فهرس الكتاب

الصفحة 1838 من 1942

العالم، قديمه وحديثه، يشهد تصادمًا ثقافيًا، فضاؤه الأكبر حول المفاهيم، من هنا يمكنني فهم قول الحق سبحانه وتعالى، وهو يتحدث عن الاستخلاف في الأرض وجدارة الإنسان له: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ) (البقرة:30) .

والقضية ملفتة للنظر، فالله يقول للشيء: (كن فيكون ) ، لا راد لأمره، ولا معقب لكلامه، وهو هنا يعرض على الملائكة أمر الاستخلاف في الأرض، فإذا كشفوا عن تصورهم بأحقيتهم بذلك الاستخلاف، كاشفين عن عيب في هذا المستخلف، أجملوه أولًا بأنه مفسد، ثم أوضحوا: بأنه يسفك الدماء، ثم يأتي الجواب فيه نوع غرابة، إذ لم ينف الحق عن هذا المستخلف هذه التهمة، لكنه بدلًا من ذلك كشف عن مزية، وهي القابلية العالية للتعلم، على حين لا تملك الملائكة هذه القابلية، فينجح آدم في الاختبار.

والأمر الآخر الذي أريد التفكر فيه هو تعليم الله تعالى الأسماء لآدم عليه السلام، وهذا يعني أن هناك معارف قدمها الله تعالى للإنسان، وأخرى تركها ليصل إليها بجده واجتهاده.

وإذن فليس من العقل ولا من المنطق، ولا من المصلحة، أن يترك الإنسان ما قدمه له خالقه، ليشتغل به بعقله المجرد.. وتاريخ الفلسفة قديمًا وحديثًا يخبرنا بذلك التخبط البشري، خصوصًا في الجانب (الميتافيزيقي ) ، فما يقوله فيلسوف، ينقضه تلميذه، وما تتبناه فلسفة، تنقضه غيرها.

فتعليم الله جدير بأن يُعضّ عليه بالنواجذ، ففي العقائد والعبادة، وفي ذات الله تعالى وصفاته، وما يحدث في اليوم الآخر، لا يجوز بحال أن نستبدل معارف بشرية ناقصة بما قدمه الله تعالى لنا.. وسوف أضرب بعض الأمثلة:

أولها: إن الله تعالى تحدث عن العائلة، فجعلها مشروعة وفق عقد رضائي بين رجل وامرأة، بشروط معينة، إذ بيّن لنا ما يجوز بينهما -الرجل والمرأة- من زواج وما لايجوز، فإذا جرى العقد وشهد بذلك شهود، ليحفظوا حقوق الكل، وينفوا حصول الزنى، قامت العائلة، هذا في الإسلام.. جاء الغرب اليوم (ليتلاعب ) بالعائلة وليقول: لا حاجة للعقد، ولا لإشهار الزواج، ويمكن للرجل والمرأة أن يتعاشرا دون عقد، وينجبا الأولاد، فإن شاء الرجل اعترف بالأولاد، فحملوا اسمه، ونُسبوا إليه، وإلا نسبوا إلى أمهم، وصاروا أولادًا غير شرعيين. ولم يقف الغرب عند هذا الحد، بل أتاح الزواج المثلي كأن يتزوج الرجل رجلًا أيضًا، ورسم لذلك (قسسًا ) ينجزون العقد، وهناك مطالبة من قوم (لوط ) من اليهود، أن يكون لهم (حاخام ) أيضًا.

ومن يدري ، فقد يطلع علينا الغرب غدًا بتشريع يسمح بأن يتزوج رجل من كلبة، وتتزوج امرأة من كلب أو قرد، أو بغل!!!

هذا التلاعب، خطر وعبث وقد نشرت بعض الصحف الغربية قضية وناقشتها، ملخصها: أن رجلين من قوم (( لوط ) )خلطا (منيهما ) وأخذا بيضة من امرأة، ثم جرى تلقيحها لتزرع في رحم امرأة أخرى، فإذا جاء المولود (المبارك ) فلمن سيكون؟؟ إنه استنساخ جديد أو استمساخ جديد، وعبث يصعب تصوره، أو فهم الهدف منه!!!

قضية أخرى: اليهود يتلاعبون بكل شيء، ومن ذلك كلام الله، فكانوا يتلاعبون بمقولة: (راعنا ليجعلوها من الرعونة ) ، فأنزل الله قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ) (البقرة:104) . فمن أجل قطع الطريق على المتلاعبين جاء الأمر بترك (راعنا ) ، علمًا بأنه لا يوجد فرق كبير بين {راعنا } و {انظرنا } .

ولعل من الأمثلة التي لمستها، أن الشخص الماسوني الغربي لكونه لا يخاف فإنه يذكر أن الماسونية لا دينية، وأنها تعمل لإعادة بناء هيكل سليمان، أما أخوه الماسوني الشرقي فينفي ذلك كليًا (1) .

قضية العلمانية: في الغرب تعني تقاسم السلطة بين الكنيسة والدولة، الكنيسة مسؤولة عن العقيدة والعبادة وإقامة القداسات والوصايا، وما سوى ذلك للدولة، ولا أحد يتدخل في اختصاصات الطرف الآخر. فلما نُقلت إلى الشرق الإسلامي، صار معنى العلمانية الإلحاد، ورفض الإسلام شريعة، ومحاربته دون سواه من الأديان، وتدخل الدولة في كل صغيرة وكبيرة من أمور الإسلام.

وقل مثل ذلك في الديمقراطية والوجودية والحداثة وما بعد الحداثة والبنيوية وأمثال ذلك.

فالمصطلحات أو المفاهيم هذه وأمثالها تنقل وهي (محملة ) بخلفيات ثقافية، ومرتبطة بأصول ومرجعيات، وحين تنقل إلينا يحدث الكثير من الخبط والخلط.. و (الدين ) خير مثال، فالإنسان المسلم يفهم الدين أو الإسلام على أنه منهج حياة، ليس من حق الحاكم ولا المحكوم أن يتجاوزه، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. أما (الدين ) في المنهج الغربي فهو علاقة بين الإنسان وربه، أي عقيدة وعبادة ليس إلا.

وحين باشرنا الترجمة عن الأمم والثقافات الأخرى، ابتدأنا بعلوم اليونان، فلسفة ومنطق ورياضيات وطب، وتركنا الآداب مع جمالها، لأنها وثنية تؤمن بتعدد الآلهة.. وكان الذين ترجموا أولًا عن اللغة اللاتينية، من اليهود والنصارى، لذا لم يكن ثمة تعليق أو بيان للخطأ والصواب، ومن هنا دخل ثقافتنا الكثير من المفاهيم والمصطلحات، مثل: واجب الوجود بنفسه وبغيره، والجوهر والعرض، والمادة والهيولى، والجوهر الفرد، والجزء الذي لا يتجزأ، وأن الله قديم، والكلام حديث، فالله ليس محلًا للحوادث، وإذن فلم يتكلم، مع أنه تعالى يقول: (وكلم الله موسى تكليمًا ) (النساء:164 ) ، إلى أشياء كثيرة، حتى اضطررنا لإنشاء علم يرد على ذلك كله، أسميناه: (علم الكلام ) ، انتهى باختراع شبهات، والرد عليها، لقد تحول علماء الكلام إلى (دون كشوتيه ) يحاربون شبهات، قد لا تكون موجودة أساسًا.

أريد أن أصل إلى القول: بأن أزمتنا الطاحنة اليوم، من أكبر أسبابها الاحتكاك غير المنضبط بالغرب، حضارة وثقافة، وكسر كافة الحواجز، بيننا وبينه.

ومعلوم حين تصطدم حضارتان أو ثقافتان فإن الأقوى تطرد الأضعف وتحجمها، ثم يتبع ذلك فقدان الثقة بها من قبل أهلها، وتتوقف عن التعامل مع الواقع، لتحاول أن تتكيف مع العالم، ولتفسح له المجال لفرض مفاهيمه ومصطلحاته.

من هنا رحنا ومنذ أكثر من قرن، نقابل بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والحداثة، بين التقليد والتجديد، فإما هذا أو ذاك.

وهكذا شغلنا بمعارك، ما تزال تستنزف المبتقي من طاقاتنا، ثم لم نحقق شيئًا، لاحققنا تقدمًا في المعرفة، هدمنا القديم، ولم نبن جديدًا.

المفاهيم الجديدة صارت وسيلة تشرذم وتشتت، بدل أن تكون أداة علم ومعرفة وإيضاح، لقد حصل تداخل وتشابك عجيب، بين الموروث المعرفي الثقافي القديم، والوافد الجديد، فحصل تخلخل في الإجماع الذي تبخر، ففي بلد عربي نسمع بأن نظامه إسلامي أكثر من اللازم، هذا ما يقوله المغتربون، وفي نفس الوقت نسمع بأن هذا النظام إسلامي شكلًا فقط، وهذا ما يقوله التراثيون، ولا يوجد نظام في العالم يمكن أن يصدق فيه الوصفان معًا!!!

لقد ضاع الإجماع الثقافي، فتكرست الاختلافات داخل الأمة، حتى صارت المفاهيم الجديدة الوافدة هدفًا ومقصدًا لبعض الأطراف، تريد فرضه بالقوة على الأمة، رضيت أم سخطت، وعُوملت الأمة وكأنها مخلوق قاصر تقتضي المصلحة على أن يجبر على قبول بعض المفاهيم والقيم، شاء أم أبى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت