لكن شيئًا من ذلك لم يحدث ، بل سرعان ما عكف العلماء والمسؤولين في وكالة الفضاء على دراسة وتحديد الظروف والأسباب التي أدت إلى وقوع الكارثة .. وما هي إلا شهور قليلة حتى قامت الوكالة من كبوتها ، ودبت الحياة من جديد في قاعدة ( كيب كينيدي ) وانطلق المكوك التالي إلى الفضاء وفق البرنامج المقرر !
إن النظر إلى الأحداث على هذه الشاكلة لا يعني إغفال جانب الحكمة فيها ، بل يعني فهمًا جديدًا للحكمة ، يقوم على معرفة الأسباب الكامنة وراء الأحداث ، أو معرفة السنن التي تحكم الأحداث .. لأننا بهذه المعرفة نصبح أقدر على توجيه الأحداث ، بما يتوافق وأمانة الاستخلاف ، التي نيطت بنا .
2 -موقفنا من ( النصوص) :
.. وأما العقبة الثانية التي قد تحول بيننا ، وبين التعرف إلى سنن الله في الخلق ، فهي موقفنا من تفسير النصوص الشرعية غير السليم ( من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ) فنحن غالبًا ما نقف عند حدود تفسير هذه النصوص دون محاولة تجاوز هذا الموقف إلى معرفة السنن التي تعين على تفسير النصوص .. ومما لا جدال فيه أن مثل هذا الموقف ليس في صالح النص ، وليس في صالح العقل أيضًا ، لأنه - من جهة - يجمد النص عند فهم واحد لا يتعداه على مر العصور ، واختلاف الأحوال .. وهو - من جهة أخرى - يحد من ملكات العقل ، لأنه يجعل فهم النص محصورًا بعصر وجيل من السلطة القاهرة وهذا يثبط العقل ، ويحجب عنه رؤية الآفاق الفسيحة المتعددة ، التي يعبر النص عنها ، ومن هذا المنطلق نجد القرآن الكريم يلح كثيرًا في دعوتنا للسير في الأرض ، والتفكير في ملكوت الله ( قل انظروا ماذا في السموات والأرض ) (يونس: 101) ، وتأتي هذه الدعوة من القرآن تعبيرًا عن احترامه للعقل ، وتأكيدًا على ضرورة شحذ الفكر ، لاستكشاف أسرار الوجود ، ومعرفة طبيعة الأحداث ، التي تجري فيه على حقيقتها التي هي عليها فعلًا ، لا كما نتصورها أو نتوهمها ، أو نفهمها من خلال ما يتبادر لنا من النص ..
وجدير بنا أن نتذكر هنا موقف الكنسية في أوروبا إبان العصور الوسطى تجاه علماء الطبيعة ، فقد رفضت الكنسية آنذاك كل ما جاء به العلماء من نظريات ، واكتشافات جديدة ، واتهمتهم بالتجديف ، وقامت بإحراق بعضهم وهم أحياء ، وهددت آخرين بالقتل ، إن لم يتراجعوا عما أسمته الكنسية هرطقة وتجديفًا ضد الكتاب المقدس ، وهكذا عكست الكنسية القضية ، وقلبتها رأسًا على عقب ، إذ جعلت فهمها للنصوص التي وردت في الكتاب المقدس ، هو الضابط الذي على نهجه يجب أن يسير العلم ، وكان الأحرى بها أن تجعل العلم هاديًا لها في فهم نصوص الكتاب! وقد يعترض على هذا المثال الذي سقناه من تاريخ الكنيسة في أوروبا بأن النصوص التي اعتمدتها الكنيسة لم تكن نصوصًا صحيحة ، بل كانت نصوصًا محرفة أو مدسوسة ، وهذا ما يجعل القضية مختلفة عن قضيتنا - نحن المسلمين - لأن النصوص التي بين أيدينا صحيحة قطعية الثبوت ، لم يصبها تحريف ، ولم يتسلل إليها دس ..
فنقول: هذا صحيح ، فالقضية عندنا مختلفة عما كانت عند الكنيسة ، إذ تتركز المشكلة عندنا في (تفسير) النصوص نفسها ، أو بمعنى آخر في (موقفنا من هذه النصوص) وأضرب على ذلك مثلًا المسألة السابقة نفسها ، وأعني بها .. كروية الأرض ودوران الشمس .. فقد اقتصر بعض مفسرينا على فهم النصوص في الحكم على هذه المسألة دون محاولة ربط النصوص بواقع الحال ، ودون الالتفات إلى ما يقول به علم الطبيعة والفلك ، فانتهوا من ذلك إلى أن الأرض منبسطة لا كروية ، وأنها ثابتة ، والشمس تدور من حولها .. وقد تذرع هؤلاء المفسرون بنصوص عديدة من مثل قوله تعالى: ( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ) (الحجر: 19) ، وقوله تعالى: ( والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) (يس: 38) .. ومن العجيب أن بعض من يدعون العلم ما يزالون إلى يومنا هذا مصرين على ظنهم الخاطئ بأن الأرض ليست كروية ، وأنها ثابتة ، والأرض والشمس تجري من حولها !! ولقد يقال: إن هذه المسألة قد حسمت نهائيًا بالنسبة لعلمائنا المعاصرين خاصة الذين لم يعودوا يرون أي تعارض ما بين النصوص الصحيحة الصريحة وبين ثوابت العلم الحديث .. فنقول: هذا صحيح بالنسبة للمسألة التي ذكرناها ولكثير من المسائل المشابهة ، إلا أن هناك الكثير من المسائل التي لم تحسم بعد ، والتي لم يزل بعض علمائنا يقفون منها موقفًا معارضًا بحجة أن النصوص تعارض هذه المسائل .
ويلاحظ أن معظم الذين يتصدون من بيننا لنقد النظريات العلمية ليسوا من أهل الاختصاص ، مع أن من الأمور المسلم بها أن كل قضية لا يصح أن يتصدى لها إلاّ من يملك علمًا راسخًا في هذا الحقل ، أضف إلى ذلك أنه لا يصح بحال من الأحوال تجاهل الشواهد المادية التي قدمها العلماء بحجة أن الفهم الحرفي للنصوص عندنا يعارض هذه الشواهد ، وبخاصة أن هذه النصوص لا تقطع برد النظرية .
إن قضية الإعجاز العلمي في القرآن وفي السنة النبوية ، والتي حازت قبولًا حسنًا في الأيام الأخيرة عند المسلمين ، وعند غيرهم , من ذوي العقول الراجحة ، خير شاهد على ما نقول ، لأنها أصبحت تقدم النصوص للناس وفق فهم جديد يعتمد ربط النصوص بأحدث ما توصل إليه العلم من مكتشفات .
وهذا ما يجعلنا اليوم ننظر إلى النصوص نظرة متجددة في ضوء ما استجد في عصرنا الحاضر من متغيرات ، وما تم فيه من اكتشافات، لعلنا بمثل هذه النظرة نستطيع الغوص إلى جوهر النص ، واكتشاف المزيد والمزيد من السنن المتعلقة به .
3 -تسييس العلم:
.. ومن العوامل الهامة ، التي وقفت على مدار التاريخ حجر عثرة في طريق التقدم العلمي ، وكشف سنن الله في الخلق - فيما نظن - ، أن الإنجازات العلمية ظلت ترتبط بالأهداف السياسية ( والعسكرية منها على وجه الخصوص ) ، أكثر من ارتباطها بأية أهداف أخرى ، مما جعل مسيرة العلم تنحرف عن مسارها الصحيح ، لتركز على أنواع معينة من الكشوف والاختراعات ، وتغفل من ثم الجوانب الأهم والأكثر فائدة للبشرية .. فقد وجدنا مثلًا أن أعظم الكشوف العلمية ، تنمو وتترعرع في ظل السياسات العسكرية ، فالحرب العالمية الثانية - على سبيل المثال - كانت من أهم الأسباب التي دفعت البشرية لدخول ( عصر الذرة ) ، وكان الدافع الأساسي لتفجير الذرة خوف الحلفاء من امتداد السيطرة النازية على العالم ، مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الراحل ( روزفلت ) تجند كبار علمائها ، إلى جانب عدد من العلماء الألمان ، الذين فروا إليها من بطن الطاغية ( هتلر ) ، ليعملوا على مدار الساعة في المشروع السري ، الذي عرف آنذاك باسم ( مشروع مانهاتن ) وقد استطاع العلماء في فترة وجيزة جدًا من الزمن ، أن يحولوا معادلات الطاقة والمادة التي وضعها (آينشتاين) إلى حقيقة واقعة ، واستطاعوا إجراء اول تجربة ذرية في التاريخ عام 1945م ، في صحراء نيفادا ، ولم يلبثوا أن حولوا هذا الكشف العلمي الكبير إلى قنبلة رهيبة ، ألقيت فوق مدينة ( هيروشيما اليابانية ، في الثامن من آب( أغسطس ) من العام نفسه ، وبعدها بأيام قليلة ألقيت القنبلة الثانية فوق مدينة ( ناغازاكي ) ، وبقية المأساة معروقة للجميع دون ريب !