فهرس الكتاب

الصفحة 1839 من 1942

وأريد هنا أن أسجل بعض ما قاله المستشرق البرتغالي (أرنولد شوبرت ) (1) قد حضر في القاهرة مؤتمرًا، وأجرى مندوب مجلة الدعوة السعودية معه حوارًا صريحًا، تحدث فيه عن اللغة العربية وعبقريتها، وعن أسباب تخلف المسلمين، وعن صورة الإسلام في الغرب، وسبب الهجمة الشرسة عليه، وأخيرًا عن الحداثة وبعض الحداثيين عندنا.

فعن تخلف المسلمين يرى أنه عقوبة مستحقة على المسلمين، لتخليهم عن دينهم، وليس لتمسكهم به. ويزيد: أن الأديان عمومًا لم تكن مسؤولة عن الكوارث ولا المجاعات.

وعن سبب نظرة الغرب للإسلام وأهله، يقول: بأن صورة الإسلام في الغرب قاتمة، بسبب الموقف العدائي للغرب ضد الإسلام، منذ العصور الوسطى، وما تبعها من احتلال الغرب لبلاد العرب، وإذلالهم ماديًا ومعنويًا، واليوم تساهم الصهيونية في تشويه الصورة، وتدمغ الإسلام بأنه دين (إرهابي دموي ) ، من أجل تخويف الغرب منه، ومن انتشاره، وبهدف وقف زحفه.

وعن موقف الإسلام من الإبداع والابتكار، وعن موقفه من المرأة يقول (أرنولد ) : إن الإسلام لم يظلم المرأة، بل أنصفها وكرمها وحافظ عليها، بما لا تعرف الشرائع والفلسفات الشرقية أو الغربية له مثيلًا في تاريخها.

كما أن الإسلام لا يقف في وجه الإبداع والابتكار، والتفكر في الأنفس والآفاق، وهو لا يحجر على العقول، بل يدعو دومًا إلى إعمال العقول.

وحول المجال الثقافي للمسلمين، يرى بأنهم لم يقتصروا على فن دون فن، ولا علم معين دون سواه، والقرآن أورد كل ما ينفع الناس من علم وهداية، وتشريع وفقه وعبادة، ودين ودنيا. وقد أقبل المسلمون على سائر العلوم والفنون يتعلمونها، حتى تفوقوا فيها، لذا تنوعت معارفهم، فلم يتركوا علمًا إلا درسوه، وقد أدهشت نهضتهم العلمية السريعة الدنيا، وهم يجمعون بين العلم والحكمة والأدب، وأوروبا اليوم تشهد كلها أن المسلمين كانوا وراء نهضتها.

وعن الحداثة تكلم (أرنولد ) بكل وضوح حين سأله مندوب المجلة قائلًا: رأيناك تهاجم الحداثة في المؤتمر، مع أن هذه النظرية روّج لها الغرب، وصدرها إلى العالم، فما خطورتها؟ أجاب (أرنولد ) : أوروبا تكاد تنسى هذه النظرية، بعدما فشلت، فلاقت هجومًا عنيفًا من دعاة الأصالة، لكن المثقفين العرب لا يزالون ينظرون إليها ويقبلونها، وقد سرت فيهم إلى حد غير معقول.

لقد اعترفت أوروبا بكونها موجة خاطئة، مليئة بالفوضى والعبث، وهكذا جاءت ردود فعل عنيفة ضدها من مفكري الغرب، قائلين بأنها تسبب الاضطراب في صفوف الأمة، وتفسد ذوقها، وتشوه إحساسها بالجمال، فضلًا عن نشر التفكك في التراكيب اللغوية، ولذا فقد عجبت أشد العجب عندما رأيت من يدافع عنها في المؤتمر، بعدما تخلى الغرب عنها وتنكروا لها.

إن هذه (التقاليع ) وليدة بيئات الفراغ والترف.. وأنا أدعو الجميع، ليقفوا صفًا في وجه التيارات والمذاهب التي تهب عليكم من كل جانب، كي تحافظوا على شخصيتكم.

بعد هذا أود أن يقرأ أبناؤنا من عشاق الحداثة ما تقدم، وأضيف إليه نصًا للدكتور عبد الوهاب المسيري، حيث يقول (1) : (ببساطة لقد اكتشفنا أن(الحداثة) المنفصلة عن القيم، أي عن الإنسان، لم تُودِ بالله تعالى فحسب، بل أودت بالإنسان ثم بالطبيعة.. والتحدي الأكبر، الذي يواجهنا في عالمنا العربي والإسلامي، بل العالم بأسره هو: كيف نتوصل إلى حداثة جديدة، تسخر السلع والعلم لخدمة الإنسان، ولا تسخر الإنسان لخدمة السلع والعلم.. حداثة لا تضع أمامنا الاختيار الساذج، بين مستقبل بدون ماضٍ ولا هوية، أو ماضٍ وهوية ولكن بدون مستقبل.. حداثة نحقق من خلالها التقدم، دون أن نفقد توازننا مع أنفسنا، أو مع بيئتنا الطبيعية.. حداثة غير منفصلة عن القيم ).

نعم وبكل العزم، نريد حداثة لا تجعل منا تابعًا ندور في فلك (الغير) ، بل جرمًا مستقلًا له كيانه وهويته وذاتيته، وله قيمه وثقافته ومشروعه الحضاري.

من الحق أن نقول: (بأن نخبنا الثقافية قد خدعت برنين الألفاظ وبريقها،ثم غفلت أو تغافلت عن كون هذه المفاهيم تحمل معاني وقيمًا يصعب قبولها ونقلها، ذلك أن البناء الثقافي والحضاري لا يمكن أن يركب تركيبًا، ولا يفرض بقرار سياسي، فإن لم يوجد في الأمة عقول مبدعة، تستطيع أن تصك ) مفاهيم، فإن الأمر يبقى تقليدًا جامدًا ومراوحة في المكان.

يحلو (للبعض ) أن يقارن بيننا وبين اليابان بالنسبة للغرب وثقافته، فيقول: كانت اليابان تتلمذ على الغرب مدة، ثم شبت وبلغت فتجاوزت الأستاذ، أما نحن فقد كنا مجرد (زبائن ) ، والزبون تهمه البضاعة، يأخذها ولا يسأل عن أمر آخر.

التلميذ يكبر، فيصبح أستاذًا، والزبون إذا كبر صار مثل (جهنم ) يصرخ دومًا: (هل من مزيد ) (ق:30) ؟!

لقد مضى على زبونيتنا للغرب أكثر من قرنين، فما ازددنا إلا تابعية، وإلا ضعفًا فوق ضعف.. إن الحادي الذي يريد تحريك الأمة، لن يكون من خارجها، ومن عدوها، ولن يكون بما يخالف ويصادم ويناقض قيمها ومفاهيمها.

لا بد أن يتنامى وعينا ذاتيًا، وتنطلق طاقاتنا، قناعة لا قصرًا، وعلاج أوجه التقصير كافة، وإزاحة العوائق، كي نتحرك كأمة، كما تحركنا بعد انتشار الإسلام، أما أن نتحول إلى شراذم، يحارب بعضنا بعضًا، ويكيد بعضنا لبعض، ويستقوي بعضنا بالعدو على أهله، فلن نصل إلى شيء، إنها لعبة شد الحبل وكفى.

لقد صرنا حقًلا تجريبيًا، لكل المفاهيم والأنظمة، وجربت فينا ما يناسب وما لا يناسب من الأنظمة والمفاهيم، وكانت النتيجة قبض الريح، والحراثة في البحر!!!

ويعجبي ما كتبه د.برهان غليون -الأستاذ بجامعة السربون- في كتابه: (اغتيال العقل ) ، وطرحه القضية الثقافية والحداثة بقوة وشجاعة.

يقول د. غليون (1) : التنافس الثقافي عامل أساسي في تقرير مستقبل الأمم، والشعوب والجماعات ومصيرها، ولا تتخلى جماعة عن ثقافتها أو تمايزها الثقافي، مهما كانت درجة هذه الثقافة من الضعف، إلا إذا قررت الانتحار الذاتي، والاندماج في غيرها من الجماعات، وحل جميع الثقافات وإدماجها في ثقافة عالمية واحدة يعني قتل إمكانية إخصاب الحضارة مستقبلًا...اهـ .

وحين تتمدد ثقافة -كالثقافة الغربية اليوم- فهي تحاصر الثقافات الأخرى، وتطردها بعيدًا، بحيث تظهر الثقافة المتمددة وكأنها الوحيدة الحية الفاعلة، وما عداها قد عفا عليه الزمن (2) . وهذا ما يدفع الجماعات المحلية إلى النظر بسلبية إلى ثقافتها الخاصة، والاعتقاد بأنها خاوية وجامدة، ولا حياة فيها، ومفتقدة لكل القيم الإنسانية الحية، العقلية منها والروحية والإبداعية، فكل تجاوز حضاري يؤدي إلى تقييم أكبر للثقافة المرتبطة به، وإلى الانتقاص من قيمة الثقافة التي لم تلعب دورًا، أو كان دورها ضئيلًا في هذا التجاوز الحضاري.

ويظهر هذا الانتقاص في تخلي أصحاب هذه الثقافة عنها، فتنتشر الحضارة الصاعدة، خارج وطنها، ولتصبح ثقافة الشعوب (المتبناة ) ، بعد أن كانت وسيلة لغزوها وإخضاعها، عندئذ لا تستطيع هذه الشعوب أن تفكر بذاتها ولا بوضعها، إلا من خلال (المفاهيم ) التي تفرضها الثقافة السائدة، والرؤية العامة الروحية والتاريخية، التي تنشرها وتعممها، فيكون وعيها -أي هذه الأمم- لذاتها هو وعي بغيرها، فلا يقوم إلا به.

ومن لا يصدق ذلك، فلينظر إلى تبني أبناء المستعمرات لثقافة المحتل، حتى بعد رحيله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت