فهرس الكتاب

الصفحة 1435 من 1942

وقد [طرد] جارودي من الحزب الشيوعي منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وكان سبب ذلك أنه قال: 'إن الاتحاد السوفيتي ليس بلدًا اشتراكيًا، وإن الاشتراكية ليس لها وجود فعلي في أي مكان في العالم'. أما أكبر تحول في حياة جارودي فكان تحوله للإسلام؛ لقد تعرف على الإسلام مبكرًا جدًا، وهو يقل في أحد الحوارات التي أجريت معه: 'لقد عشت في بداية الحرب العالمية الثانية تجربة فريدة من نوعها؛ لأن قوات الاحتلال الألماني قبضت على المجموعة الأولى للمقاومة الفرنسية حين سقطت باريس، وصدر الأمر بنقلها إلى معسكر [جلفة] في جنوب الجزائر، وكنت أحد أفراد هذه المجموعة، فدعوت رفاقي إلى تمرد في السجن، وفي مارس من سنة 1941م دعوت حوالي خمسمائة منهم إلى التظاهر لتأكيد اعتراضنا على السياسة النازية .. وبعد ثلاثة إنذارات من قائد المعسكر .. أصدر أوامره للجنود بإطلاق النار علينا ففوجئنا برفض الجنود ذلك حتى بعد تهديدهم بالسياط .. ولم أفهم للوهلة الأولى سبب رفضهم، ثم عرفت أن هؤلاء الجنود كانوا من الجزائريين المسلمين، الذين يرون أن شرف وأخلاق المحارب المسلم تقتضي ألا يطلق النار على إنسان أعزل.

ويضيف جارودي: 'لقد صوروا لنا المسلم على أنه متوحش همجي، فإذا بي أمام منظومة قيم متكاملة لها اعتبارها لقد علمني هذا الموقف، واستفدت منه أكثر من استفادتي عشر سنوات بالسوربون'.

أزمة العقل الغربي

يذهب جارودي إلى أن التسلط الغربي على العالم يضرب بجوره إلى آلاف السنين منذ الأسطورة التي بررت إبادة الآخرين، حتى 'الإمبراطورية الرومانية' التي ادعت أنها تضم في حدودها كل العالم المعروف آنذاك، وهذا ما سمته أوروبا بـ'الحضارة'، كما لو كانت حكرًا عليها، لكي تعطي الشرعية لاستعباد واستعمار الشعوب الأخرى.

أما قادة الولايات المتحدة فقد جعلوا مهمتهم ـ التي كلفهم بها القدر ـ هي قيادة العالم لإقامة نوع من 'العولمة' أي نظام وحيد خاضع لما سماه أحد منظريها بـ'قانون السوق'.

ويقول جارودي: 'ولكي ننجز مهمتنا ونحقق الوحدة المتناسقة لعالم اليوم الذي انقسم إلى شمال وجنوب، بعد عشرين قرنًا من انفصال الغرب، وخمسة قرون من الاستعمار، وخمسين عامًا من الهيمنة الأمريكية الإمبريالية، نجد أنه من الضروري أن نرسم منحى لتطور الغرب، ونعود إلى أسباب الانقسام، ونبحث عن الوسائل التي تضع نهاية ذلك، فتضع نهاية لهذا الصدع الذي يزداد باستمرار ـ حتى في الغرب نفسه ـ بين من يملكون ومن لا يملكون'.

ويتفق جارودي مع [بول فاليري] أن ثلاثة تقاليد شكلت أوروبا؛ وهي:

1ـ المسيحية، وبأكثر دقة الكاثوليكية، في المجال الأخلاقي.

2ـ التأثير المستمر للقانون الروماني في مجالات القانون والسياسة والدولة.

3ـ التراث الإغريقي في مجال الفنون.

لكن ما يتميز به جارودي وهو دعوته بألا نفصل هذه التيارات الثلاثة عن مصادرها؛ 'لأنه بهذا الفصل يتولد الإيهام بأن الغرب ما هو إلا بداية مطلقة، ليس قبلة شيء، وأنه ظهر كنبته قد نمتنع عن تتبع جذورها، نبته منعزلة ووحيدة كنوع من المعجزة التاريخية'.

وقد أسهب المؤلف في عملية التأصيل للفكر الغربي بمنابعه الثلاثة السابقة طيلة الفصلين الثاني والثالث خاصة ما يتصل منها بالعنصر الديني الأخلاقي الذي طرح بأن أوروبا رغم علمانيتها اليوم لا يمكن لها أن تتنازل عنه، فيقول: 'إن التاريخ الديني للكنيسة يسيطر سيطرة تامة على التاريخ الغربي، فأوروبا لم يكن لها وجود خارج إطار الكنيسة، وستظل دائمًا وأبدا داخل هذا الإطار الذي لن تستطيع الخروج منه، حتى بعد أن وقعت معاهدات ويسفاليا عام 1648م، وتفككت أوروبا إلى أمم كثيرة. ولن تجدي أيضًا محاولتها إقناع العالم أن بإمكانها القيام بنهضة أو قيامة حقيقية باستبدال الكنيسة بالسوق الموحدة التي يسيطر عليها الدولار وتابعة [اليورو] .

وهو يؤكد بالدليل الفلسفي والواقع التاريخي بعد تتبعه لجذور الفكر الديني المسيحي أن التاريخ الأوروبي أو بمعنى أصح ـ حسب تعبير جارودي ـ التاريخ المسيحي الذي أدى إلى نشأة أوروبا، تاريخ دموي حافل باضطهادات الهرطقة التي ولغت في الدماء والتعذيب الجسدي.

نشأة المتوحشين

تحت هذا العنوان كتب جارودي أحد فصول الكتاب، وكان يقصد به أصحاب النهضة الغربية التي بدأت مع القرن السادس عشر، وصنعت تلك المواجهة الجدلية بين مصطلحي [التقدم] و [التخلف] ؛ فالتخلف هو التعبير عن علاقة استغلال بلد لبلد آخر، وبمعنى آخر: التنمية والتخلف هما مكونان لنظام واحد وهو النظام الرأسمالي. فتكديس الثروات ونماءها تم على عدة مراحل:

ـ إبادة هنود أمريكا بدأ من القرن السادس عشر.

ـ تجارة العبيد التي كانت ضرورية لاستغلال مناجم وأراضي أمريكا لخلوها من سكانها بسبب هذه الإبادة.

ـ القضاء على العبودية بدءًا من الثورة الصناعية، لأنه كان لا يسمح أبدًا بتنفيذ التقنيات الجديدة.

ـ بداية الاستعمار بالمعنى الصرف للكلمة، أي السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية على إفريقيا وأكبر جزء من آسيا وأمريكا اللاتينية، لضمان الاستثمارات المربحة للغاية في الصناعة والتجارة عن طريق فرض الأسعار البخسة على الأيدي العاملة، والأسعار المرتفعة للمنتجات المستوردة.

وقد أخذ المؤلف يتتبع تطور الفكر الغربي منذ القرن السادس عشر؛ ذلك القرن الرهيب الذي بدأت فيه عملية نهب 90% من الثروات المادية التي انتهجها أولئك. الذين يعيشون من أجل الثراء والقوة. وهذا هو ما يطلق عليه في الغرب مصطلح 'العصور الحديثة' والمؤرخون مكلفون بنقل أيديولوجيته إلى الأطفال، ووسائل الإعلام مكلفة بنقلها إلى البالغين.

العنف في السياسة الأمريكية

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بدأ الغرب [الولايات المتحدة وبريطانيا وحلف الأطلنطي] وإسرائيل والصهيونية العالمية حملة تشهير كبرى ضد الإسلام والمسلمين باعتبارهم العدو الجديد للحضارة الغربية؛ وقد بلغت هذه الحملة اليوم مبلغها عسكريًا وثقافيًا وسياسيًا، وكل ما نفعله اليوم هو محاولات متقطعة لنفي الإرهاب عن الإسلام، مع استغلال بعض حكومات الشرق الأوسط تلك الحملة العالمية لزيادة البطش ضد المعارضة بزعم محاربة الإسلام أو مساندة الحملة الغربية عل الإسلام.

في حين يأتي التعريف الأمريكي للإرهاب كما بينه تشومسكي في كتبه [أوهام الشرق] و [السيطرة على العالم] و [11/9] ينطبق تمامًا على أسلوب السياسة الخارجية الأمريكية، وهو ما قام جارودي بتتبعه في الكتاب الذي بين أيدينا حين يذكر أن العنف الذي تمارسه الولايات المتحدة في سياستها الخارجية إنما هو امتداد لما يمارس في الحياة داخليًا منذ العام 1889م، يوم أن أكد السيناتور ألبرت جي بفريدج [عضو مجلس الشيوخ] أن: 'التجارة الدولية يجب أن تستحوذ على النصيب الأعظم منها، وأن نقوم بغزو البحار والسيطرة على التجارة البحرية من خلال تملك أسطول ضخم يتناسب مع قوتنا وطموحاتنا، فهناك مستعمرات كبيرة تحكم نفسها ويمكنها التغلب على مراكبنا؛ لذا يجب أن نضع نصب أعيننا ضرورة السيطرة على الطرق التجارية، وأن يرفرف علمنا على العديد من مناطق العالم من خلال وصول تجارتنا إلى هذه المناطق، يجب أن تصمم مؤسساتنا على وصول القانون الأمريكي والعلم الأمريكي والنظام الأمريكي والحضارة الأمريكية إلى هذه المناطق والطرق التجارية في العالم، وقد يكون ذلك بصورة دموية .. وستكون نعمة الرب معنا حتى يصبح نجمنا ساطعًا في أرجاء عديدة من العالم'.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت