي رباه على عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ولكن معناه أن الخير فيه يغلب على الشر .. ونوازع الرفعة تغلب على نوازع الهبوط .. والتقاليد الفاضلة تغلب على التقاليد المنحلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت