فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 1942

كما أخص بالذكر المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة المختصة بالحضارة الإسلامية والتي قدمت كتاب"شمس العرب تسطع على الغرب"رسمت فيه صورة رائعة عن الحضارة الإسلامية.

إذ قالت في كتابها:"لقد وجدت اللغة العربية تجاوبًا من الجماعات، وامتزجت بهم وطبعتهم بطابعها، وكونت تفكيرهم ومداركهم وشكلت قيمهم وثقافتهم، وطبعت حياتهم المادية والعقلية، فأعطت للأجناس المختلفة في القارات الثلاث وجهًا واحدًا مميزًا، حتى السلاجقة والأتراك والمماليك والتتار عندما وصلوا إلى الحكم ظلوا بقلوبهم رعايا مخلصين للثقافة العربية وللغتها، بل ولأساليب الحياة العربية وفكرها، حقًا إن قدرة هذه العقلية العربية على طبع الشعوب لرائعة".

الاستشراق والاستغراب

وأكدت د. نجاح أحمد أنه كي نفهم الاستشراق لابد من فهم المصطلح المقابل له وهو الاستغراب، أي علينا فهم العلاقة التاريخية بين الشرق و الغرب، المرتبطة بدورها بجدلية الداخل والخارج من حيث حجم القوة، فقالت:"طوال العصور القديمة والوسطى كان العرب القدماء أصحاب النظام العالمي، المتميز عن النظام الغربي الحالي بأنه كان إعماريًا، فأينما ذهب العرب شيدوا حضارة كاملة أكثر ما تجلت في الإعمار والبناء، وفي تعليم الزراعة والحرف والتجارة وقدموا الأبجدية التي هي نتاج حضارة متكاملة، وكانوا بحق أصحاب رسالة، وليس عبثًا ما يقال بأن مصر أم الدنيا، وسورية مهد الحضارات، والعراق الأصل البشري والحضاري، ومكة المكرمة مركز الكون."

شُكل النظام العالمي القديم من ثلاثي مصري ـ سوري ـ عراقي، هذا المثلث الحضاري كان المسيطر اقتصاديًا وثقافيًا وحضاريًا، فعلم الحضارة للعالم في العصور القديمة والعصور الوسطى، ثم جاءت الدولة الإسلامية مؤلفة من المثلث نفسه إضافة إلى شبة جزيرة العرب، وأصبح هنالك نظام عالمي إسلامي مسيطر على العالم شرقًا وغربًا، يقوم على أساس جدلية الداخل والخارج ، حيث كان الداخل العربي قويًا سياسيًا واقتصاديًا، فأعطى العالم من إشعاع حضارته ونورها أكثر مما أخذ، وأثر فيه أكثر مما تأثر به، وانعكس ذلك على علاقة الاستشراق والاستغراب في العصور القديمة والوسطى، فكان الشرق هو المعطي والغرب هو المتأثر بحضارتنا، هذا لا يعني نفي مساهمة كل شعوب العالم في الحضارة، ولكن عندما نأخذ المعطيات ونجري المقارنة نجد أن العرب كانوا أصحاب اليد الأولى في هذه الحضارة والتيار المعتدل والموضوعي، يقول إن أصل النهضة الأوربية هي من المنطقة العربية، لكن في الفترة التالية حصلت متغيرات عالمية انتقل من بعدها مشعل الحضارة والنظام العالمي من العرب إلى أوربا. بعد أن قطع الأسبان والبرتغال الاحتكار العربي للطرق الاقتصادية العالمية بين الشرق والغرب، بمعرفتهم طريق رأس الرجاء الصالح عام 1488 واستعانتهم بابن ماجد للوصول إلى الهند، وكان ذلك بعد عشر سنوات،.. ثم جاء الاحتلال العثماني الذي هز الاقتصاد العربي في حين كان الغرب يعيش الثورة الصناعية والتقنية، وبالتالي أصبح الداخل العربي ضعيفا ومهلهلا، في حين كان الخارج الغربي يملك القوة، والأقوى يعطي أكثر مما يأخذ، فأصبح العرب متلقين للحضارة ومنفعلين غير فاعلين، وتعرضوا لهجمات تشوه حضارتهم وبعيدة عن مبادئهم، وأصابهم الإحساس بالدونية أمام القوة الغربية، في حين صار الغرب ينظر إلى المجتمع العربي بتعال، وهذا انعكس على مفهوم المستشرقين تجاه العرب الذين تخلفوا عن الركب الحضاري"."

الاستشراق والدعوة الإسلامية

وبالتالي هل للاستشراق دور في نشر الإسلام والدعوة الإسلامية في العالم الغربي؟

يقول الشيخ بسام عجك:"قام الاستشراق في مرحلته الأولى، ومرحلة الانبهار بالحضارة العربية والإسلامية التي شهد أثرها في الأندلس، فقام بدراسة العالم الإسلامي من خلالها وعندها ترجم الكثير من الكتب التي تبين عقيدة المسلمين وتاريخهم وأفكارهم وتقاليدهم إلى العالم الغربي، ويمكن أن نقول إن المستشرقين نقلوا صورة العالم الإسلامي من وجهة نظرهم إلى العالم الغربي، وكانت الكنيسة هي المسيطرة على حركة الاستشراق، إذ إن الاستشراق بدأ بأهداف ودوافع دينية بحته، ناتجة من خوف الكنيسة الغربية من الانتشار السريع للدين الإسلامي في كافة أرجاء العالم القديم، فبدأت بدراسة الإسلام في محاولة جادة لإيقاف زحفه، ثم كثرت مقاعد الدراسات الشرقية والعربية واللغوية واللغات الشرقية في العالم الغربي، في جامعاتها ومعاهدها ومدارسها ومراكزها البحثية، فقام المستشرقون خلال هذه الفترة الطويلة زمنيًا بترجمة الكثير من تراث المسلمين في كل مجالات سواء كانت الدينية أو الثقافية أو التاريخية أو الفلسفية أو الاجتماعية أو العلوم التقنية العملية كالكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات وغيرها، هذه الترجمة أدت إلى نوع من التوعية غير المباشرة للعالم الغربي، بأن هناك مجموعة كبيرة من البشر المسلمين، لهم ثقافتهم وتراثهم وتوجهاتهم، مع أنه يجب أن نذكر أن تلك الدراسات كانت تحذيرًا للغربيين من خطر مخيف بالنسبة لهم وهو خطر الإسلام، هكذا كانت الصورة تعرض، ويمكن لنا أن نذكر بوضوح تام أن المستشرقين كانوا على ثلاثة أصناف، منهم المتعصبون الذين كانوا يكتبون بروح عدائية حاقدة، وكتاباتهم كانت تتسم بالهجومية الدائمة ضد الإسلام والمسلمين ومحاولة إلصاق أي تهمة سلبية بالمسلمين أو تحريف مقاصد الشريعة الإسلامية، أو فهم النصوص فهمًا خاطئًا، ويمكن لنا أن نذكر على سبيل المثال المستشرق اليهودي الأصل جولد زيهر وغيره من المستشرقين المتعصبين الذين كتبوا بروح عدائية لأن منطلق البحث عندهم كان منطلقًا عدائيًا بالدرجة الأولى، إذ إنهم انطلقوا من نظرية أن الإسلام يريد أن يلغي وجود العالم الغربي، فبدؤوا يكتبون تجاهه بهذه النظرة العدائية، وهناك نوع آخر من المستشرقين المعتدلين، أو لنقل الإيجابيين الذين كتبوا بروح غربية، لكن كانوا أقرب إلى الموضوعية والنزاهة العلمية في بحثهم، وربما لم يسلم بعضهم، ويمكن لنا أن نذكر على سبيل المثال المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه"حضارة العرب"، وهو الذي قدم كتابه بهذه العبارة التي قال فيها"لم يعرف التاريخ فاتحًا أرحم من العرب المسلمين"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت