فهرس الكتاب

الصفحة 1837 من 1942

1-القضية الأولى: تقود للعصر العباسي، حيث أوصى المأمون أن يكون الخليفة من بعده (المعتصم ) ، وليس ولده، ولما كان المعتصم لم يتعلم جيدًا، فقد أحاط نفسه بمجموعة من المستشارين على رأسهم (ابن أبي الربيع) ، الذي كتب للمعتصم كتاب (سلوك المالك في تدبير الممالك ) (1) ، وكان الشخص الثاني (إسحاق بن إبراهيم المصعبي ) ، وقد طلب إليه المعتصم أن يجيب: لماذا نجح المأمون في تعاملاته وخلافته، بينما لم ينجح المعتصم؟

لقد خاف المستشار المصعبي من غضب المعتصم، إن هو صارحه السبب، فطلب أن يعفيه من ذلك، لكن المعتصم أصر على رغبته بالحصول على جواب سليم مقنع. هنا قال المصعبي: هل أنا آمن من غضبك؟ فرد المعتصم بالإيجاب.

قال المصعبي بإيجاز: لقد نظر أخوك إلى (أصول) فاستعملها فأنجبت، واستعمل أمير المؤمنين (فروعًا ) فلم تنجب شيئًا.. وهنا قال المعتصم: ويحك يا مصعبي، والله إن ما أعانيه أيسر عليّ من جوابك هذا!

هذه (المشورة ) عمرها أكثر من ألف عام، مفادها: أن المأمون اعتمد أصولًا لسياسته فأثمرت، والمعتصم اعتمد فروعًا فلم تنتج ولم تنجب.

2-القضية الثانية: خلال الحرب الكونية الثانية تحالف الألمان واليابان والإيطاليون ضد الغرب بما في ذلك أمريكا، وكانت حربًا قذرة بمعنى الكلمة، خلت من كل رحمة، فدكت المدن، وأزهقت أرواح أكثر من خمسين مليونًا من البشر، وجاع وتشرد الملايين من البشر، ونهبت بلاد ومصانع، وفرضت غرامات، وضربت هيروشيما وناكزاكي بقنابل نووية لأول مرة في التاريخ، وانتهت هذه الحرب بصورة من الدمار لم تعرفه البشرية.

وخلال سنوات حصلت مفارقة غريبة، فقد تقدم المغلوب على غالبه، وتجاوز المهزوم هزيمته ومن هزمه، فما السر وراء ذلك ؟

أحسب أن عالم (الأشياء ) دمر ونهب، ولكن الإنسان وفكره بقي، فأقام كيانه مجددًا، وتخطى من هزمه. ولعل من تتمة هذا، الإشارة إلى ما حققته الدول الاشتراكية من إرسال صاروخ إلى الفضاء، قبل أمريكا والغرب، فقامت أمريكا ولم تقعد لهذا السبق، لذا أعادت النظر في مناهج التعليم، من رياض الأطفال وحتى الجامعات، كما فتحت أبوابها لهجرة العلماء، من كل بقاع الأرض، ولم يهدأ لها بال، ولم تسترح حتى أرسلت صاروخًا إلى الفضاء، وكان ذلك عيدًا وأي عيد!

والآن أود أن أتساءل: هل الفكر هو العقل، أم العلم، أم الثقافة، أم هو الأحكام والمبادئ، أم حصيلة جمع ذلك كله ؟

إن الأفكار هي الضابط لسير المجتمع، والمانع من تراكم الأخطاء، والتآكل والصدأ.

العالم الصناعي اليوم ينشئ مراكز البحث، ويمدها بكل ما تحتاج (1) ، فأين مراكز البحث عندنا ؟

أخيرًا: هل أزمتنا أزمة قيم، أم أزمة فكر ؟

إن شخصية الفرد المسلم تعيش أزمة، ليست بنت اليوم، لكنها تطاول عليها الزمن فأفرزت إفرازات ضارة، وربما قاتلة.

لقد افتقدت شخصية المسلم منهجيتها، وتراجع شهودها الحضاري، فنتج عجز عن التقويم والمراجعة ومعرفة أسباب التقصير والقصور، وكذلك تحديد أماكن الخلل والخطل، لقد خرجنا بعيدًا عن الفعل والفاعلية، وصار التحضر ليس من همومنا، كل ذلك ليس بسبب فقر القيم، ولا المرجعية السليمة، فما زال كتاب الله يتلى، وما زالت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدرس، وما زال إيمان جمهور الأمة بالإسلام كبير.

ليست مشكلتنا مشكلة قيم، ولا أزمة قيم -كما يحلو لبعض أبنائنا، وكل أعدائنا أن يصورها- وإنما المشكلة -في تصوري المتواضع- في العجز عن التعامل مع القيم، وفرضها على الواقع، أو الملاءمة بين هذه القيم والواقع الحياتي، وهذه مهمة الفكر، ووظيفة الفكر.

هناك جهات داخلية وخارجية، تريد أن تقنعنا بأن أزمتنا في قيمنا ذاتها، وتريد أن تهيل التراب على الإسلام، عقيدة وشريعة وحضارة وثقافة وتراثًا، فإن تعذر، فليكن عقيدة بلا شريعة، وعبادة بلا تشريع. إن انحسارنا الحضاري والثقافي، كان وما يزال أزمة فكر، فقد توقف النسق الفكري للحضارة والثقافة الإسلامية منذ قرون، وصار المعتقد: (لم يترك الأوائل للأواخر شيئًا ) .

والمطلوب حاليًا أن نحاول بكل جد وإخلاص تحديد الأزمة، ومعرفة آثارها، ثم تحديد مواطن الخطأ والصواب، وكل ذلك وفق منهج يستلهم القيم، لا أن يقفز فوقها أو يهيل التراب عليها، ويستبدل بها قيمًا خارجية لا تمت إلينا بصلة.

هناك قيم عامة للبشر، وهناك قيم لكل حضارة وكل أمة.. قد تعيش الأمة بدون حضارة، لكنها لا تعيش بدون ثقافة وقيم.

ولم يسجل التاريخ اسم أمة نزعت ثقافتها مرة واحدة، كما يخلع الإنسان ملابسه ويغيرها.

الثقافة صانعة الهوية، ومانحة الولاء، والذين يحتقرون ثقافتهم أولئك انسخلوا من الأمة، ولم يبق لهم بها صلة غير (المكان ) .

وكم في العالم من بشر جسمه في وطنه، وقلبه وعقله يطوف حول أصنام لندن أو باريس أو واشنطن.. جسده هنا، أما عقله وقلبه فهناك، إنه مأزوم مهزوم، حتى سويداء القلب، ونخاع العظم.

ويقول (فرانك أنلو ) : (راقب أفكارك فإنها تتحول إلى كلمات.. راقب كلماتك فإنها تصبح أفعالًا.. راقب أفعالك فإنها تتحول إلى عادات.. راقب عاداتك فإنها تصبح طباعًا.. راقب طباعك فإنها ظلال مصيرك... )

والله الموفق والمعين

تمهيد

هناك مفاهيم تطرح هنا وهناك، تبدأ عادة يلفها غموض، ثم مع الأيام تتضح وتتبين، وأحيانًا يصاغ لها الغموض ويراد.

وأحيانًا يدخل التحريف لسبب ما.

فالمفهوم يمكن وصفه أو توصيفه بأنه شيء معرفي جامع، صاحب هوية، وربما تاريخ ميلاد، وشيء من تطور في دلالته، يوسع في دائرته أو يضيق فيها.

والأمر الذي يلمحه المتابع أن دائرة المفاهيم هي ميدان للصراع الفكري الثقافي، قديمًا وحديثًا، ساهمت فيه الأديان والمعارف البشرية.

والصدمات الحضارية، تصيب أول ما تصيب المفاهيم الثقافية، أما الأمراض التي تضربها فتتراوح بين الغموض والميوعة والتيبس.

والأمة -أي أمة- قد تستعير مفاهيم من حضارة أو ثقافة أخرى لتتداولها، ناسية خصوصيتها، خالطة بين المعارف الإنسانية العامة المشتركة كالرياضيات والفيزياء والفلك وعلوم النبات، والعلوم (المِلّية ) الخاصة، فهنا يتسرب الغموض، ويحدث الارتباك، وتتعدد المصطلحات والتعابير الدالة على معان واحدة -ظاهريًا- وليست كذلك في الحقيقة، وكأنها مترادفات.

والذين يتابعون الحوار في المؤتمرات، وعلى شبكات التلفزة، يشعرون أكثر من غيرهم بذلك.

فالذين يتحدثون عن الديمقراطية أو العلمانية أو الحداثة، أو ما بعد الحداثة، وحتى الوجودية والماسونية، يستمع لهم المتابع ليجد مصطلحات واحدة وتفسيرًا مختلفًا كل الاختلاف، لذا يجب تحديد المصطلحات والمفاهيم أولًا قبل الخوض في الحوار والنقاش.

إن الحوار يفقد معناه، إن لم تحدد المفاهيم بدقة وموضوعية، وأحيانًا يصعب النقد إن لم يصبح مستحيلًا، دون تحديد المفاهيم.

وقد يصير عالم (الأفكار ) فاقدًا المضمون، دون تحديد للمفاهيم، ويتبع ذلك أن الأمة تصاب بنوع من التشوش، فتتحول من عالم الأفكار إلى عالم الأشياء، وبدلًا من معرفة الرجال عن طريق الحقيقة، يصار إلى معرفة الحقيقة عن طريق الرجال، كما أشار إلى ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت