فهرس الكتاب

الصفحة 1843 من 1942

ولعل من تمام البحث أن نذكر حديثًا سمعه عمرو بن العاص رضي الله عنه عن الروم، فعلق عليه تعليقًا يدل على مدى فهم العرب لجيرانهم الروم، ولمقدار إنصافهم.

فقد روى موسى بن علي عن أبيه قال (2) : قال المستورد القرشي، عند عمرو بن العاص، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس ) ، فقال له عمرو: أبصر ما تقول، قال: أقول ما سمعت من رسول الله، قال عمرو: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: أمنعهم من ظلم الملوك.

لا نعلم هل قال هذا -داهية العرب- من عنده، أم هو قبس من نور النبوة، وفي كل الأحوال، فهو ينبئ عن معرفة دقيقة أولًا، وعن إنصاف كبير للقوم.

وعد فريد:

أريد أن استطرد لذكر وعد فريد، يخص النصارى، جاء في كتاب الله، والقرآن الكريم ليس دأبه ذلك، يقول تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم ) (آل عمران:55) . في الآية الكريمة قضيتان: الأولى بقاء النصارى إلى يوم القيامة، والثانية أن يكونوا فوق الكفار كذلك.

البعض يجادل بأن النصارى حرفوا وبدلوا، فهم ليسوا أتباعًا للسيد المسيح، بينما الوعد للذين اتبعوه. ومعلوم أن لا جديد في عقائد النصارى، إلا قلة قليلة جدًا، والباقون كلهم يؤمنون بالتثليث والصليب...إلخ، ولا جديد عندهم، اللهم إلا ما تحاول اسرائيل من رفع نصوص في الأناجيل، ومن بعض الصلوات، ومن الدعاء على اليهود، وأما ما سوى ذلك فلا جديد فيه.

الموقف من حضارة الغرب:

لا يخفى أن كل متكلم عن الحضارة، إذا أطلق (الحضارة ) ، فهو يقصد الحضارة الغربية.

وابتداءً، فإن الغرب يحتقر كافة الحضارات -باستثناء اليونانية والرومانية- ولا يقيم لها وزنًا، ويدرب أفراده على التعالي والتكبر، بل هو يتطرف فيصم كل معتز بحضارته بأنه يعادي الغرب وحضارته، ولذا سأستشهد بنصوص لبعض الرموز الإسلامية وغيرهم:

أولًا: شهادة سيد قطب (1) :

يقول سيد قطب يرحمه الله:

(لقد غابت أمتنا المسلمة عن الوجود والشهود، دهرًا طويلًا، وقد تولت قيادة البشرية أمم أخرى، وتصورات أخرى، وأوضاع أخرى، وقد أبدعت العبقرية الأوروبية في هذه الفترة رصيدًا ضخمًا من العلم والثقافة والأنظمة والإنتاج المادي، وهو رصيد ضخم تقف البشرية على قمته، غير مستعدة للتفريط فيه، ولا فيمن يمثله، وخاصة أن العالم الإسلامي يكاد يكون عاطلًا عن كل هذه الزينة ) .

إن هذه الأمة لا تملك أن تقدم للبشرية تفوقًا خارقًا في الإبداع المادي، تحنى له الرقاب، ويفرض قيادتها العالمية.. من هذه الزاوية، فالعبقرية الأوروبية قد سبقتها في هذا المضمار، سبقًا واسعًا، وليس من المنتظر خلال قرون على الأقل، التفوق المادي عليها، فلا بد من مؤهل آخر، مؤهل تفتقده هذه الحضارة.

وهذا لا يعني أن نهمل الإبداع المادي، فمن واجبنا أن نحاول فيه جهدنا، ولكن ليس بوصفه المؤهل الذي نتقدم به قيادة العالم، في المرحلة الراهنة، وإنما بوصفه ضرورة ذاتية لوجودنا، وكذلك بوصفه واجبًا يفرضه علينا التصور الإسلامي الذي ينوط بالإنسان خلافة الأرض، ويجعلها تحت شروط معينة عبادة لله تعالى، وتحقيقًا لغاية الوجود الإنساني..

لا بد إذن من مؤهل آخر لقيادة البشرية غير الإبداع المادي، ولن يكون سوى (العقيدة ) والمنهج، الذي يسمح للبشرية أن تحتفظ بنتاج عبقريتها المادية، تحت إشراف العقيدة والمنهج، من تجمع إنساني، أي في مجتمع مسلم). وأحسب أنها شهادة واضحة متوازنة منصفة.

2-شهادة د. رشدي فكار:

د. فكار يرحمه الله، ابتدأ تعليمه في الأزهر وانتهى في الجامعات الغربية، فهو ابن الحضارة الغربية، وثمرة من ثمراتها، وراصد جيد لها ولما تموج به..عرف إيجابياتها، كما يعرف سلبياتها.

وهو يقول (1) : لن نستطيع أن نقدم للعالم طائرات أسرع، ولا طرقًا أنعم، ولا سيارات أجود، ولا صناعات أفضل، لكن بإمكان الإسلام أن يقول: سأعطيكم إنسانًا أكثر توازنًا واعتدالًا، أكثر برًا وإحسانًا، إنسانًا يرتبط بمبادئه، يهاب ويخشى خالقه، إنسان يحترم الإنسان، ويعمل لإسعاده، لا الارتقاء بناطحات السحاب، واستنزاف الخيرات، في إطار من التحايل والمكر، والدهاء والكيد.

بمعنى آخر: صياغة وبناء الإنسان ليبني كل ما دمر... إن صياغة الإنسان ما تزال الأصعب، الإنسان صنع (الكمبيوتر ) ، وقد راح الأخير يصمم ويصنع العجائب، صنع الإنسان المركبات وأرسلها إلى أعماق الفلك، صنع الطائرات التي فاقت سرعتها سرعة الصوت، صنع الصواريخ عابرة القارات، لكنه يفشل في تربية طفل داخل البيت.

إن التربية المتوازنة لإنسان متوازن ما زالت هي الأصعب، المطلوب إنسان تتوزان أشواقه الروحية ونزعته العقلية، وعواطفه وغرائزه، مع توجهاته الدنيوية، وأشواقه الروحية، وتتصالح هذه التوجهات ولا تتحارب، هذا الإنسان هو المطلوب اليوم وغدًا، والحاجة له تفوق حاجتنا لصواريخ ذكية أو غبية، قبل أن يفلت الزمام، فتتحول الأرض كرة لهب، أو فرن ذري يشوي الكل.

3-مالك بن نبي:

تحوي الحضارة أفكارًا وتشريعات، كما تحمل قيمًا ومنتجات مادية، والمقتبس بالدرجة الأولى، هي المنتجات المادية، فالعالم اليوم كله يستعمل المنتجات الغربية فهل تحضَّر؟

يقول مالك بن نبي يرحمه الله (1) : لكل حضارة منتجاتها التي تتولد عنها، ولكن لا يمكن صنع حضارة بمجرد تبني منتجات حضارة ما، فشراء ما تنتجه الحضارة الغربية، من قبل كافة دول العالم، لم يجعلها تكسب حضارة أو قيمًا، إذ الحضارة ليست تكديس منتجات، بل هي فكر ومثل وقيم، لا بد من كسبها أو إنتاجها.

إذن فكل من يشتري منتجات حضارة، فهو مستهلك حضارة، وليس منتج حضارة.

ويحلو للبعض أن يقارن بيننا وبين اليابان، في الموقف من الحضارة، فيقول: كانت اليابان تلميذًا نجيبًا للغرب وحضارته، والتلميذ قد يتفوق على أستاذه ويتجاوزه، أما نحن فكنا مجرد زبائن، وما زلنا كذلك، فالزبون يأخذ البضاعة وينصرف، ويكرر ذلك كلما احتاج.

4-المستشرق الفرنسي (جاك بيرك) :

يتحدث بيرك عن أخذ الحضارة الغربية كلية -كما ينادي البعض- فيتساءل (2) : هل النموذج الغربي ضروري وحتمي، بالنسبة لكافة الشعوب ؟

ويجيب: ليس بضروري ولا حتمي، بل يؤدي في أحيان كثيرة إلى أنواع من الفشل والقلق والتمرد.

5-د. رفيق حبيب:

د. رفيق نصراني مصري، يردد كثيرًا بأنه: نصراني ديانة، مسلم ثقافة وحضارة.. له عدة كتب منها (تفكيك الديمقراطية ) ، يظهر منهجه الفكري وما يؤمن به، والكتاب يستحق القراءة بل والدراسة، وسألخص بعض ما جاء فيه، بحسب ما يسمح البحث.

لقد عنونه (حكم الأقلية ) ، موضحًا أن الحضارة العربية الإسلامية أصابها (الوهن ) ، مع نهاية القرن الثامن عشر، حيث حصل انقطاع تاريخي (1) ، ونعني به انقطاعات عن قيمنا ومبادئنا ومقدساتنا، وهو انقطاع عن التطور، وأيضًا عن السيادة والسلطة...

أما قبل ذلك فكان للأمة كبوات تنهض بعدها، ولكن مع نهاية القرن الـ 18 كان السقوط الأكبر، وهنا ظهر الغرب بكل قوته وإنجازاته وسطوته.. وأمام هذا التحدي (الحضاري ) لم تكن الأمة قادرة على الصمود، فاجتمع على الأمة التحدي الخارجي والضعف الداخلي.

فراح الغرب يفرض قيمه، وفي نفس الوقت يهمش قيم الأمة، ووجدت مجموعة فرصتها لتصل إلى الحكم، محمولة على أسنة رماح الغرب، فراحت تميل لقيم مخالفة لقيم الأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت