فهرس الكتاب

الصفحة 1434 من 1942

أما قبل ذلك فليس للعرب مجدٌ يفاخرون به ولا تاريخ يتحدثون عنه غير المعلقات .. وقصر غمدان .. وجدار وإيوان ... وحين نفاخر الناس بالدنيا - وكأنما هي أمجادنا الحقيقية - فلسنا بذلك نؤهل أنفسنا لريادة العالم تقنيًا، لأنا قد نجد عندهم ما يفوق .. ومن يفاخر منا بالطين فليتأمل سور الصين ..

لكنا نفاخر بأمجاد لا يجدون لها مثيلًا.

• نفاخر بالرسول الكريم، الذي ختمت به الرسالات، وفضله الله على سائر الأنبياء.

• نفاخر بالدين الذي أكمله الله لنا وأتمه, وتكفل بحفظه وجعله صالحًا لكل زمان ومكان.

• نفاخر بالقرآن, فمن يستطيع له: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} .

• نفاخر بالعلم الذي نشرناه فأضاءت به الدنيا وكانت قبله تعيش الجاهلية .. كانت أوربا تعيش الظلام والجهل في القرون الوسطى وما أبصرت إلا حين التقمت ثديًا من الحضارة الإسلامية.

يقول 'بريفولت' في كتاب بناء الإنسانية: [لم يكن العلم وحده هو الذي أعاد أوربا إلى الحياة, بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت أشعتها إلى الحياة الأوربية] .

• نفاخر بالعدل الذي حكمنا به البسيطة بعد أن كانت تحكم بالنار والحديد والظلم والتهديد, لم يكن العدل الذي نشرناه نعيمًا لأهل الإسلام فحسب، بل لقد نعم به حتى الكفار الذين يسكنون في الديار التي يحكمها الإسلام، لقد وجد أهل الذمة والعهد في الإسلام ما لم يجدوه عند بني دينهم.

لما فتح أبو عبيده عامر بن الجراح بلاد الشام دفع النصارى الجزية واشترطوا حماية المسلمين لهم من بطش الروم وطغيانهم, فقبل أبو عبيدة الشرط وأخذ الجزية، ومرت الأيام وسمع أبو عبيدة أن هرقل يعد جيشًا ضخمًا لاسترداد الشام من المسلمين، فأخذ أبو عبيدة الجزية التي دفعها النصارى من قبل وردها عليهم معتذرًا أنه لا يقدر على حمايتهم وقال: نحن لكم على الشرط إن نصرنا الله عليهم، فلما نصره الله جاء أهل الشام يدفعون الجزية عن رضى وهم يقولون: [أنتم - ولستم على ديننا - أحب إلينا وأرأف بنا من أهل ديننا] .

تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبًا بماء فعاد بعد أبوالًا

• نفاخر بالرجال الذين خلد التاريخ ذكرهم وسطر أمجادهم حتى كأنما أخبارهم خيال لا حقيقة، إنهم الرجال الذين نصروا الدين وأقاموا الملة ودوخوا فارس والروم الذين كانوا لا يزنون للعرب أي وزن.

خرج سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقارع فارس بجنود الإسلام, فولوا الأدبار منهزمين, فلحقهم وتابع عليهم الهزائم, وفر كسرى يرجو النجاة بنفسه فتوجه إلى المدائن وهو يظن أن مياه دجلة ستحميه وتحول بينه وبين المسلمين، وسعد ومن معه يطاردون علوجهم، من حصن إلى حصن وما شعر إلا ومياه دجله تعترضه وقد علم أن كسرى لجأ إلى المدائن ولاذ بها، فوقف سعد أمام النهر وهو يرمي بالزَّبَد, فسمى الله وعبر عليه بجنوده وخيله، فدخلوا النهر أفواجًا حتى غطوه من الساحل إلى الساحل من كثرتهم وخرجوا منه أفواجًا لم يغرق منهم أحد.

وأسلنا على المدائن خيلًا

فانتثلنا خزائن المرء كسرى

يوم ولوا وحاص منا جريضًا

بحرها مثل برهن أريضًا

• هذه أمجادنا التي نفاخر بها وهذا تاريخنا الذي لا يعالينا فيه أحد, ومع ذلك فهو لا يغنينا كثيرًا إذا كنا مقطوعي النسب عنه.

إن علينا أن نقرأ الأمجاد والمآثر قراءةً مثمرةً فاعلة, نتلمس من خلالها أسباب العز والمجد السابق, فنسعى لتحقيق تلك الأسباب من أجل تجديد الأمجاد وإعادة التاريخ مرة أخرى فالأمور معقودة بأسبابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} .

لابد أن نقتفي أثر السابقين ونسير على طريقتهم كما قال مالك: [إنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها] .

إن أمة سطرت ذلك التاريخ وملكت تلك الأمجاد لا يصلح أن تذل اليوم لكافر أو تخضع له .. {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

-أمة كانت قبل قائدة للركب رائدة للحضارة هل يليق بها أن تكون اليوم مقودة يمسك بزمامها أراذل القوم؟!

-أمة هدمت الأصنام وأزاحت الجاهلية هل يصح أن ينتشر فيها الجهل مرة أخرى وأن تعلو فيها الأصنام ويطاف فيها بالأضرحة والقبور ويعبد فيها الهوى ويغيب عن ساحتها الهدى؟!

إن المسلمين اليوم لا يشكون من قلة في العدد، فهم أكثر الناس عددًا, لكنهم لا يشكلون ثقلًا يؤثر في موازين الحياة .. قد صدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: [ولكنكم غثاء كغثاء السيل] .

إنها دعوة صادقة لإزالة الغثائية عن الأمة والسعي الجاد في إعادة الأمجاد, حتى تنقل أمجادنا السابقة من طي الكتب وسجل التاريخ إلى أرض الحاضر الذي نعيشه.

إبراهيم بن صالح الدحيم

الفكر الغربي مارس أبشع أنواع الإرهاب تحت قناع الحضارة

عدد 12 ـ رجب 1425 هـ

مفكرة الإسلام: يعد روجيه جارودي في صدارة أولئك الفلاسفة الغربيين الذين يثيرون جدلًا صاخبًا حول تحولاتهم الفكرية وآرائهم المثيرة للجدل، وقد برز اسم جارودي في العالم الإسلامي منذ أعلن إسلامه في بداية الثمنينات، وعلى الرغم من ذلك لم تتوقف الانتقادات الموجهة إلى جارودي، بل ازدادت هذه الانتقادات بدخول فلسفة جارودي الخاصة إلى ساحة الفكر الإسلامي.

وربما تكمن إشكالية الخلاف في الفكر الإسلامي عند جارودي في أن التحولات الفكرية التي مر بها قبل الإسلام ـ منذ أن كان طفلًا يعيش في أسرة ملحدة ثم رحليه إلى الماركسية ثم اعتناقه البروستانتية ـ قد تركت في نفسه وعقله أثرًا لم يمح بدخوله الإسلام، أو على حد تعبير جارودي عن نفسه: [لم يعني وصولي إلى الإسلام أبدًا قطعية كاملة مع كل خبراتي الفكرية والوجودية السابقة] .

وأيًا كان الأمر فإن كتابات هذا الفيلسوف تستلزم الوقوف أمامها بالقراءة والفهم والتحليل، وتأتي أهمية الكتاب الذي بين أيدينا اليوم في ثلاثة أشياء:

1 ـ أن المؤلف استهلك جزاء كبيرًا في بداية الكتاب في شرح وتحليل تحولاته الفكرية المتتالية حتى وصل إلى الإسلام، وتأتي أهمية هذا الجزء في أنه يعد [مفتاحًا] لشخصية جارودي، قد يسهم في تيسير قراءة وتفهم مواقف جارودي ـ وليس بالضرورة قبولها ـ في مؤلفاته جميعًا، والتي لم يتنازل فكريًا عن أي منها بوصفها الممثل الصادق عن مراحل التطور التطبيعي لفكره.

2 ـ أن الكتاب يعالج قضية في غاية الأهمية، إنها قضية [الإرهاب الغربي] في مقابل الإرهاب الإسلامي [المزعوم] ؛ وهي قضية تحتاج إلى مثل جارودي ذلك المثقف الغربي أن يقدمها وأن يؤصل لجذورها في الفكر الديني والسياسي الغربي.

3 ـ أن هذا الكتاب ربما يكون الكتاب الأخير الذي يؤلفه جارودي، إذ جاوز التسعين من عمره، وشرع في أن يغلق دكانه.

التحولات الفكرية في حياة جارودي

استغرق جارودي ما يقرب من الخمسين صفحة الأولى في الكتاب في استعراض تحولاته الفكرية الشخصية؛ وهو يقول: 'مرت حياتي بانشقاقات لا آسف على أي منها؛ لأنها ليست إنكارًا لما سبق ولكنها تجاوز لحد ما'.

لقد نشأ جارودي في أسرة فرنسية ملحدة لكنه اعتنق البروتستانتية في الرابعة عشر من عمره، ثم انضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي في الثانية والعشرين حتى أصبح عضوًا في اللجنة المركزي للحزب الشيوعي الفرنسي، وفي الوقت ذاته كان رئيسًا لجمعية الشبان المسيحيين البروتستانت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت