والذين يفتقدون المرونة يقولون إن إبداء الرأي بورقة في صندوق الانتخابات لا يمكن أن نوافق عليه لأنه لم يكن على أيام المسلمين الأوائل، وكذلك يقولون عن الديمقراطية، رغم أن روح الديمقراطية هي نفس روح الشورى، والنتيجة واحدة وإن اختلفت الأساليب. ولذلك فلا يحق لنا الاعتراض طالما أن الأمر لا يخالف أصلًا إسلاميًا. بينما يختلف الأمر بالنسبة للعلماني الذي يقول بالفصل بين الدين والدولة وألا تكون هناك وزارة أوقاف، وأن الحكومة ليس لها دخل بالدعوة للدين وحمايته، وظلت ردود الفعل هذه تفعل فعلها في المجتمع وحمته من التحول وتغيير الجلد تمامًا كما حدث في تركيا.
* هل كان ظهور الحركة الإسلامية الحديثة داعمًا لقضية تطبيق الشريعة؟
** لقد قامت الصحوة الإسلامية وهي تهدف إلى أمرين: أحياء التراث الإسلامي بعد ما حصلت الدول الإسلامية على استقلالها، والعودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ليس حنينًا للماضي ولكن إظهارًا للذات الإسلامية لهذه الأمة. إن الحضارة دائمًا أبدًا فيها جانبان جانب مادي والآخر معنوي، فالجانب المادي يمكن نقله من مكان لآخر كالعلوم التجريبية والتطبيقية، والجانب المعنوي هو الذي يميز شعبًا عن آخر. فهناك شعب يشرب الشاي بعد الظهر وشعب آخر لا يفعل ذلك .. الخ. وحينما يتخلى الشعب عن الجانب الثقافي المعنوي فإنه يفقد ذاتيته فيمن نقل عنه. والشعب الذي يتمسك بخصائصه الثقافية والفكرية وينقل الجانب المادي يظل محتفظًا بذاتيته، كما فعلت اليابان حيث نقلت الجانب المادي كله من أمريكا وأوروبا، ولكن لازالت اليابان هي اليابان، يأكلون على الطبلية وينامون على مرتبة على الأرض ويحيون على طريقتهم ويعطف الكبير على الصغير ويحترم الصغير الكبير. إن الجزائر بلد يتحدث الفرنسية وفقد اللغة العربية وفقد الخصائص العربية وبدأ يصبح جزءًا من المجتمع الفرنسي، وما يحدث الآن في الجزائر نتيجة للصراع بين فريقين فريق يطالب بالعودة إلى الإسلام والتقاليد الإسلامية وفريق يريد أن يعيش على النمط الفرنسي.
وهكذا فإن الشريعة الإسلامية هي المظهر الثقافي للمسلمين، والبلاد التي تنقل القوانين الأوروبية والنظام الاقتصادي والسياسي الأوروبي ليس لديها تراث حضاري في هذا الشأن وهم معذورون. لكن ما هو عذر المسلمين الذين لديهم تراث حضاري عظيم في هذا الشأن فلماذا نتركه؟.
والهدف الثاني الذي قامت من أجله الصحوة الإسلامية هو أن المسلم مخاطب في سورة المائدة من خلال ثلاث آيات تلزم المسلم وتطالبه بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية أي الحكم بما أنزل الله وتصف من لا يفعل ذلك مرة بالكفر ومرة بالظلم ومرة بالفسق، فالمسلم لا يكتمل إسلامه إلا بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. كما أن احترامي للقانون حينما يكون نابعًا من داخلي أفضل ألف مرة من الضوابط التي توضع لاحترام القانون الوضعي.
وهذا الاحترام الداخلي يتوفر للشريعة الإسلامية، فالمسلم يحترم الشريعة لأنها نابعة من داخله. فهناك كثير من التجار يغشون لكنهم يصرون على إخراج زكاتهم والذهاب للحج رغم أن الزكاة والحج جزاؤهما مؤجل ليوم القيامة بينما الغش عقوبته الآن وهي الحبس، لكن المسلم يخاف من الخالق دون أن يوجد رقيب عليه. وهكذا فإن تطبيق الشريعة يجعل الناس تخدم القانون وتعود إليه. وخاصة أن بضاعة الشريعة الإسلامية تضارع أرقى النظم القانونية الموجودة إن لم تتفوق عليها. هذه كلها أشياء دعت الصحوة الإسلامية إلى ضرورة العودة إلى الشريعة الإسلامية.
* ما هو واقع العالم الإسلامي اليوم بالنسبة لتطبيق الشريعة؟
** العالم الإسلامي اليوم به ثلاثة نماذج: الأول أكثر قوانينه من الغرب وقليل من الشريعة وضمن هذا النموذج كثير من الدول العربية وكثير من الدول الإسلامية.
والنموذج الثاني أكثر قوانينه من الشريعة وأقلها من الغرب ويدخل في هذا النموذج السعودية واليمن والإمارات والسودان. والنموذج الثالث هو الذي حاول التوفيق بين النموذجين مثلما تفعل مصر وباكستان. إلا أنه يجمع الدول الإسلامية عمومًا أنها كلها تطبق قوانين الأحوال شخصية من الشريعة الإسلامية.
* ما هي حكاية مصر مع تطبيق الشريعة وتقنين القوانين لكي تتفق معها؟
** ابتداءً من عام 1971 لا يجوز للبرلمان المصري أن يصدر قانونًا يخالف الشريعة الإسلامية لأن النص الدستوري يطالب بضرورة العودة للشريعة الإسلامية. وأي قانون يصدر مخالفًا للشريعة يصبح غير دستوري ويطعن فيه بعدم الدستورية، إلا أن هناك أمر هام يجب الانتباه إليه وهو أن تكون المخالفة للشريعة في الأمور القطعية التي لا خلاف عليها فهنا يحكم القضاء بعدم جوازها وعدم دستوريتها.
وهذا لا ينطبق على الجزئيات التي تكون مصدر اختلاف، فالأمور القطعية والتي هي قواعد قانونية مؤبدة ولا تتغير ولا تتعدل لوجود النص الصريح فيها مثل أنصبة المواريث وخلافه فهي أمور ثابتة وأصول، وهي قليلة في الفقه الإسلامي ولكن لا يسع أحد مخالفتها. أما الأمور الظنية غير القطعية والتي وردت في أحاديث الآحاد أو وردت في القرآن والأحاديث المتواترة ولكنها تحتمل أكثر من تفسير فلا تصبح قواعد مؤبدة ثابتة فهذه فيها آراء كثيرة ويمكن الانحياز إلى أحدها.
* ما هي العقبات التي تواجه تطبيق الشريعة الإسلامية؟
** هذه العقبات تنقسم إلى عقبات فنية وعقبات سياسية، وبالنسبة للعقبات الفنية فإن البعض يقول إن الشريعة الإسلامية مضى عليها أكثر من 14 قرنًا وكانت تصلح لعصر الجمال والدواب لكنها لا تصلح الآن في عصر الذرة والإلكترونيات، وهؤلاء القوم الذين يقولون ذلك إما جاهلون بأحكام الشريعة أو يتجاهلونها، فهذه الأحكام من المرونة بحيث تواجه كل تطور.
والله سبحانه صاغ آيات الأحكام - التي لا تتعدى 200 آية في القرآن - في صورة مبادئ عامة ولم يتعرض للتفاصيل لأنه سبحانه يعلم أن الزمن يتغير، فقال عز من قائل [وأحل الله البيع وحرم الربا] وترك التفاصيل.
وبالنسبة لنظام الحكم أمر سبحانه فقط بالشورى في آيتين [وشاورهم في الأمر] وفي الأخرى [وأمرهم شورى بينهم] ولم يلزمنا بنظام جمهوري أو ملكي أو اشتراكي أو ديمقراطي - الخ. فترك سبحانه كل ذلك لتطور الأزمنة والأمكنة. كما أن الطريقة التي اختير بها أبو بكر غير الطريقة التي اختير بها عمر غير عثمان غير علي. والشورى عند أهل السنة هي نظام اجتهادي يحتمل التغيير والتبديل بعكس الأمر عند الشيعة الذين يرون أن نظام الحكم ركن ثابت في الدين وحصروه في عليَّ وأولاده من فاطمة، ومن يخالف ذلك فقد خالف ركنًا في الدين فهو كافر وهم لذلك يكفرون أبا بكر وعمر وجمهور أهل السنة. بينما الزيدية في اليمن قالوا إنه تجوز ولاية المفضول مع وجود الفاضل.
إن الشريعة الإسلامية فيها من المرونة ما يمكننا من مواجهة كل تطور في المجتمع، فمبدأ"لا ضرر ولا ضرار"موجود وهو يمنع الضرر ابتداءً ويمنع أن يرد على الضرر بمثله، فالضرر ممنوع أيًا كان مصدره من طائرة أو صاروخ أو غواصة أو حتى حمار.
وهناك عقبة فنية أخرى يقول بها البعض وهي لماذا تتعبون أنفسكم في تطبيق الشريعة الإسلامية بينما هذه الشريعة نقلت عن القانون الفرنسي الذي هو مأخوذ من القانون الروماني فاتركونا نأخذ مباشرة من القانون الروماني.