-رضي الله عنه-: لقد كنا -نحن العرب- أذلَّ الناس، حتى أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره؛ أذلنا الله.
وبعد أن يعلم المسلم هذه الأمور ويعيها، فإن أسئلة كثيرة تدور في ذهنه عن دوره تجاه حضارته، وتأتي الإجابة واضحة جلية، وهي أن دور المسلم يتحدد من ناحيتين:
الأولى: أن يهتم كل مسلم بحضارته ويتعرف عليها، فيعرف عوامل نجاحها وعوامل ضعفها، فيأخذ بعوامل النجاح، ويبتعد عن عوامل الضعف.
الثانية: أن يكون المسلم نفسه مبدعًا ومخترعًا وصانع حضارة، يساهم بما يستطيع في إعادة بناء هذه الحضارة، فالقرآن الكريم أمر المسلمين كثيرًا بالسير في الكون والتفكر في مخلوقات الله، ومعرفة سنن الله في هذا الكون.
دور المؤسسات الدولية في إحياء الحضارة الإسلامية
أولًا: الإعلام:
ينبغي أن تُستغل وسائل الإعلام استغلالًا يخدم مبادئ الحضارة الإسلامية وأهدافها، سواء المرئي منها أو المسموع أو المكتوب، فيعرض فيها جوانب عظمة هذه الحضارة وأسباب تفوقها، وإبداع المسلمين في كل المجالات، والتعريف بعلماء الحضارة الإسلامية في كل الميادين، ونشر أعمالهم، وأن تقدم البرامج التي تتحدث عن ذلك كله، وكيف أن الحضارة الإسلامية كانت هي المنبع الصافي الذي استقى منه الأوربيون، وتعلموا منه في عصور جهلهم، وكيف انتقلت هذه الحضارة إلى أوربا، فتقدمت هذا التقدم الذي تعيشه هذه الأيام.
كما أنه يجب عليه عرض التطورات العلمية العالمية في كل المجالات، حتى يستفيد من ذلك طلاب العلم، ويكون المسلمون على وعي بما وصل إليه العلم، فينطلقون إلى الإبداع والابتكار.
ثانيًا: التعليم:
ودور التعليم في إحياء وبعث الحضارة الإسلامية دور خطير ومهم، ولذلك ينبغي أن يتعاون الجميع لإصلاح مناهج التعليم؛ لأنه يجب أن يتعلم الطلاب في كافة مراحل التعليم مبادئ دينهم وحضارتهم، فيجب أن ينتهي الطالب مع انتهائه من مراحل التعليم من حفظ كتاب الله، وأن يدرس في كل مرحلة شيئًا مبسطًا عن قواعد الفقه الإسلامي وعلوم القرآن، والحديث النبوي الشريف، وأن تدرس مادة الحضارة الإسلامية في مرحلة التعليم العالي في الجامعات وفي كل الكليات، لتظهر كيف تفوق المسلمون في كل مجالات الحياة، وكيف أن المسلمين لما التزموا بإسلامهم سبقوا الأوربيين في كثير من الاكتشافات العلمية.
ولابد من العناية بتدريس اللغة العربية لغة الحضارة الإسلامية، تدريسًا ييسر فهمها، ويحببها إلى نفوس الطلاب، كما يجب الاهتمام بتدريس اللغات الأجنبية، وتعريب العلوم التي تدرس باللغات الأجنبية، ويجب متابعة التطورات العلمية في كل المجالات، وترجمتها لنكون على صلة بها، وهذا هو الأسلوب الذي اتبعه الأوربيون في بداية أمرهم، حيث قاموا بترجمة العلوم الإسلامية إلى لغاتهم ودرسوها بلغتهم، وبذلك استطاعوا أن يبدعوا ويبتكروا في كل المجالات.
وقد شهد الأوربيون أنفسهم بفضل علماء الحضارة الإسلامية على أوربا، ومن هؤلاء: الألمانية (سيجريد هونكه) في كتابها الرائع (شمس العرب تَسْطع على الغرب) ، حيث قالت في مقدمته: إن هذا الكتاب يرغب في أن يرد للعرب ديْنًا لهم على البشرية استُحِقَّ منذ زمن بعيد، بالإضافة إلى دراسة التاريخ دراسة إسلامية تتفق مع مبادئ الإسلام، وتنقيته من الأخطاء التي علقت به، والاستفادة من عصور القوة التي عاشها المسلمون، ومعرفة أسباب هذه القوة والأخذ بها.
ولا يتحقق كل هذا إلا بالاهتمام بالمعلم الذي يدرِّس العلم لطلابه، فينبغي إعداده إعدادًا علميًّا جيدًا، وتكريمه ماديًّا ومعنويًّا واجتماعيًّا، وتوفير سبل الراحة له، حتى يقوم بالتعليم والتربية لأبناء المسلمين على مبادئ الإسلام وقيمه على أكمل وجه.
ثالثًا: الاقتصاد:
ينبغي إصلاح المؤسسات الاقتصادية في الدول الإسلامية بما يتلاءم مع مبادئ الإسلام وتعليمه، فينبغي أن يلغي نظام الربا، ويكون التعامل بنظام المضاربة الشرعية، وأن تستقي قوانين الاقتصاد من مبادئ الحضارة الإسلامية السامية، ومن مؤلفات علمائها في الاقتصاد، وينبغي أن يكوِّن المسلمون فيما بينهم ما يسمى بالسوق الإسلامية المشتركة لمواجهة تحديات السوق العالمية.
رابعًا: السياسة:
الأخذ بالنظم السياسية الإسلامية المختلفة، والاستفادة بما وضعه علماء الإسلام في هذا المجال من قوانين ومبادئ مستقاة من شريعة الإسلام.
خامسًا: الجانب العسكري:
على المسلمين أن يأخذوا بأسباب القوة العسكرية، وأن يسلحوا جيوشهم بأحدث الأسلحة التي توصَّل إليها العلم، وأن يكون تدريب قواتهم المسلحة على أرقى مستوى، ويدرسوا كيفية التخطيط للحروب الإسلامية، وعوامل انتصار الجيوش الإسلامية على غيرها من جيوش الدول الكبرى في ذلك الوقت، وكيف كان يعامل المسلمون أسراهم، وكيف كانوا يخوضون المعارك، والأحكام الخاصة بالحرب، وأن يربَّي في جنود المسلمين روح الجهاد للدفاع عن الإسلام ضد أي عدوان على الأرض أو العِرض، ومعرفة فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله.
كما يجب أن تتحد الجيوش الإسلامية فيما بينها، وتكوِّن قوة عسكرية مشتركة، ويتم تبادل الخبرات في مجال التدريب والتسليح، والتخطيط للحروب، ولابد أن نصنع سلاحنا بأنفسنا ولا نعتمد على غيرنا في استيراد السلاح، ولو تم هذا واتحد المسلمون في مجال الإعداد العسكري بكل جوانبه؛ لأصبح المسلمون مهابين من أعدائهم.
المستقبل في ظل التحولات الشاملة
بقلم: د.باسم عبد الله عالِم
محامِ ومستشار قانوني
تتسارع الأحداث وتتوالى الأفعال وردات الأفعالِ حتى استحالت الصورة معتمةً لا نستطيع استبيان عناصرها لكثافة الدخان والعتمة الناتجة عنه , وكأن الصورة تستلهم من واقع الحال , وتقتبس منه ذلك الدخان الكثيف الذي تخلفه القنابل والصواريخ , ولكن المتابع لمجريات الأحداث وتطورها عبر السنين يدرك إن ثمة تحول نوعي خطير بدأ يتشكل على عدة أوجه.
فهناك العقلية والحالة النفسية للإنسان العربي المسلم كما أن هناك حالة مستجدة في علاقة بين الشعوب والأنظمة, أما في معسكر العدو فإننا نجد تحولًا نوعيًا آخذا في الظهور إلى العلن , والبروز إلى السطح , ويكمن ذلك في طبيعة العلاقة التي تربط هذا العدو بالولايات المتحدة الأمريكية , وليس ما تقدم من قبيل التحليل السياسي المترف , ولكنه إعادة صياغة لعناصر المعادلة , ومراكز القوى في الصراع العربي الإسرائلي , ولست أبالغ إن أضفت إلى ذلك الصراع القائم بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية الخفي منه والجلي.
إن أول ما يجب أن نلحظه هو الفقدان الكامل للمصداقية والثقة بين الشعوب والأنظمة في محيطنا العربي والإسلامي, فلم تعد الشعوب ترجو الأنظمة , ولم تعد الأنظمة قادرة على أن تخدع الشعوب لتجعل منها مرتكزًا ومتكئًا. ..
إن فقدان الثقة على هذا النحو هو المقدمة الضرورية لنتيجة حتمية الصيرورة، وهي انفراط العقد الاجتماعي , وبداية دخول المنطقة في حالة من الفوضى الأشبه بالمخاض الذي يسبق ميلاد واقع جديد.
وبالرغم من العداء السافر الذي أظهره للعدو الأبدي الذي بينه لنا الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وكذا العدو المتمثل بالفكر المسيحي المتهود في الإدارة الأمريكية، فإنني أبرئ أعدائي هؤلاء من أن يكونوا وحدهم العامل الفاعل في خلق هذه الفوضى المشار إليها، فهم اليوم ليسوا سوى سبب طارئ أشعل الفتيل في وضع محتقن أصلًا .