فهرس الكتاب

الصفحة 1687 من 1942

ويجدر بنا أن نلاحظ هنا أن تاريخ الإنسان فوق هذه الأرض قد بدأ منذ اللحظة التي اختار فيها حمل الأمانة، ورضي استخلاف الله له في الأرض ، وأهم ما يعنيه هذا الاستخلاف منح الإنسان (القدرة العقلية) لتكون مناط المسؤولية الدنيوية والأخروية ، وبها يتمكن من استكشاف العالم ، وتمييز السنن التي تتحكم في المخلوقات المختلفة .. ومنحه كذلك (القدرة المادية) التي تمكنه من تسخير هذه المخلوقات في شؤونه وحاجاته.

ولاشك في أنه لولا تمكين الله للإنسان في الأرض بمنحه هاتين القدرتين ، لظل عاطلًا عن الفعل الحضاري، ولظل -مثله مثل أي مخلوق آخر في هذا الوجود- غير قادر على تغيير شيء من حاله ، التي وجد عليها منذ لحظة خلقه ، ولما كانت حاله بأحسن من حال العصفور الذي خلقه الله قبل ملايين السنين ، ولكنه على الرغم من هذه السنين الطويلة لم يتمكن من صنع رغيف خبز!

بينما استطاع الإنسان بالمقابل أن يسخر العصفور لخدمته ، كما سخر بقية المخلوقات ، التي وقت تحت طائلة يده ، ومنها ما هو أقوى منه وأكثر عددًا .. كما سخر كل ما وصلت إليه يده ، وكثيرًا مما لم تصل إليه يده .. وقد تم له ذلك خلال سنوات قليلة من تاريخه .

فهم السنن يفتح لنا آفاقًا جديدة:

ولعله من المناسب أن نذكر هنا قصة العبد الصالح (ذي القرنين) التي حكاها القرآن الكريم ، لكي ندرك كيف يمكن أن تذلل المعرفة بالسنن الصعوبات التي تعترض حياة الإنسان ، وتفتح له آفاقًا جديدة ، لم يكن يتوقع أن يصل إليها .. فقد استطاع ذو القرنين أن يفتح مشارق الأرض ومغاربها ، وأن يحقق في حقبة قصيرة من الزمان انتصارات عسكرية ، لم يحققها فاتح آخر في تاريخ البشرية .. فما هو السر يا ترى؟ وكيف استطاع أن يحقق مثل هذه الانتصارات الباهرة؟ لنستمع إلى القرآن الكريم يقدم لنا الجواب واضحًا جليًا: (ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرًا ، إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببًا ، فأتبع سببًا ) (الكهف: 83-85 ) . فالسر إذن يكمن فيما أعطاه الله له من علم بالأسباب ، كما جاء في التعبير القرآني البليغ ، أو علم بالسنن ، حسب التعبير الذي نستخدمه في هذا البحث ، وهذا العلم بالأسباب أو بالسنن ، هو الذي أمد ذا القرنين بتلك القدرات العظيمة ، التي استطاع بها تحقيق أهدافه البعيدة والقريبة..

ولنتأمل معًا قوله تعالى: (وآتيناه من كل شيء سببًا ) (الكهف: 85 ) لندرك عظمة القدرة التسخيرية ، التي منحها الله له ، فاستطاع بها أن يفعل ما يريد ..

(عن حبيب بن عمار ، قال: كنت عند علي رضي الله عنه ، فسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب ؟ فقال: سبحان الله ، سخر له السحاب ، وقدر له الأسباب ، وبسط له اليد) .

* وهكذا بدل ذو القرنين وجه الأرض ، بما كشف الله له من سنن وسخرها له.

* وكم من سنة أثرت في حياة الإنسان تأثيرًا عميقًا ، حين عرفها ، وهيأ الله له كيفية تسخيرها .. وما سيرة الطاقة الذرية عنا ببعيد ، فقد تمكن الإنسان خلال سنوات قليلة أن يسخر هذه الطاقة الهائلة في أغراض شتى ، بعد أن عرف السنن التي تتحكم فيها ، ولم يكن ممكنًا له ذلك من قبل ، حين كان يجهل هذه السنن جهلًا تامًا.

ويمكن أن نشير هنا إلى سنن كثيرة أثرت في حياة البشرية ، ومنها مثلًا تلك السنة التي تنبه لها العالم الرياضي الشهير ( نيوتن ) والتي صاغها فيما عرف باسم ( قانون الفعل ورد الفعل ) فقد تمكن الإنسان - بعد أن يسر الله له الظروف والإمكانيات المواتية - أن يستفيد من خصائص هذه السنة في مجالات عديدة من أبرزها اختراع المحركات النفاثة ، التي ساهمت في تقدم صناعة الطائرات والصواريخ مساهمة أساسية، حتى أوصلت الإنسان إلى سطح القمر الذي ظل دهورًا طويلة يتغزل به عن بعد !

من عود الثقاب إلى أجواز الفضاء:

وثمة مثال آخر يستحق منا وقفة تأمل طويلة ، ونحن نتحدث عن دور الأخذ بالسنن في تقدم حياة البشرية .. ونأخذ هذا المثال من الحدث الذي ابتدأ به تاريخ الفضاء الأمريكي - ففي شهر آب ( أغسطس ) من عام 1932م أطلقت الجمعية الأمريكية للسياحة بين الكواكب صاروخها الأول ، ولم يكن طوله يزيد عن 15 سم، وقطر قاعدته 7.5 سم ، وكانت منصة الإطلاق مكونة من قائمين مصنوعين من خشب الصنوبر (!) وقد غطيتا بكمية وافرة من الصابون لتسهيل انطلاق الصاروخ إلى الأعلى (تأمل!) وقد وقف رئيس الجمعية (ديفيد لير) والمهندس (لورانس ماننغ) يراقبان عملية الإطلاق من خلف أكياس الرمل (!)

وتفاديًا لمشكلات الإشعال فقد كلف أحد المهندسين المساعدين بإشعال الصاروخ بعود من الثقاب (!!) وبعد ثانيتين دار المحرك كما كان مقدرًا له ، ولكن لم يلبث أن انفجر وطار إلى حيث وقع على بعد 170 م من منصة الإطلاق!

إنها -دون ريب- صورة غريبة عجيبة لا يكاد جيل اليوم أن يصدق أنها حدثت قبل خمسين عاما فقط، وأنها كانت هي البداية لعصر الفضاء ، الذي لا يفتأ يطلع علينا كل يوم بكشوفات جديدة لا تكاد تصدق.

ومن المؤكد أنه لم يكن يخطر ببال أحد ممن شاهدوا تلك التجربة أنه لن يمضي سوى سنوات قليلة حتى يتمكن الإنسان من إرسال أول قمر صناعي ، ليدور حول الأرض، ثم سنوات أخرى قليلة ليطأ بقدميه أرض القمر.

وإذا ما قارنا الآن تلك الصورة للصاروخ الأول ، مع الصورة الحالية التي عليها محطات الفضاء ، فإننا نجدها أشبه بفيلم كارتوني هزلي ضاحك !! فأين مثلًا ذلك الصاروخ الضئيل ، الذي لم يتجاوز طوله بضعة سنتيمترات ، من صواريخ اليوم ، التي تناطح بقاماتها السحاب؟ أضف إلى هذا أن عملية إطلاق الصواريخ اليوم تتم تحت إشراف أعداد كبيرة من الفنيين والخبراء والعلماء، يزيد عن عشرة آلاف، موزعين في محطات المراقبة والتوجيه المختلفة والموزعة في أرجاء عديدة من الولايات المتحدة ، وهؤلاء -بطبيعة الحال- لا يقومون بالمراقبة من خلف أكياس الرمل ، كما فعل أولئك الرواد الأوائل ، بل يقومون بالمراقبة عبر شاشات التلفزيون والرادار والكمبيوتر ، التي تعطي في نفس اللحظة جميع المعلومات المتعلقة بالصاروخ وبعملية الإطلاق .. وقد بلغت الصواريخ في أقل من نصف قرن درجة راقية من التطور ، فأصبحت قادرة على الوصول إلى أية بقعة من الأرض ، أو من كواكب مجموعتنا الشمسية المترامية الأبعاد ، بحيث يمكن مقارنة الدقة في توجيه الصواريخ ، وإيصالها لأهدافها بإصابة ذبابة تقف على رأس تمثال الحرية في نيويورك ، من بندقية قناص يقف على سطح الكرملين في موسكو!!

وهذه - بدون ريب - نقلة نوعية متميزة ، ما كان للعلماء أن يحرزوها لولا أنهم تعمقوا أكثر فأكثر في دراسة وفهم السنن المتعلقة بالطيران .. فإن هذا الفهم قد أمدهم بقدرات باهرة ، استطاعوا بها تحويل الخيال إلى واقع ، وجعل المستحيل ممكنًا!

من الزهري إلى الأيدز .. رحلة أربعمائة عام نقطعها في عام واحد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت